الحل الإبراهيمي للخروج من مأزق الثورة المصرية في الانتخابات الرئاسية

قضيت ليلة أمس في جلسة مصرية مغتربة على مائدة يجتمع حولها تمثيل لأطياف المصريين جميعاً أو يكاد (ثوريون ليبراليون، محبون للإخوان، محبون لشفيق، محبون للراحل عن السباق الرئاسي حازم أبو اسماعيل) نتحاور ونتجادل على مفترق الطريق الانتخابي. الأغلبية سوف تختار مرسي، عدا معسكر شفيق، وحتى أعتى معارضي الإخوان قرروا قراراً واضحاً ومتعجلاً بالانضمام لصفوف الإخوان بشكل مؤقت لمواجهة الخطر الأكبر في رأيهم. لكن كانت هنالك قلة لبثت في النفي لا تستطيع مفارقته: رفض العسكر والإخوان معهم. وكنت أنا منهم. ولا أنكر أنني فكرت بيني وبين نفسي، وتخيلتني واقفاً أمام ورقة الانتخاب: هل يستطيع قلمي النظر لشفيق دون البصق عليه؟ ثم هل أستطيع أن أخالف خلاصاتي الفكرية كلها عن جماعة الإخوان وأعطي صوتي لمرسيهم؟ أم أقاطع الانتخابات؟ وهل المقاطعة سلبية؟ الواقع أنني ظللت في حيرة حتى اطمأننت إلى المخرج الوحيد الذي أقنع عقلي وأراح ضميري، وهو ما أعرضه ها هنا، ليس لأقنع أحداً، فهو رأي سوف يقنع البعض لكنه لن يقنع الكثيرين على الجانبين. وهو اجتهاد شخصي فلسفي يلزمني وحدي ومن شابه تفكيرهم تفكيري، وكل يلزمه اجتهاده.

خلاصة المخرج الذي أراه وحيداً لخلاص مصر وانتصار الثورة هو الثبات في النفي “الإيجابي” حتى يتبين لنا ما يستحق الإثبات الحق. وهو طريق محفوف بالمكاره لكن آخره الجنة! وهو أيضاً طريق وطريقة نبي الله إبراهيم عليه السلام التي انتصر بها على الوثنية والأوثان!

لك أن تظن أنني متفلسف مجنون. ولك أن تكتفي بهذا القدر أو تصبر معي حتى أشرح وأبين فيما يلي من سطور.

دعنا أولاً نوضح ما هو واضح. هناك فريقان لا تؤرقهما ذرة من حيرة، وحلنا هذا ليس لهما قطعاً، الطرفان هما منتخبي شفيق ومؤيدي الإخوان منذ البداية. هذان الحزبان يحاولان الآن اجتذاب “الطرف الثالث” اللاإخواني-لافلولي حتى ترجح به كفة أحدهما.

دعني أيضاً أقول صراحة أن رأيي وخلافي مع منتخبي الإخوان وبعض منتخبي شفيق لا يسمح لي أو لغيري بتخوين أي مصري، ففيما عدا المجرمين المعروفين فالكل يختار وفقاً لما يراه من مصلحة بلده، واتخاذنا موقف بعينه لابد أن يظل في إطار حسن الظن بإخلاص المخالفين، حتى لو أسأنا الظن بقدرتهم على الحكم وظننا فيهم قصر النظر.

لعله من الجيد أن أقرر بوضوح أن مسار الثورة الحالي يتكون من ثلاثة أطراف متباينة وليس طرفان كما يظن البعض، والأطراف الثلاثة هي: 1. العسكر والفلول 2. الثوريون المثاليون 3. الإخوان. أما العسكر والفلول فواضحون تماماً أمام أعين الثوار ولا لبس فيهم. وأما الوهم الأهم الذي يجب معالجته هو أن الإخوان والثورة ليسا طرفاً واحداً بأي حال من الأحوال، بل هما طرفان نقيضان. والإخوان موقفهم غريب بعض الشيء، فبينهم وبين العسكر مصالح مشتركة وأخرى متنافرة، والشيء ذاته مع الثورة، لهم مع الثورة بعض المصالح المشتركة وأخرى متناحرة.

اللافلول-لاإخوان لن يعطوا أصواتهم لشفيق قطعاً. وهم في ذات الوقت ضائقون أشد الضيق بأداء الإخوان الذي رأوا فيه إعلاء لمصلحة الجماعة على مصلحة الثورة ومصلحة مصر. وهم أيضاً لا يثقون في مستقبل الثورة بين يدي الإخوان بعدما رأوه منهم. ورغم كل ذلك تعجل هؤلاء في إعلان تأييدهم – غصباً عنهم! – للإخوان لأن شرهم أهون، مهما كان، ولأنهم لا يحملون سجلاً جنائياً مباشراً وجلياً مثل سجل العسكر والفلول. ثم هناك بعض هذا الفريق الذي لا يستطيع أن يتجرع دواء الإخوان المر والمشكوك في أمره للعلاج من سم النظام المباركي، هؤلاء قرروا مقاطعة انتخابات الإعادة وإبطال أصواتهم. فأي الطريقين نختار، نحن اللافلول-لاإخوان، تحالف مؤقت مع الإخوان، أم انسحاب ومقاطعة؟ هنا كان مكمن العذاب والحيرة، ثم الحل الذي انتهيت إليه (ومعي نفر قليل ممن أعرف وأتابع)، والتأصيل الثوري والفكري والفلسفي له!

الحل الذي أشرت له بداية هو الثبات في النفي، في “لا”. التجلي العملي له في انتخابات الإعادة هو الذهاب إلى الانتخابات وكتابة “لا للفلول ولا للإخوان” أمام شفيق ومرسي. لكن الحل جذوره أعمق وأفقه أوسع من ذلك، فهو موقف ثوري وفكري متكامل. هذا الحل لا يقبل بمجرد المقاطعة، فالهدف من إبطال الصوت إبطالاً إيجابياً هو إعلان موقف وكتلة رافضة واضحة العدد والصوت، وليست صامتة في الظل. هذه الكتلة الرافضة، وعددها في الواقع ملايين تفتتوا غالباً بين صباحي ثم أبو الفتوح، لو قاطعت تماماً فكأنها لم تكن، ولو أعطت صوتها لمرسي فقط انمحت داخل الإخوان وفقدت كيانها المتميز. ولو حصل بها الإخوان على أغلبية فلن يذكرونها على أنها الكتلة التي انتخبتهم على مضض، لكنهم سوف يستخدمونها للتلويح بأن الأغلبية معهم وانتخبتهم، وبالتالي فعلى الأقلية أن تصمت من بعد وتدعهم يعملون في هدوء!

