الفرخة الجميلة والديك الوسيم

اختلاف الوجوه وتمايزها بين البشر من إبداعات الخلق المعجز ولا شك، لا سيما وأن تضاريس الوجه البشري هي هي. فالأنف دائماً ما يعلو الفم، ولا يوجد أبداً حاجبان أسفل العينين، وكل فم بشري يحتوي على شفتين اثنتين، الخ الخ! ومع ذلك فأنت ترى “عمر” صديقك أو “سحر” أختك فتعرفهما فوراً دون تفكير أو تدقيق.

لكنك لو رأيت مائة وجه غريب في وقت واحد فلن تشعر بتفرد كل وجه واختلافه الجذري عن كل وجه آخر. وربما بدت لك كل هذه الوجوه متشابهة. لماذا؟ ربما لأنك لم تتعرف بعد إلى الروح الكامنة خلف الوجه؟ هذه الروح المتفردة تضفي على كل وجه تميزه واختلافه عن غيره من الوجوه؟

فكر أيضاً كيف أننا نشعر أن الأجناس البعيدة، مثل أهل الصين مثلاً، لهم جميعاً شكل واحد! والواقع بالطبع أنك لو تعرفت على رجل صيني أو امرأة يابانية وعرفت اسمه واسمها فسوف تستطيع التعرف على هذا الوجه الصيني بين ملايين الوجوه الصينية الشبيهة! هل تظن مثلاً أن الرجل الصيني لا يستطيع تمييز زوجته من زميلته؟ أو معرفة إن كان هذا وجه أخيه أم وجه رجل آخر؟ بالطبع لا! لماذا؟ لأنهم في الواقع يشبهون بعضهم البعض فقط من بعيد، لكن الاقتراب الكافي من كل وجه يكشف عن تفرده الواضح.

كل ما سلف بديهي تماماً. لكنه قادني للتفكير في أجناس أخرى ننظر إليها وكأنها جميعاً شيء واحد، أقرب للآلة. السيارة الفلانية من الموديل الفلاني والعام الفلاني هي بلا شك توأم مطابق تماماً لأختها من نفس الموديل. لكن ماذا عن كل هذه القطط التي يشبه بعضها بعضاً؟ ألا ترى أن جميع الدجاجات هي نسخة طبق الأصل؟ هل نحن على يقين من ذلك بالفعل؟!!!

ربما لا نستطيع تمييز كل دجاجة عن ملايين الدجاجات الأخرى لأننا ببساطة لم نقترب منها بما فيه الكفاية ولم نتعرف إلى “شخصيتها” الكامنة خلف جسدها الدجاجي اللذيذ!

إن القران يحدثنا، كما تعلم، عن نمل يحدث بعضه بعضاً بل ويعرف أنبياء البشر بالاسم والرسم (النملة التي نبهت أخواتها أن يفسحوا الطريق لنبي الله سليمان – عليه السلام – حتى لا يهلكوا تحت أقدامه وجنوده!).

بل قد نذهب لأبعد من ذلك ونتخيل أن النمل والدجاج والقطط والكلاب هي أيضاً يعجب بعضها بعضاً، وهنالك منها من هو قبيح ومن هو جميل في أعين عشيرته! ولم لا؟

نحن نقضي جل أعمارنا غافلين عن الكون غارقين في حدود ضيقة هي حدود ذواتنا. ولعلنا لا نرى من الحياة الحقة حولنا إلا مسافة شبر واحد أو أقصر! والرؤية الحقة تتطلب تصحيح أداة ليست هي العين لكنها البصر والبصيرة. لعلنا لن نتوقف عن الانبهار يوم واحد لو ازدادت أبصارنا حدة في نظرنا لما اعتدنا من أشكال الحياة والأحياء على هذه الأرض الصغيرة السابحة في الكون الواسع!

نور الشمس ونارها

الشمس موجود يفوق الخيال وتتعذر حقيقته على التصور.