قد تظن أن الثبات في النفي – “لا” لكل الأطراف المرفوضة حتى لو لم يتوفر طرف نقول له “نعم” – هو سلبية. لكني أذكرك أنه عين الثورة وسبب النجاح المبدأي في إسقاط مبارك. لقد سقط مبارك لأن الجماهير اجتمعت على التمسك والثبات على “لا”، دون تقديم أي بديل. لا لمبارك، ولا لكل بيان وتنازل ووعد قدمه، لا وفقط. لم تكن هنالك أي “نعم” في الأفق في ذلك الحين. وكان هذا بالضبط هو سبب النجاح “السينمائي” الساحق للثمانية عشر يوم الأولى من الثورة. أما خطأ الثورة الفادح، الذي أدركته قلة في حينها وكثرة مع مرور الوقت، فكان هو التعجل في ترك “لا”، في الخروج من النفي إلى إثبات ما لا يستحق الإثبات. لو واصلت الثورة “لا” لكل بقايا النظام لما أعطيناه عاماً ونصف العام يسترد فيه الأنفاس ليقضي على الثورة على نار هادئة. وأحد أهم أدوات النظام في التعجيل بهجر “لا” هو جماعة الإخوان نفسها. هكذا خف الضغط، و”لا” النافية كانت تمثل ضغطاً لا يحتمل، عن صدور الفلول والنظام فاستطاعوا التفكير والعمل في هدوء وأوصلونا لمأزقنا الحالي.

سوف أضيف تأصيلي الفلسفي/القرآني الخاص لموقف الثبات في النفي قبل أن أستفيض قليلاً في مخاطر استعجال إثبات ما لا يستحق الإثبات، ولو بشكل مؤقت. والمرجع هنا قصة أبي الإنبياء إبراهيم عليه السلام في رحلته لهدم أصنام قومه. فلسبب ما رأيت فيها إشارات يمكن تطبيقها على الموقف الحالي. لقد بدأ النبي العظيم رحلته إلى الله/الحق بإدراك “لا”، هؤلاء “ليسوا” آلهة تستحق العبادة. لم يكن يعلم شيئاُ عن الله. فقط رفض الأصنام. ثم بحث عمن يستحق العبادة، فأعجبه القمر لوهلة، حتى أدرك حقيقته. ثم رأى نجماً أكبر وأعظم من الأصنام ومن القمر في عظمته وبهائه وقوته، فظنه يستحق “الإثبات”، يستحق “نعم”، ولكن أيضاً لوقت محدود، حتى انتبه لحقيقة أفوله المتكرر كل يوم. بعد أن يأس النبي من كل ما بدا له من آلهة زائفة، قرر الثبات في النفي، قرر الثبات في “لا”، دون أن يضمن وصوله للحق. هو فقط ثابر وصبر في نفي ما لا يستحق الإثبات. حينها فقط تولته العناية الإلهية! هذا طريق أهل الحق، وهو ليس سهلاً، فسوف تكون إحدى محطاته، بلا شك، نار يوقدها الغافلون – المثبتون لما يستحق النفي! – لأهل “لا” المخيفة، الفوضوية، عدوة الاستقرار وما عهدنا عليه آباءنا وجماعاتنا!

لعلك أدركت ما أرمي إليه من تشبيه: النظام القديم هو الأصنام، والقمر هو العسكر والفلول، والشمس هي جماعة الإخوان! والنفي الثابت الذي ثابر عليه نفر قليل هو نفي الباطل وما بني على باطل، وكل مسار ما بعد إسقاط مبارك باطل ومصائبي.

أعلم أنك ما زلت تقول: لكن الإخوان ليسوا بهذا السوء، إذا كنت من مؤيدي الإخوان القدامى أو من “المضطرين” في الإعادة بين مرسي وشفيق. أما من يفضلون الشيطان على الإخوان فما زالوا يقولون: لكن شفيق والعسكر أرحم من دولة ديكتاتورية دينية لا يكون المعارض فيها معارضاً وفقط ولكن معارض وكافر عليه لعنة الناس أجمعين! وأصر أنا ومن معي: لا هذا ولا ذاك. “لا” لمن لا يستحق “نعم”، على أن تكون لا واضحة صريحة موثقة، وليست لا سلبية صامتة.

تعال معي نتصور مسار كل “نعم”، مسار عبادة القمر أو عبادة الشمس! سأبدأ بالأسهل: لو انتصر شفيق. أرى في هذا المسار احتمالين: سوف ينتصر شفيق، ثم يعطي مهلة للإخوان ومجلس الشعب أن يصبحوا معارضة مستأنسة من لزوم الوجاهة الديمقراطية. وسوف يكون لهم بالطبع خطوطهم الحمراء. إما أن يقبل الإخوان ذلك، وهو عودة صريحة لعصر مبارك، لكن أسوأ بالطبع. فسوف يتم التخلص الهاديء والتدريجي من “رؤوس الفتن”. والاحتمال الآخر هو انقضاض وحشي على الإخوان بغرض القضاء التام عليهم، بشكل يختلف تماماً عن علاقة الإخوان بنظام مبارك. ففي زمن مبارك كانت العلاقة شد وجذب، تفاهم هناك وسجن وتعذيب هنا. ويمكنك الرجوع لتصريحات قادة الإخوان في هذه الفترة، بداية من المرشد يعلن موافقة الجماعة على تولي جمال مبارك الرئاسة خلفاً لمبارك، ومروراً بصور صبحي صالح الحميمة مع زكريا عزمي، وانتهاء بتصريحات محمد مرسي عن شخصيات “وطنية” هم تماماً رؤوس الفساد في النظام المتساقط. وهذا احتمال كارثي لسببين، أولهما أنه لا يمكن قبول التعامل الأمني مع الإخوان للقضاء عليهم لأنه في كل الأحوال منهج ظالم غير أخلاقي، وثانياً لأن الإخوان لو تم وضع وجودهم نفسه في خطر فقد تتجه مصر إلى صراعات مسلحة.

أما سيناريو فوز مرسي في رأيي فهو بقاء العسكر خلف الستار، وإعطاء بعض الصلاحيات الجزئية للرئيس، فيما يشبه نسخة معدلة من حكومة شرف. ولو حاول الإخوان الحصول على أكثر مما يريد العسكر إعطاؤه فما أسهل تدبير انقلاب عسكري عليهم، أو إخراج ملفات، حيقيقة أو مفتعلة، تنهي وجود الإخوان. والاحتمال الأقرب هو سلوك الإخوان طريق النفس الطويل: الرضا بما قسمه لهم العسكر في الوقت الحالي من صلاحيات جزئية، والتخطيط طويل الأمد حتى إحلال الجماعة في الجيش والداخلية على مدى العقد أو العقدين القادمين، فالقيادات العسكرية الحالية إلى موت وزوال أما الجماعة فباقية. ولن نفيق بعدها إلا على دولة مصرية يسيطر عليها فصيل واحد. ومهما آمنا أن هناك ألوف مؤلفة من المخلصين الطيبين في صفوف الإخوان، إلا أن الواقع يقول أن السلطة المطلقة تأتي بالذئاب وتهمش الحملان أو تأكلها! إن الرهان على العناصر الطيبة داخل الإخوان رهان خاسر، لأنهم إما أنهم يكتفون بالمعارضة الداخلية – داخل الجماعة فقط – غير الفعالة، أو يقنعون أنفسهم أن قياداتهم لها ولا شك رؤية تخفى عليهم وبالتالي يعطونهم ثقتهم وطاعتهم، أو يعترضون حقاً فتلفظهم الجماعة. يعني في كل الأحوال تمكن الإخوان من خيوط الحكم كلها لن يأتي إلا بأسوأ ما فيهم. ولن يحدث ذلك فجأة بالطبع، ولكن بالتدريج سوف يقوم محامون مجهولون مثلاً بإقامة دعاوى ضد الكتاب والفنانين والمفكرين المخالفين، جميعها باسم الدين، وبالتدريج ننزلق إلى نموذج “الثورة الإيرانية”.

لعلني أطلت أكثر من اللازم وقد أكون عجزت عن تبيان كل ما أراه. لكن الخلاصة أني أرى الثبات في نفي كل ما لا يستحق “نعم”، حتى ولو لم يتوفر لنا البديل الجدير في الأفق المرأي. واستكمال الثورة بروح “لا” الجبارة التي تقضي في طريقها على كل باطل. وسقوط الباطل، الواحد تلو الآخر، سوف يأتي تلقائياً بحقائق جديدة وجديرة، لو صبرنا كما صبر أبونا إبراهيم عليه السلام!

عندما انشق ميدان التحرير وأغرق الفرعون

إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين” قرآن كريم

لا شك أن مبارك (الاسم الشخصي للفرعون الأخير) وهامان وجنودهما كانوا جميعاً خاطئين ومجرمين! ومن لطف الله أن الجيش المصري لم يكن جنداً خاطئاً من جنود هذا الفرعون، مثلما أخطأ وأجرم وجهل جند أخرون.

في يوم عيد مصر وفرحتها المبهجة، 11 فبراير 2011، أخبرني أصدقاء من بعض صوفية اليهود أن اليوم ذاته، يوم انهزم الفرعون بالضربة القاضية، هو يوم وفاة نبي الله موسى عليه السلام. وكأن ذكرى وفاة النبي العظيم في هذا اليوم إشارة أن المهمة الموسوية للقضاء على الفرعون قد آتت ثمارها، وآن لموسى أن يستريح! لا شك أن الطريق ما زال طويلاً، وغير ممهد، من أجل بناء ديمقراطية ما زالت هشة، طفلة، أو لعلها ما زالت في الرحم. لكن رحيل مبارك وضع جنين الديمقراطية والحرية في رحم مصر لأول مرة منذ عقود طويلة. وهو إنجاز رهيب بعد أن أجدب حكم مبارك مصر، وحرمها خصوبتها، حتى ظننا أننا لن نرى يوماً قريباً تستعيد فيه أم الدنيا أمومتها بعد أن أصبحت مجرد امرأة عجوز، قبيحة، وقاسية القلب! لم يكن هذا طبعها، لكنه انتهاك وامتهان دام عشرات السنين على أيدي نفر من أجهل، وأقسى، وأغبى، وأفسد، وأقبح خلق الله!

الفرعون الجديد وقع في أخطاء الفرعون القديم ذاتها. لقد رأى البحر ينشق أمام عينيه. فماذا فعل؟ فهم، وتعقل، وعاد إلى الوراء وترك موسى وقومه يعبرون بسلام إلى شاطيء الحياة الجديدة؟ لا! لقد صدأ عقله منذ زمن فأصبح وكأنه قطعة من الحجر! لو فهم وتراجع لأنقذ نفسه وعاد ببعض كرامته! كذلك أصر الفرعون الحديث على العبور وراء الشعب المستعبد، رغم أن العالم بأكمله رأى وعلم أنه هالك إن فعل. وقد فعل وهلك، ولله الحمد!

وابتلع بحر التحرير الفرعون مبارك إلى غيبة أبدية، بغير رجعة.