موجود واحد قد يحيل حياتك نعيماً أو جحيماً أو هلاكاً قاضياً.

العجيب أن الشمس مدمرة إذا غابت أكثر من اللزوم أو ظهرت أكثر من اللزوم!

نحن نهلك في برد قارص إذا غابت عنا الشمس غياباً حالكاً، تماماً كما نهلك في حر حارق إذا اقتربت منا اقتراباً يفوق احتمالنا!

يكفي أن تنظر في النور والنار، وهما من صميم حقيقة الشمس، لترى النعمة والحياة والنقمة والموت ما بين جلوس الواو وقيامها لتصبح ألفاً!

كان الإنسان في طفولته العلمية يظن نفسه مركز الكون والشمس من حوله تدور، ثم ما لبث أن تبين له أن أرضه بأكملها تدور حول الشمس وتتعلق بها حياتها.

والشمس تطلع على جموع غفيرة من البشر والكائنات فتشملهم جميعاً بحضورها، فيأخذ كل منهم منها قبساً وهي الواحدة وهم المليارات.

غير أنها لا تشرق على الجميع في ذات الوقت. ففي جانب من الحياة ينعم فريق بالنور والدفء، وعلى الجانب الآخر يرقد فريق في العتمة. وتنمو الزهور على جانب وتغطي الثلوج الباردة كل شيء في جانب آخر. كل هذا من فعل الشمس!

إن الشمس لا تطلع عليك إن طلبتها وجلست! عليك أن تذهب إلى الجانب المشرق من الكون، وإلا فلتقبل بنصيبك من الظلمات.

فإن علمت أن الليل قدر لا مفر منه أينما ذهبت في أرجاء الكون، فانظر إلى الشمس في داخل إدراكك لوجودها خلف ظلمات غيابها.

هل أنت فاشل؟

هل كانت لديك توقعات وأحلام عظيمة لنفسك لم تحقق منها شيئاً؟

أعلم أن الكثيرين منا سوف يجيبون بـ “نعم” على هذا السؤال، وتستطيع أن تضمني إلى قافلة الـ “نعم” هذه!

هل يعني ذلك أننا فاشلون؟!

بداية، الحق الذي لا شك فيه أننا جميعاً فاشلون وناجحون في نفس الوقت واللحظة. فكيف ذلك؟

نظرة إلى أعلى سوف تشعرك أنك فاشل شديد الفشل والخيبة. أتبعها بنظرة إلى أسفل وسوف تحمد الله حمداً كثيراً أن فضلك على كثير ممن خلق وجعلك ناجحاً نجاحاً باهراً عظيماً!

إذا افترضنا أن معيار المقارنة هو العمر، فهناك من هو في نفس عمرك، في مكان ما، حقق نجاحاً أكثر منك، مهما كان مجالك. وهناك كذلك من هو في نفس عمرك وينظر إلى ما حققته أنت على أنه حلم بعيد المنال!

قد تقول أنك لم تحقق شيئاً أبداً يستحق أن ينظر إليه آخر على أنه حلم بعيد المنال، أليس كذلك؟ حسناً، لو أنك تقرأ هذه الكلمات الآن على شاشة الكمبيوتر، فإن ذلك يعني أنك ولدت في عائلة وفي ظروف أتاحت لك أن تتعلم وربما تتخرج من الجامعة. في نفس هذه اللحظة هناك عشرات الملايين في نفس عمرك ولا يجيدون القراءة والكتابة، تصور كيف ينظر هؤلاء إليك! وهناك عشرات أو مئات الملايين لم ينظروا في شاشة كمبيوتر منذ خرجوا من أرحام أمهاتهم! وهناك من هو في مثل عمرك، في هذه اللحظة ذاتها، يعيش مثل العبد ولا يكاد يجد قوت قومه، ألا تعد ظروفك أنت الآن مثل الحلم عند هذا الإنسان المحروم! نحن نعيش في عالم بائس عانى من ظلم الإنسان ما جعل مجرد القدرة على القراءة والكتابة والنظر في شاشة كمبيوتر وراحة البال من قرصة الجوع في عداد الأحلام والأمنيات شبه المستحيلة عند مئات الملايين من البشر، هذه هي الحقيقة!

نحن نحتاج فقط إلى شيء من التوازن في تقديرنا لأوضاعنا الحالية. علينا أن ننظر إلى أعلى بالقدر الذي يهيء لنا ألا نرضى بالواقع دون سعي لتغييره والارتفاع به. وعلينا في ذات اللحظة أن ننظر إلى أسفل حتى لا نفقد نعمة الحمد فتظلم نفوسنا بظلمة الحنق واليأس. وهل يتأتى عن المشيء في الظلمة إلا المزيد من التيه والضياع؟!

أما المقياس الحق لمدى نجاحك ونجاحي أو فشلك وفشلي فيجب ألا يكون شيء خارج عن ذواتنا؛ إن المقياس هو: هل نفعل أفضل ما عندنا؟ هذا هو المعيار الأحق. لذلك لا تشغل بالك كثيراً بما حققته أنت مقارنة بما حققه أي إنسان آخر، فكر فقط فيما حققته أنت مقارنة بما يمكن أن تحققه أنت!

إذا كنت تفعل أفضل ما تستطيع فأنت أنجح الناس، وإن كانت هنالك مسافة بين ما تفعل فعلاً وما تستطيع أن تفعل فإن جهادك الأوجب والأكثر إلحاحاً هو في تقصير هذه المسافة يوماً بعد يوم!

خطط روحية

مع بداية كل عام نحضر الأوراق والأقلام ونخط أهدافنا وخططنا للعام الجديد أو المرحلة القادمة. وبعضنا يقسم الأهداف إلى أنواع مختلفة تبعاً لمجالات الحياة والاهتمامات: أهداف عملية، أهداف مالية، وربما أيضاً أهداف دينية. لكن ما طبيعة أهدافنا الروحية والفكرية؟ هل نضع لأنفسنا أهدافاً وخططاً لتحقيقها في هذه الخانة؟

ما أراه أن أكثرنا يحصر الأهداف “الروحية” في أهداف “دينية”. ثم يخنق الأهداف الدينية في عبادات. من قبيل ذلك مثلاً: قراءة القرآن (أو الانجيل) كاملاً، ختم القرآن مرة كل شهر، الصلاة لوقتها، صلاة النوافل، زيادة الصدقات، الصيام يوماً أو يومين كل أسبوع، قراءة صحيح البخاري، إلخ.

لكن هذه كلها ليست أهدافاً روحية بالمعنى الذي أريده هنا. بل وأزعم أن هذه الأهداف أحياناً ما تفسد حياتنا الروحية بدلاً من الارتقاء بها. لقد اصطفى الله أولى العزم من الرسل بعد رحلة روحية وفكرية تأهلوا بها لحمل الرسالات. فنبي الإسلام قضى أعواماً من عمره يعتزل شهراً كل عام للتأمل، فيصعد إلى جبل يرى من فوقه الدنيا والناس صغيرة بعيدة، ويرى الكون والنجوم في سكونها وحركتها. لم يقم النبي في حراء بصلوات معلومة ولم يتمتم بأذكار محفوظة، لكنها كانت رحلة تفكر حر في الكون. وموسى عليه السلام تقلبت به الدنيا بين القصور والجحور، بين الرخاء والشدة، والسفر ورعي الغنم في الصحراء ولا شك أن كل ذلك صقله صقلاً روحياً وفكرياً. وأبو الأنبياء إبراهيم تفكر في الكون وفي الألوهية، ونظر في الشمس والقمر والنجوم قبل أن يحمله الله الرسالة وينعم عليه بالحكمة. لسنا أنبياء، لكنهم قدوتنا. ورحلتهم الروحية والفكرية بدأت بالتأمل والتقلب في الحياة والأرض قبل تلقي الفروض العبادية من صوم وصلاة وزكاة.