نتائج الأعمال

“فلمَّا ذاقا الشَّجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة” من سورة الأعراف

حينما أكل أبونا آدم وزوجه من الشجرة المحرمة ما لبثا أن أراهما الله نتيجة عملهما. ذاقا الشجرة فبدت لهما سوءاتهما. سوءة الجسد وسوءة العمل، وربما سوءة النفس التي تصدق شيطاناً وتنسى الإله. غير أنهما حينئذ كانا من سكان الجنة، وحينما هبطا إلى الأرض كان عليهما وذريتهما مواجهة كثير من الشقاء. ومن مظاهر هذا الشقاء في الدنيا أن نتائج العمل تبدو مبتورة عنه فلا يدركها الإنسان إلا بعد تدبر، وكثيراً ما يدركها بعد أن يصلى من ويلاتها عنتاً وعناء. لك أن ترى في الأمراض وأسبابها مثلاً ظاهراً على ذلك، فالمرض الخبيث قد ينشأ في الجسم بعد أعوام من تكرر مسبباته من طعام أو تعرض لسموم لا يحفل بها الفرد، أو تخفى عنه كلية. وعلى المستوى الروحي قد يكذب إنسان سنوات وسنوات ولا يدرك كيف يتآكل كيانه الروحي بسبب كذبه، ثم ينكشف كذبه ذات مرة بشكل مهين فيرى سوءة عمله بعد سنوات طويلة من تكراره. بل ويغلب الشقاء على بشر آخرين فتجدهم يموتون ولم يروا سيئات أعمالهم في الحياة الدنيا، فقد تجد حاكماً أفسد حياة الناس وسرق أموالهم فعاش عشرات السنين في نعمة البهائم، ثم يأتيه أجله ولم ير سيئات أعماله. فهذا من شقاء الدنيا وهوانها ومن مظاهر كونها داراً للغفلة، لمن شاء. فإن من أعظم دلائل الشقاء أن تتزين أسبابه، وتتخفى نهاياته.

لكن الله لم يترك صنيعته فريسة خالصة للهلاك. فقد زودنا بمصباح صغير وأسماه عقلاً. وهو مصباح يكشف الفجوة الدنيوية بين العمل ومآله. ثم جعل للإنسان شقاء آخر وهو أن مصباحه لا يصحو معه من نومه إذا صحا ثم يمسك نوره إن نام. فالمصباح له مفتاح. والمفتاح في يد يقال لها اختيار. والإنسان كثيراً كثيراً ما يستثقل تحريك يد اختياره لتنير مفتاح مصباحه. فيسير جسداً من طين على سبيل ذي فجوة. والطين فيه عين مرسومة تحسب أنها ترى. أرأيت تمثالاً من صلصال يرجع إليك نظرة إن نظرت إليه نظرة؟! أرأيت تمثالاً من صلصال يمسك يدك إن أردت ضربه؟! أو رأيت تمثالاً من صلصال ينجو بنفسه إن أردت كسره؟! لا وربي. فلا تحسبن أن عيناً في طينك ترى أو أن أذناً فيه تسمع. فلا رؤية إلا بمصباح، له مفتاح، تمسكه يد اختيارك. وكسل ساعة عن تحريك اليد ليس بمعوضك عن وقعة عام في غياهب الفجوة.

خطبة شدوية: التفاؤل و”قانون الجذب” في الإسلام

هذه ثاني خطبة أتيح لي أن ألقيها على مسامع جماعة المسلمين في مدينة إثاكا في شمال ولاية نيويورك. لم أخطط من قبل أو أتصور أن أقف موقف خطيب الجمعة. ولوقوفي هذا الموقف قصة يعلمها من تابع هذه المدونة. والحق أن تصاريف القدر لا تعبأ بما تتخيل أو تتصور – إلا بقدر معلوم (نعم: يعبأ القدر – كثيراً أو قليلاً – في بعض الأحيان بما تتخيل وتتصور، بكيفية سبق بها قول الخالق وتقديره). لن أخفي عليك أنني تخيلتني أتكلم في الناس، غير أن خطبة الجمعة كمناسبة للتحدث إلى الجماعات لم ترد لي على خاطر. فالقدر يعبأ بما تتصور، ثم يهيء لك منه أشياءً على غير توقع منك، وبكيفية لم تدر بخلدك. ويتصل هذا المعنى اتصالاً وثيقاً بموضوع خطبتي الثانية التي أعرضها عليك اليوم. سوف أقدم أولاً عرضاً بالعربية لمعانيها، ثم أورد في آخر هذه التدوينة وصلة لتحميل التسجيل الصوتي للخطبة بالانجليزية.

تحذير: سوف تكون هذه أطول تدوينة كتبتها. فلم أر من المناسب أن أقسمها على أكثر من تدوينة حتى تتماسك الفكرة. فإن مللت من تكملة القراءة فأرجو أن تقرأها على مراحل!

الخطبة: عن التفاؤل في الإسلام نتحدث

الإخوة والأخوات، أود أن أبدأ خطبتي اليوم بسؤال بسيط، وهو: هل سألتم أنفسكم من قبل لماذا ينجح بعض الناس في حياتهم، ويفشل آخرون؟ هل لاحظتم في وقت ما أن حياة المتفائلين والسعداء تبدو أيسر وأجمل، بينما تبدو المصائب وكأنها تستهدف المتشائمين دوناً عن غيرهم؟

لقد صدر كتاب يحاول أن يجيب على هذه الأسئلة، وكان عنوانه هو: “السر” The Secret! وقد لاقى نجاحاً كبيراً. ووفقاً لهذا الكتاب فإن السر في نجاح البعض وسعادتهم يكمن فيما يسمى: “قانون الجذب” The Law of Attraction.

فما هو “قانون الجذب”، وهل ورد ذكره بأي شكل في ديننا؟ سوف أطلعكم على السر وأخبركم عن ماهية هذا القانون، وسوف أبين أن هذا السر في الواقع، أو “قانون الجذب”، والذي تمت الإشارة إليه في القرآن وفي سيرة النبي وأحاديثه بأبسط العبارات، هذا القانون هو في الواقع ضرورة لحياة إسلامية حقيقية. هو لازم لحياة المسلم الداخلية، إن كان مسلماَ حقاً ومؤمناً بالله ورسوله.

علينا ألا ننسى أن المسلم لا يكون مسلماً فقط بمظهره، ولا حتى بأفعاله. نعم لا شك أن العمل بالغ الأهمية في الإسلام، غير أنه لا قيمة له دون أساس نفسي وروحي. ولهذا تحظى “النية” بمكانة بالغة الأهمية في تعاليم الإسلام. فالنية هي ما قد يباعد بين عملين متطابقين في الظاهر كبعد السماء عن الأرض. تأملوا مثلاً فعل الصلاة. ففعل الصلاة واحد بحركاته وأقواله. لكن الله يرفع من يصلي لوجهه، ويلعن من يصلي مراءاة للناس:
“ويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراءون.”
من أجل ذلك علينا أن نهتم لما في أنفسنا، لعالمنا الداخلي، فهو محك الإيمان. يحتوي عالمنا الداخلي هذا على أشياء كثيرة، ففيه معتقدات، ومشاعر، وصور وذكريات، وآمال وأحلام، وتوقعات، ومخاوف… هذا بعض ما تحويه هذه الحياة الداخلية، وهي أشياء يجب أن نوليها اهتمامنا وأن نحاول تطويعها لتعاليم ديننا. علينا أن نسلم لله حقاً، في باطننا وظاهرنا. ولن يتسنى لنا أن نلسم لله حتى نستطيع توجيه عالمنا الداخلي والتحكم فيه.

أود أن تتذكروا هذه المعاني وأنا أخبركم عن ماهية “قانون الجذب”. هو قانون في غاية البساطة، فهو يوضح أن الإنسان يجتذب ما يفكر فيه، ويحصل على ما يتوقعه. أي أن عالمك الخارجي يتشكل ويستجيب لعناصر عالمك الداخلي من أفكار وتوقعات. هذا هو السر في نجاح البعض وسعادتهم دوناً عن آخرين. وهذا المعنى وربي يتحدث به القرآن، ونجده في حديث النبي (ص) وسنته. فأنت إن تشاءمت، فلن تخيب ظنونك، وسوف تلقى من الحياة ما لا تحب! ومهما بذلت من جهد في إطار من التشاؤم واليأس، فلن يأتي عملك بأية ثمار طيبة.

فما قول تعاليم الإسلام في هذا القانون؟ لقد ورد عن نبي الإسلام (ص) أن الله يقول في حديث قدسي: “أنا عند ظن عبدي بي”. ورد ذلك في بداية حديث قدسي، وغالباً ما يهتم المعلقون ببقية الحديث ولا يولون هذه الكلمات ما تستحق من عناية، لكن هذه الكلمات تحديداً هي ما أريد أن نتوقف عندها. ففيها “قانون الجذب” بأكمله، في كلمات قليلة. غير أنها تشير لحقيقة هذا القانون بشكل أصدق. فما يستجيب لتوقعاتك ليس قوى كونية مجهولة الهوية، ولكنه قانون إلهي وضعه الله في الحياة. فحينما تأمل في الله خيراً، وتثق في كرم عطائه، فلا شك أنه تعالى سوف يعطيك عطاء الكريم وسوف يأتيك بالخير. أما لو يئست وتشاءمت، فلسان حالك يقول لله: أنا لا أثق فيك! فإن “الكريم” من أسماء الله وصفاته، ولو غاب في نفسك الرجاء في هذا الكرم، فلا يعني ذلك في واقع الأمر إلا ضعف ثقتك أنه حقاً “كريم”! هل تدركون خطورة هذه الحالة النفسية؟ والآن فلنتفكر قليلاً في معاني أسماء الله وصفاته، فإن الله هو “الغفور”.. “المعطي”.. “الرزاق”.. “النور”.. “الكريم”.. “الرحيم”.. “الفتاح”.. “العدل”.. “الصبور”.. “الشكور”.. “الودود”.. “المغني”.. “الهادي”. تذكر أنك إن خفت الفقر، فأنت في الواقع لا تؤمن أنه جل شأنه هو “المغني” و”الكريم” و”الرزاق”. وإن خفت ضياع جهدك دون المرجو من ثمار طيبة، فإيمانك ما زال زائفاً بأنه هو “الفتاح” و”الشكور”، فهو يفتح لك الأبواب والفرص، ويجزيك خيراً عن كل ما تحسن من عمل:
“إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً”
وإن خفت ظلم البشر وجورهم على حقك، فإنما تنسى أن الله هو “العدل”. وإن غلبت عليك الحيرة وضل عنك السبيل، فقد غابت عنك صفة الله “الهادي”.

منتصف الخطبة، الدعاء.

الإخوة والأخوات، لقد تحدثت إليكم حتى الآن عن “قانون الجذب”، ومعناه أنك تحصل على ما تتوقع، ويفسر بذلك سبب تعاسة المتشائم وسعادة المتفائل. وأشرت إلى بعض ما ورد في تعاليم الإسلام من إشارات إلى هذا القانون. وفيما يلي أحب أن أواصل عرض ما ورد في القرآن وفي سنة النبي (ص) من إشارات لـ “قانون التفاؤل”، كما أحب أن أسميه.

أرجو ألا تنسوا أن الهدف من هذا الحديث هو إثبات أن المسلم ينبغي أن يكون إيجابياً في الفكر والعمل، وأن يكون تركيزه على الجوانب الإيجابية دوناً عن السلبية. فهكذا يجدر بالمسلم أن يشكل عقله، وأن يبني عالمه الداخلي.

تأملوا هذه الآية الجميلة من سورة البقرة:
“إن الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا”
هل عقلتم هذه المعاني! هذه رسالة من الله إلينا: أن الفقر ليس إلا وعد من الشيطان، في حين أن وعد الله هو المغفرة والفضل والسعة. فأي الوعدين نصدق؟؟!! هل نصدق الله، أم نصدق الشيطان! لنتذكر جميعاً أن الفقر في حقيقته لا يعني قلة المال، فنقص المال ما هو إلا مظهر مادي. إن الفقر في جوهره ما هو إلا حالة عقلية ونفسية. وإن فقراء العقل والنفس المقيمون في هذه الحالة الوجدانية إنما يتبعون الشيطان ويضلون عن سبل الرحمن. وعقلية الفقر هي ما تؤدي إلى مرض البخل. فقد ترى رجلاً يملك الملايين، ولكن عالمه الداخلي بائس وفقير. بينما تجد أن المؤمنين بالله حقاً يحبون العطاء، ولو كان المال في أيديهم قليلاً، وذلك ليس إلا إشارة لكونهم لا يعيشون عقلية الفقر. وهو ما يفسر أيضاً مثل رسول الإسلام (ص) الذي كان يعطي عطاء جعل أصحابه يخبرون عنه أنه كان “يعطي عطاء من لا يخشى فقراً”. فهذا هو مثل النبي الذي لم يكن يملك من المال الكثير كما نعلم، لكنه كان يعيش في حالة أو عالم داخلي يفيض بالثراء والسعة.