نستطيع أن نحكم على مدى جودة حياتنا الروحية بيسر شديد، وهي الخطوة الأولى نحو أي هدف، وهي مرحلة التوصيف أو التشخيص. إن الفراغ الروحي هو حالة وجدانية يعرفها الكثير من الناس، وهي تدل على تأخر شديد فيما حققناه على المستوى الروحي. إن الروح هي جوهر الإنسان الحقيقي، والحياة بدونها معدومة الطعم والرائحة. إذا كانت أيامك وأفعالك خالية من المعنى، فأنت خال من الروح. إذا كنت لا تشعر بالألم والغضب لآلام البشر وما يقع عليهم من ظلم، فأنت متأخر روحياً. إذا كنت تنظر في الكون ولا يتحرك قلبك للجمال والإبداع في خلق السماء والأرض والناس، فأنت تشترك مع الملايين من الناس في التخلف الروحي.

أنا لا أستطيع أو أستسيغ الفصل بين الفكر والروح، بين الرقي الروحي ورقي الفكر. إن الفكر هو أداة الروح، كما أن اللسان هو أداة الكلام، واليد أداة البطش، والرجل أداة الحركة من موقع إلى غيره. ومن ثم فإن ترقية وتنمية الروح تبدأ بأداتها: ترقية وتنمية حياتنا الفكرية. الجهل عدو الروح. والجهل وتقدم الفكر لا يعنيان الشهادات الجامعية أو عدمها بالطبع. لكن أعراض الجهل تظهر في أشياء أخرى مثل ضيق الأفق، عدم القدرة على نقد الذات، لوم الآخرين، عدم الثقة في النفس، الغرور، استسهال الكذب… نعم للجهل علاقة وثيقة بسوء الخلق! هذه كلها كالسوس ينخر في كياننا الروحي فيدمره إذا لم نبدأ عملية الإنقاذ بوعي وجدية.

إن روحنا أو فكرنا هما حياتنا ذاتها. وتهميش هذا الجانب لوجه أهداف أخرى هو عبث يقضي على حياة الفرد. وماذا نملك غير حياتنا هذه؟ لا شيء بالمرة. ومن ثم فعلى كل عاقل أن يبدأ في التفكير والتخطيط لكي يخرج نفسه من الموت إلى الحياة ويخرج جسده من كونه جثة متحركة ويحوله إلى مركبة تتحرك عليها الروح في رحاب الكون والحياة وترى ما فيهما من إبداع وإبهار.

الوجه المظلم للتعود

إن التعود يفسد علينا أشياءً كثيرة. يفسد الإحساس ويعطل الفهم. نتعود على الكلمات في حملها للمعاني، فيبقى الصوت ويضمحل المعنى. وكأننا نستبقي الفاني ونترك الخالد كي يسقط في ظلمات من نسيان. غريب أمر العادة: قد تقبح إلينا الحسن، وتزين القبيح! ألا ترى إنساناً يعتاد وجود أحباب له محبين، فيضيق بهم بين الحين والحين، ولا يعبأ بحسن وجودهم! ثم ألا ترى إنساناً وجماعات تعتاد مشاهد القبح والظلم والعبث، فتراها في كل يوم كما الأعمى تتقلب عيناه في وجهه ولا يرى شيئاً! وحاشا لله أن أسخر ممن حرم نعمة البصر، لكن لي أن أقذع فيمن فقد ضرورة البصيرة!

لكننا لا ننكر منافع التعود. فهو الذي يهيء لنا أن نكتسب المهارات ونتعلم الخبرات، فيصبح العسير سهلاً مع تكرار الممارسة. هو خاصة إنسانية ضرورية لاستمرار الحياة وتراكم الخبرات وتقدم البشر. فهو ضرورة للحياة في جوانبها الآلية، أو اللاإرادية، لكنه حين ينسحب من النشاط الآلي إلى وجودنا الفكري والروحي يفسد وظائفهما ونشاطهما الحقيقي. نحن لا نستغني عن التعود في اكتساب المهارات البدنية مثل قيادة السيارة، ولا نستغني عنه في النشاط العقلي الآلي مثل تعلم اللغات واكتساب المهارات العقلية. لكنه حين يمسك بالفكر والروح يصبح مصيبة تدمر خصائص الإنسان وإمكاناته التي تميزه وتفضله على كثير ممن خلق الله.

إن المسلم يعتاد سماع آيات القرآن حتى يصبح مغيباً عن معناها. وقد أذهلني أحياناً وأنا أحاور البعض أنهم يحفظون الآيات لكنهم لا يكادون يفقهون معناها. علينا أن ننقذ أنفسنا وأفهامنا وحياتنا أن نكون كالحمار يحمل أسفارا. نرى الأشياء ولا نراها، ونردد الأفكار والشعارات وكأنها زائدة كلامية لا تمثل جزءاً حياً من كياننا المعنوي. أسوأ العلم هو ما يرقد ميتاً في جوفنا حتى تتعفن رائحته. إن العادة أحياناً ما تيسر لنا أن نقتل المعاني ونلقي بجثتها خارج قلوبنا ووعينا دون أن يطرف لنا جفن!

كيف ننقذ أرواحنا من أن تتحول إلى مقبرة للجثث المتعفنة تتبعثر فيها أشلاء المعاني النبيلة والأفكار الجميلة؟ إنه لا ينقذنا إلا الفكر والتفكر. لا مفر من فتح النوافذ كي نجدد الهواء. أترى، “نجدد” الهواء! التجديد فضيلة مادية وروحية، لولاها لفني الكون. جسدنا ذاته مسرح يومي للتجدد، حيث تموت الخلايا وتولد غيرها، ولو توقف هذا التجدد لتوقفت حياتنا على الأرض. لابد أن نرى ونتعلم ونقرأ أشياء مختلفة ومخالفة لما نعتاد عليه، بل ولما نؤمن به. إن التعود في وجهه القبيح هو بقاء كل ما حولنا على ما هو عليه. ومن قبح الفساد السياسي أنه يجعل الشعوب سجينة الموجود، لا أمل في تغيير المعتاد أو تحسينه. إن أجمل رؤى الدكاترة والطغاة هي أن تعتاد شعوبهم كل شيء حولها. حينها يصبحون مطية سهلة يقودها الرعاة حيثما تشاء أهواؤهم وطموحهم المالي والسياسي. يتحول الناس مع اعتيادهم على السوء إلى آلات يمكن التنبؤ بسيرها ومسيرها. لو لم يخرج الفرد نفسه من غيبوبة التعود لحكم على نفسه وجماعته بالفناء الروحي وأصبحوا جميعاً أجسادً ميتة تمشي على الأرض فلا تتغير حولها الأرض، وكأنهم قطعان مسكينة تحوطهم كلاب الحراسة، تأكل وتشرب حتى يأتي يوم يعن للراعي أن يذبح أحدها!

عدت يا يوم مولدي!

أتعرف هذه الأغنية لفريد الأطرش، كلمات كامل الشناوي: عدت يا يوم مولدي؟ ليست هي الأغنية المناسبة للاحتفال بعيد ميلادك بأي حال، رغم أنني كنت أحياناً ما أستمع إليها يوم عيد ميلادي! نعم كنت مكتئباً وحزيناً في بعض الأوقات، وأحياناً في كثير منها! غير أنني اليوم أستعير من هذه الأغنية المشجعة للاكتئاب في يوم عيد الميلاد عنوانها فقط. لقد بلغت من العمر ثلاثة وثلاثين عاماً منذ شهر تقريباً، فقلت لنفسي سوف أقدم لك وقفة تأملية وجيزة في هذه المناسبة!