دعنا ننظر في إشارات أخرى “لقانون التفاؤل” في الإسلام. لقد أشرت من قبل للحديث القدسي: “أنا عند ظن عبدي بي”. كذلك ورد عن النبي (ص) قوله: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة. والآن تخيلوا معي الحالة الوجدانية لإنسان يصدق تماماً هذا الحديث. تخيل أنك تدعو الله وتسأله حلالاً من طيبات رزقه، ثم تمضي في حياتك واثقاً أن كرم الله ورحمته سوف يحققان لك ما تبغي. تصور قدر ما يملأ نفسك في هذه الحالة من قوة وأمل وحماسة. لا شك أن الله لن يستجيب لدعائك بين عشية وضحاها، لكنك إذ تدرك ذلك توقن أيضاً أن الله قد سمع دعاءك وأجابه، ومن ثم تختفي مخاوفك. تخيل مثلاً، ولله المثل الأعلى، أن عندك مشكلة تؤرقك، ثم أتيح لك أن تقابل رئيس الجمهورية نفسه (نسيت أن أوضح في هذا المثل أن رئيس الجمهورية المعني ليس رئيساً عربياً!!)، ثم وعدك الرئيس (غير العربي!) وعوداً حسنة بحل مشاكلك. كيف لك أن تشعر وأنت ذاهب عنه، بعد هذا اللقاء الواعد؟ ألن تكون مستبشراً بالخير، بشراً يبث في نفسك الطاقة والحبور؟ قد يوضح لنا هذا المثل أن حالتنا الوجدانية لا ينبغي أن تكون أقل من ذلك بأي شكل بعد التوجه لله داعين سائلين للخير.

أحب أيضاً أن أحدثكم عن آية تدعو للتأمل والدهشة في سورة الإسراء، وهي:
“ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير، وكان الإنسان عجولا”
لقد لفتت هذه الآية نظري بشدة. هل نطلب نحن بني آدم الشر لأنفسنا تماماً كما نطلب الخير؟! إنني أعتقد أن هذه الآية تؤكد ما يذهب إليه “قانون الجذب”. وظني أن معنى الدعاء فيها قد يكون: التوقع. فالإنسان حينما يملأ نفسه التشاؤم وتوقع الشر فهو كالداعي بهما لنفسه. التوقع أو الظن هما حالة من الدعاء الخفي. تربط الآية أيضاً – في إشارة خطيرة الشأن – بين الدعاء بالشر والعجلة، “وكان الإنسان عجولا“. لاحظوا أن التشاؤم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنفاد الصبر. فالمتشائم يفقد الأمل بسرعة شديدة عند قدوم المشاكل والتحديات. بينما لا يمكن أن يتوطد الأمل دون صبر. فالمتفائل يدرك تماماً أن الحلول لا تأتي حال تمنيها بشكل فوري، هذا ما يدركه تماماً كل عاقل ذو نظرة إيجابية للحياة، ولذلك لا تصيب أمثال هؤلاء العجلة، ولا ينظرون تحقيق ما يرجونه بصبر نافد.

هنالك أيضاً عبرة نستطيع استنباطها من وقت عصيب مر به النبي وأصحابه، إبان معركة الخندق. فقد كانت جماعة المسلمين في المدينة في انتظار تحالف من الأعداء، كبير العدد والعدة، يسيرون نحوهم ولا يبغون إلا تدميرهم ودولتهم الوليدة. كان النبي وأصحابه هم الطرف الأضعف في ميزان واقعهم الصعب. حينها اقترح سلمان الفارسي شق خندق حول المدينة، ليحول بينهم وبين من لا قبل لهذه الجماعة به من أعداد غفيرة من المحاربين. اجتمع الرجال خلف الخندق، وتركوا وراءهم نساهم وأولادهم، وأوصوهم بالبقاء في المنازل والتحسب لدخول الأعداء إذا انهزم الرجال أمامهم وقتلوا. فلتبق النساء خلف الجدران ويتأهبن للدفاع عن أنفسهن إذا ما تمت إبادة رجالهن. يا له من حال شديد القسوة والصعوبة! لكن انظروا للفتة صغيرة صدرت عن النبي (ص). فقد كان يضرب بمعوله في الصخر، فانبثقت شرارة رأى فيها شيئاً وأخبر به أصحابه. ليس هذا الموقف الصغير في هذه الظروف بالذات محض عبث أو صدفة. فقد أخبر أصحابه، وهم في خضم هذا الغم والترقب، أنهم سوف يغزون فارس، أحد أقطاب العصر في القوة والنفوذ. في هذه الظروف! لقد يبدو ذلك كأمل مستحيل، ما كان هؤلاء الرجال يجرؤون حتى أن يحلمون به! لكن فكروا في أثر هذه النبوءة عليهم، فهم يصدقون النبي وأنه لا ينطق عن الهوى. إن من شأن هذه النبوءة أن تبث في أنفسهم آمالاً مشرقة، وترفع توقعهم للمستقبل إلى عنان السماء. لقد كانوا في أمس الحاجة إلى مثل هذا الأمل لكي يستطيعوا مواصلة العمل والاستمرار في المحاولة. إن في هذا مثال شديد الوضوح عن كيفية استغلال النبي (ص) لـ “قانون الجذب” أو “قانون التفاؤل”. فخلق الأمل والتوقع الحسن في نفس الإنسان يملأ قلبه بالقوة والقدرة على العمل.