* مرت على هجرتي في الولايات المتحدة سبعة سنوات. مرت مسرعة وأنجزت فيها القليل كما أضعت الكثير، أو هكذا أظن. فإذا مرت سبعة أعوام مثلهم دخلت في العقد الرابع من عمري! هكذا اقتربت الأربعين، أو اقتربت أنا منها! لقد يغير عام واحد عقداً كاملاً، والتحولات الحياتية تحدث بين يوم وليلة أحياناً. قد أبلغ الأربعين وأنا كما أنا أو أكاد، وقد آتيها وقد أنجزت ما تأخرت في إنجازه وفعلت ما طال تأجيله، الله وحده أعلم. بل وهل يعلم إنسان أصلاً ماذا يكسب غداً، أو بأي أرض وفي أي وقت يموت!

* أؤمن تماماً أن التغير الحقيقي للإنسان وحياته لابد أن يحدث أولاً في داخله، في عقله ونفسه. لذلك لا يقلقني كثيراً أن أنجز أشياءً ملموسة بقدر أن أصل إلى حالة إدراكية ومنهج حياتي يرضيني. إذا تحقق ذلك فقل على الدنيا السلام!

* ما زلت داخل جدران حياة ذاتية. هل ستأتي الأربعون وقد تخطيت نفسي وخرجت إلى الحياة الحقة والنور؟! إنني أعتقد أن الإنسان الذي يحيا في إطار حياته وحاجاته، همومه وطموحاته الخاصة هو إنسان مقطوع عن نبع الحياة الحق. ولن يشعر المرء بطعم أن يكون حياً قبل أن يفر من هذا الحبس الذاتي، الاختياري، بالفكر والعمل، ويكون الإنسان إنساناً (الجانب الإنساني الذي أسجد الله له الملائكة) بقدر ما يهتم بأمر الناس والأرض، وبقدر ما ترك من أثر، وأعان من بشر، ودرأ عن الأحياء من أذى وخطر.

* إن نهاية الطريق المحتومة والمعلومة هي الموت. وكأن الإنسان يسير في خط مستقيم نحو هذه الوجهة، ومهما باعدت به خطواته بين أهداف وآمال أو قربت، فإنها تقربه من الموت مع كل يوم يمر! وكأن الموت هو الهدف الأوحد المضمون لنا بلوغه! وبرغم ما قد يبدو في ذلك من تناقض ظاهر، فالحق أن الإنسان يزداد حياة كلما أدرك حضور الموت واستحضر حتميته، ورأى الأشياء والأحياء والأنباء من خلال عدسته!

مهاجرون يكتبون

لقد خلقت الأرض وسخر ما فيها للإنسان. والإنسان – لذلك – هو أهم كائن يسكن هذه السفينة العائمة في فضاء الكون. ولا توجد حياة حقة لفرد لا يتصل بغيره ولا يهتم لأحد ولا يهتم أحد له. فالحياة – حقاً – هي الناس. والحياة روضة لمن أصلح واتصل، وكبوة لمن أساء وانقطع.

وأنا أحمد الله على كل إنسان يصلني به. فحياة كل فرد منا تزداد وتزدان مع كل إنسان طيب نتعرف إليه. وقد تعرفت حديثاً – تعارفاً هاتفياً – على مهاجر مصري بادر بالاتصال بي وتعريفي بنفسه وبمدونته التي بدأها منذ أيام معدودة برسالة كتبها للرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما. وربما تكون هذه المرة الأولى في حياتي التي أشهد فيها رئيساً يسعد به هذا العدد من الناس، بهذا القدر. بل وأول مرة هي يرتبط فيها تجدد الأمل بانتخاب رئيس جديد. لاسيما أنه جاء بعد سنوات عجاف ومظلمات لرئيس وإدارة مكروهة.