والآن أحب أن أختم هذا الحديث بمثال جميل من قصة يعقوب عليه السلام في سورة يوسف، وفيها قصص يوضح كيف يحتفظ المؤمن بروح التفاؤل والأمل. لقد غاب يوسف عليه السلام عن أبيه ما لا يقل عن عشرين عاماً، وربما خمسة وعشرين أو حتى ثلاثين، من يدري. لكن انظروا في موقف يعقوب عليه السلام بعد غيبة ولده المحبب إلى قلبه يوسف كل هذه السنوات، وقد تقدم يعقوب في العمر، ثم ها هو الآن يفقد ولده الآخر المحبب إلى قلبه، الأخ الأصغر ليوسف! فما يقول يعقوب لبنيه في مواجهة هذه المصيبة الجديدة؟
“يا بني اذهبوا وتحسسوا من يوسف وأخيه، ولا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون”
في هذه الآيات نقرأ قصة التفاؤل في الإسلام كأتم ما تكون. تستطيع أن تأمل في أشياء تبدو مستحيلة، ولكن عليك أن تعمل على تحقيقها. فيعقوب هنا يطلب من أبنائه أن يذهبوا ويعملوا، ويبحثوا وهم في حالة من الأمل في رحمة الله، رغم أن البحث عن يوسف بعد كل هذه السنوات يبدو مستحيلاً ومنبت الصلة بأي منطق معقول. لكن هكذا يكون الأمل في نفوس المؤمنين الصادقين. هو أمل يصاحبه عمل إيجابي.

الإخوة والأخوات، دعوني أختم خطبة اليوم بتذكير نفسي وإياكم أن الأمل يحفز على العمل، بينما لا يؤدي التشاؤم إلا للكسل والقعود. نحن بحاجة أن نركز على هذه الحقيقة لكي نطبقها على المستويين الداخلي ثم الخارجي. علينا أن ندرب أنفسنا على الاحتفاظ بأمل لا يتزعزع في رحمة الله وكرم عطائه، أمل يحفزنا على الاستمرار في العمل لخير أنفسنا ولخير الإنسان في كل مكان، حتى نستطيع القيام بدور الإنسان كخليفة لله في أرضه.

ثم اخترت ما يلي من دعاء رسول الله (ص) لختم الخطبة قبل الصلاة:
اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن، ونعوذ بك من العجز والكسل، ونعوذ بك من الجبن والبخل، ونعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك.
اللَّهمَّ أَصْلِحْ لنا دِيننا الَّذي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنا، وأَصْلِحْ لِنا دُنْيَاناَ التي فِيهَا مَعَاشنا ، وَأَصْلِحْ لنا آخِرَتنا الَّتي فِيها معادنا، وَاجْعلِ الحيَاةَ زِيادَةً لنا في كُلِّ خَيْرٍ ، وَاجْعَلِ الموتَ راحَةً لنا مِنْ كُلِّ شَرٍ.

ملحوظات ختامية:

1. تستطيع الاستماع للتسجيل الصوتي لهذه الخطبة هنا. والتسجيل الصوتي يحتوي في النهاية على بعض الحديث المرتجل الذي لم أسجله هنا، فقد ترجمت النص المكتوب للخطبة فقط.

2. لمن استمع إلى الخطبة الأولى، أحب أن أعرف تقييم الإلقاء وهل هو أفضل في الخطبة الأولى، حيث سجلت نقاطاً وارتجلت الحديث، أم في هذه الخطبة حيث كتبت النص وقرأته. وما فعلت ذلك إلا لخوفي من عدم تمكني من اللغة.

3. بعد هذه الخطبة تراءت لي أشياء كثيرة تتصل بذات الموضوع، حتى تصورت أنه بحاجة إلى كتاب منفصل، لو أنعم الله علينا لشرعت فيه إن أذن. بل وفكرت أن أفعل على غرار عبد الله المهيري وأجرب عمل حلقات صوتية لمواصلة الحديث عن هذا الموضوع. عموماً سوف نرى، ولا يبخلن مقترح بمقترحه، ولا صاحب دلو بالإدلاء به!

4. لا يحسبن قاريء أن كاتب هذه الكلمات هو رجل يفيض تفاؤلاً وأملاً في الحياة! فلو عشت أنا مصداق هذا الحديث منذ عقد من الزمان لتغيرت قصة حياتي تغيراً تاماً، غير أن هذه معاني أؤمن تماماً في صحتها وأود أن أعمل على التخلق بها، وهو سعي غير يسير وجهاد متصل، لكن ثماره وفيرة وتستحق العمل لأجلها.

الرضا: كلمة معادة وقيمة لا تبلى

في تدوينة سابقة جاءني تعليق من صديقتي في التدوين نسرين، فيه نقد ذاتي وسؤال. والنقد الذاتي، أو المشكلة، هي عدم الشعور بالرضا، عن النفس وعما يحدث للنفس. ورأيت أن أفرد لتفكري في هذه الأسئلة تدوينة. أقول تفكري ولا أقول جوابي أو حلولي. فهذه مشاكل إنسانية يشترك فيها أكثر الناس بدرجات وأشكال متفاوتة، ولا شك أنني منهم. والكتابة أحياناً ما تكون تفكيراً مسموعاً، أو مرسوماً، على مرأى من الكاتب ومن الآخرين، وهذا التجسيد لهواجس النفس ومحاورات العقل يعين من يكتب على زلاته، ويقرب أعماق نفسه من حسه. وسوف أحاول أن أبحث عن إجابة بها -أنا والسائلة وكل زائر أو عابر سبيل – ننتفع؛ لعل ظلمات السخط أن تنقشع، وأنوار السكينة أن ترتفع!

أما نقد الصديقة صاحبة السؤال لذاتها فحقيق بتعقيب ولو سريع. أقول لها فقط أنه نعمة وبشارة. فإن الأعمى إن ظن نفسه مبصراً تحامق في سيره، وأهلك نفسه وغيره. ومريض تغاضى عن علته، وفرح بصحته، لا ينظر إلا هلكته.