هكذا أحببت أن أقدم هذه المدونة الجديدة وأن أشكر صاحبها على ثقته واتصاله بي وتعريفي بنفسه. وأرجو أن يمن الله عليه وعلينا جميعاً بجبر ما انكسر، وتيسير ما عسر. وإن الله هو الحق، ومن ثم فالعدل والرحمة والنور والفتح والرزق والهداية جميعاً من حقائق الحياة القاهرة الظاهرة، مهما تخفت في الظلمة حتى نظن أنه لا وجود لها. والصبر اختبار صعب لكن في ثماره الشفاء والفرحة حينما يحين وقتها. وكل آت قريب!

ولا ننسى أيضاً أن شدة النقد علامة الحب والهم، وتجاهل الأخطاء والسيئات دلالة على البلادة أو النسيان!

خلف الستار

لو لم تكن أنت، لكان أجدر بالمرء قتل نفسه، ولكان الموت خيراً من الحياة، والانتحار فضيلة لا يستطيعها إلا أتباع الحقيقة.

ربما غفلت لأني لم أر، وقابلت عطاءً ممتداً بطول عمري بكفر يمتد بعرض حياتي. ربما تجاهلت ما لا أسمع، وجهلت تحت بصر محجوب عن بصري إبصاره.

رأيت أن أتبع ذلك حين وصلني أنه أحق أن يتبع. غير أنه كثيراً ما يثقل الأمر، ثقل الغيب في خفائه. فأقول لنفسي، لأتبعنه طالما لم أجد ما هو أحق.

أقسم بالوجود والعدم، إني إن وجدت أفضل من ذلك لاتبعته لفوري!

من أرض إلى أرض

منذ شهر كامل هاجرت هجرة جديدة، من أرض كانت قد أصبحت مألوفة، إلى أرض غريبة وجديدة. من مدينة صغيرة إلى مدينة كبيرة، ليس لي فيها إنسان ولا مكان. كنت أود أن أترك الجليد والبرد إلى جنوب القارة حيث الشمس والدفء، غير أنني، تحركني تدابير القدر التي تعلو على أفهامنا المحدودة بالمكان والزمان، وجدت نفسي مهاجراً إلى أرض أخرى شمالية، إلى ذات الجليد الأبيض والبرد الذي يدفعك دفعاً أن تلجأ إلى دفء الجدران. بل إن البرد في شيكاغو، التي انتقلت إليها، أحياناً ما يغلب برد مدينة إثاكا الصغيرة. فالمدينة الشهيرة بـ “مدينة الرياح” تتضاعف فيها درجات الحرارة سلباً حين يتحرك الهواء، فتجعل الإحساس بدرجة حرارة 15 تحت الصفر تماماً كأنها 25 أو 30 تحت الصفر! ولكن الإنسان، إذ يعيش في أرض مسخرة له، يتكيف مع غريب الظروف وعجيب الأجواء. والملايين تعيش أعمارها في هذه المدن حياة يتعودون عليها فتصبح طبيعية. فمع اقتراب الشتاء يتجهز الإنسان بالملبس المناسب، ويتهيأ للبرد بمصنوعات تغطي أطرافه وتدفئها قدر الإمكان. وتتهيأ المركبات التي تسير على عجلات لصعوبات المسير فوق الثلوج، وتتباطأ في سعيها من مكان إلى مكان تجنباً لأخطار فقد السيطرة فوق الماء المتجمد.

والحق أن من مميزات الأجواء الشمالية أن تغير الفصول ملحوظ محسوس. فالشتاء أبيض بارد. والربيع يتحرك من الصفرة نحو الخضرة ومن البرد إلى الدفء. والصيف أخضر خضرة عميقة متمكنة. ثم يأتي الخريف فتتكشف الخضرة عن ألوان كونية متفاوتة ترسم “لوحات طبيعية” بديعة، ثم تصفر الأوراق وتقع تحت الأشجار وفوق الطرقات والأرصفة فترسم لوحة أخرى ذات جمال، مهما رأينا الأوراق المتساقطة على الأرض كشيء يجب التخلص منه. ثم تتعرى الأشجار وتشيخ، ثم تغطيها طبقات بيضاء، وتتكرر الدورة.