تقول نسرين أنها ساخطة على نفسها، دائمة النظر إلى أخطائها، وأنها قد اتخذت من جلد الذات هواية لها. وكما مدحت نقد الإنسان لذاته، وإدراكه لعيوبه وزلاته، فإن كل حسن قد يتطرف فيضر ولا ينفع. ولعل الوسطية التي تلوكها ألسنتنا وأقلامنا كثيراً هي ما نبغي، فالوسط أو التوازن بين أضداد يوفر مجالاً مثالياً لحركة الإنسان في الأرض/المادة، وحياة نفسه في الروح. وهذا الوسط هنا هو توازن بين إدراك المرء لعيوبه، وتيقظه لأخطائه في الفعل والفكر، وبين تسامح الإنسان مع نفسه.

ولعل مما يعين الإنسان في مسامحته لنفسه هو تذكيرها أن الله غفور رحيم. ففي حديث واحد لنبي الإسلام عن هذا المعنى يقول أن الإنسان لو لم يخطيء فيستغفر الله فيغفر له، لجاء الله بخلق آخر يخطئون فيغفر الله لهم. وهو ما يبين أن الخطأ طبع إنساني معروف ومفهوم، ينظر له الخالق برحمة وود. وفي موضع شديد الأهمية من قصة الإنسان يخبرنا القران عن خطأ أبينا الأول، آدم عليه السلام، وكيف غفر الله له ذنبه بعد قليل من زلته. ولننظر قليلاً في بعض دروس هذه الخطيئة الأولى. اقرأ الآية:
“ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما”
نعم، نعم! هذا نحن! كثيراً ما ننسى ويضعف منا العزم، أو الإرادة كما نسميها الآن. ومنشأ المشكلة هنا يكمن في “النسيان”. انظر للآية وكيف أن النسيان فيها يسبق خوار الإرادة. ولذلك أيضاً يطلق على القران اسم “الذكر”، من التذكير والتذكر، وهو ضد النسيان. بل وقد تتلخص وظيفة الأنبياء في إنقاذ الإنسان من آفة النسيان: “إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر”. وأريد أن أخلص من رسالة هذه الخطيئة الأولى إلى أمرين؛ أولهما قرب المغفرة الإلهية لأخطاء الجهل والنسيان: “فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، إنه هو التواب الرحيم”، وأنه أولى بنا إذا انغمسنا في جلد الذات أن نقول لهواجسنا: ألا نسامح أنفسنا والله ذاته جل وعلا يغفر الذنوب جميعاً؟ وأين نحن من الله حتى يغفر هو ولا نغفر نحن؟! كما أن طلب المغفرة لابد أن يصحبه تيقن في قرب الإجابة: “ادعوني أستجب لكم”، ومن ثم فإن علينا أن ندرك أن عدم تسامح الإنسان مع نفسه هو من ضعف التصديق في مغفرة الله!

وإن هنالك أيضاً وصفة سحرية أجدى وأصلح من الهم بالأخطاء، إذا أردنا حياة إيجابية تعرض عن اللغو (والهم بالماضي لغو، إلا نظر للعبرة والفهم والدرس)، وتقبل على ما ينفع، وهذه الوصفة النبوية هي: “أتبع السيئة الحسنة تمحها”. وهذه الوصفة العبقرية تهديك للانشغال بالحسنة بدلاً من الانشغال بالسيئة، فإن في تحول الخاطر من قبيح فعلناه إلى حسن نخطط لفعله مبعث للتفاؤل وشفاء للنفس. وإن تكرار محو السيئة بالحسنة لخليق أن ينزع السيئة من جذورها في النفس، حتى يستريح المرء منها إلى غير رجعة.

وتشير نسرين في تعليقها أيضاً لما نعرفه جميعاً من دعاء بلا إجابة، فأنت ترى الخير لنفسك وترجوه، فتدعو الله ثم تدعوه، ولا يتحقق شيء. فتتساءل لم يا رب لا تعطيني هذا الذي أبغيه! وربما قلت لنفسك كم من دعاء ألححت به ولم ألق رداً، ولم يعطني الله ما أريد! وظني أنه علينا أن نستخدم ما أقسم الله به في بدايات الوحي: “القلم”! يعني إن عجزت عن تذكير نفسك بما يجب أن تذكره، اكتبه وعد إليه بين الحين والحين. تقول نسرين مثلاً أنها تعلم تماماً أن الله أخرجها من مآزق كثيرة وأجاب لها حاجات سابقة. والحل هو أن “تدون” – أو تسجل إن شئت! – ما تستطيع تذكره من هذه الأحداث. هذا فيما يتعلق بما سبق وأجابه الله من دعاء. لكن الواقع لا يخفى، نعم كثيراً ما ندعو ولا يستجاب لنا. وأعود هنا لآفة النسيان. وحديثي بالطبع أوجهه للمؤمن الذي يحتاج لتذكر ما يؤمن به، وهو التالي: أن الله ينظر لحياتك من عل، فيرى ما لا تراه أنت. فأنت يا ابن آدم لا تكاد تبصر أمامك شبراً أو متراً، إلا محض ظن. فأنا إذ أكتب كلمة في ساعتي هذه لا أعلم يقيناً على أي حال سوف أنهيها! وقد ترى طريقاً أوله رحمة فتشتهيه، غير أن في آخره عذاباً لو اطلعت عليه لوليت منه فراراً، ولملئت منه رعبا! ومن جهة أخرى فإن تأخير الخير كثيراً ما يكون من لوازم التربية الإلهية للنفوس. ولو ظفر الإنسان بكل ما يشتهي فور اشتهائه لفسدت نفسه. كما أن ذلك لا يمكن أن يكون من طبائع الحياة الدنيا. ولعلنا نغفل كثيراً عن كون الدنيا مجرد حياة أولى، غير أبدية، وأن الهدف منها ليس تحصيل الإنسان للمتعة وخلوده للراحة والنعيم. والهدف الأصدق هو صقل الإنسان لذاته والعلو بها في مدارج العلم والعمل، على مر الأيام وتقلب الأحوال. وإن هذا التقلب ذاته بين الخير والشر، والعسر واليسر هو وسيلة إثراء وتنمية ثروتك الوحيدة في الحياة: نفسك!

طالت هذه التدوينة، وفرغ ذهني في هذه الساعة من تكملة لحديث في هذا الأمر. فأرجو أن أكون قد أفدت الصديقة السائلة شيئاً يكفر عن تأخري في الرد!