لا أعرف إن كانت هذه المدينة سوف تصبح بيتاً لي لشهور قادمة أو أعوام. فلا شيء يربطني إلى مكان معين –حتى الساعة- في هذا البلد القارة. لا شك أنني تعلمت أشياء وخسرت أشياء أخرى في هذه الهجرات. لكن التعلم يستحق أن نخسر في سبيله أشياء زائلة. فالحكمة تبقى والأشياء تفنى. ولعل أهم ما وصلني عبر هذه الخبرات، والهجرات، والمتاعب، أننا عابروا سبيل، شئنا أما كرهنا، ومهما توهمنا عكس ذلك. وفي الطريق من أرض إلى أرض لا أرى بقاءً ولا وجوداً إلا لحقيقة واحدة.

إن الله باطن يظهر نفسه لا في رؤى الأبصار، ولكن في إدراك القلوب إذ تتقلب في الأحوال، وتتقلب بها الآمال. وكأن الأرض كانت تحركني فوقها، بوحي من ربها، وتلقي بي على رأسي بين حين وحين، في ضربات قد توجع، لكنها لا تهلك. ولم توجعني ضرباتها كثيراً، ولا أعلم إن كان ذلك بلادة في الشعور، أم أن رأسي قد تحصنت من قبل ضد ضربات كل زائل. فالزائل ضعيف هين مهما استخدم من مؤثرات بصرية وسمعية للسيطرة على عقول المشاهدين. وليت المشاهد يعلم أنه مشاهد وأن العرض مسرحية سوف تنتهي ويسدل الستار، ويعود كل إلى بيته بعد أن لبثوا فيها يوماً، أو بعض يوم، أو محض ساعة!

انتماء

قال لي: أشعر أنني لا أنتمي إلى هذا العالم.
قلت له: كلنا عابروا سبيل.
قال: كأنك تعني أن الناس جميعاً هكذا يشعرون؟
قلت: إن الحق حق مهما شعر الناس أو لم يشعروا.
قال: فما أفعل في حياة لا أتعلق بها ولا تغريني بشيء؟ إن الإنسان يترك وطناً لو فقد انتماءه له، فما يفعل رجل بحياة لا ينتمي إليها؟
قلت: الحياة وطن لا مفر منه.
قال: فكيف أقضي أعواماً، لا أعرف كم تبقى منها، في هذا الوطن الذي لا مفر منه، وأنا عنه راغب؟
قلت: ألا تجد شيئاً يغريك، وراضياً فيها يبقيك؟
قال: هذه الحياة وطن لا مفر منه، غير أن كل ما فيها يفر!
قلت: كل ما تحتاجه موقوتاً تحبه حتى يحين وقتك.
قال: الحب هبة تأتي من تلقاء نفسها أو لا تقيم نفسها إلا لحظة!
قلت: حيرني أمرك! ليس عندي ما أنصحك به!
قال: حتى أنت!
قلت: ما أنا إلا رجل موقوت، لا أنتمي إلى شيء ولا شيء ينتمي إلي. وإني وربك في ذات حيرتك وفي عين يأسك.
قال: أنت من ذكرتني من قبل أنه لا يقنط من رحمة الله إلا القوم الكافرون!
قلت: إن الله حق لا ندركه، وسميع لا نسمعه، وبصير لا نبصره. ونحن صاحبنا الوهم حتى اعتدنا عليه. والإنسان عدو ما يجهل، وصديق ما يألف – مهما رأى منه من سوء.
قال: كأنك تهذي بما لا تدري وتفعل ما لا تعرف!
قلت: إن الفضل بيد الله، يؤتيه من يشاء.