الحل الإبراهيمي للخروج من مأزق الثورة المصرية في الانتخابات الرئاسية

قضيت ليلة أمس في جلسة مصرية مغتربة على مائدة يجتمع حولها تمثيل لأطياف المصريين جميعاً أو يكاد (ثوريون ليبراليون، محبون للإخوان، محبون لشفيق، محبون للراحل عن السباق الرئاسي حازم أبو اسماعيل) نتحاور ونتجادل على مفترق الطريق الانتخابي. الأغلبية سوف تختار مرسي، عدا معسكر شفيق، وحتى أعتى معارضي الإخوان قرروا قراراً واضحاً ومتعجلاً بالانضمام لصفوف الإخوان بشكل مؤقت لمواجهة الخطر الأكبر في رأيهم. لكن كانت هنالك قلة لبثت في النفي لا تستطيع مفارقته: رفض العسكر والإخوان معهم. وكنت أنا منهم. ولا أنكر أنني فكرت بيني وبين نفسي، وتخيلتني واقفاً أمام ورقة الانتخاب: هل يستطيع قلمي النظر لشفيق دون البصق عليه؟ ثم هل أستطيع أن أخالف خلاصاتي الفكرية كلها عن جماعة الإخوان وأعطي صوتي لمرسيهم؟ أم أقاطع الانتخابات؟ وهل المقاطعة سلبية؟ الواقع أنني ظللت في حيرة حتى اطمأننت إلى المخرج الوحيد الذي أقنع عقلي وأراح ضميري، وهو ما أعرضه ها هنا، ليس لأقنع أحداً، فهو رأي سوف يقنع البعض لكنه لن يقنع الكثيرين على الجانبين. وهو اجتهاد شخصي فلسفي يلزمني وحدي ومن شابه تفكيرهم تفكيري، وكل يلزمه اجتهاده.

خلاصة المخرج الذي أراه وحيداً لخلاص مصر وانتصار الثورة هو الثبات في النفي “الإيجابي” حتى يتبين لنا ما يستحق الإثبات الحق. وهو طريق محفوف بالمكاره لكن آخره الجنة! وهو أيضاً طريق وطريقة نبي الله إبراهيم عليه السلام التي انتصر بها على الوثنية والأوثان!

لك أن تظن أنني متفلسف مجنون. ولك أن تكتفي بهذا القدر أو تصبر معي حتى أشرح وأبين فيما يلي من سطور.

دعنا أولاً نوضح ما هو واضح. هناك فريقان لا تؤرقهما ذرة من حيرة، وحلنا هذا ليس لهما قطعاً، الطرفان هما منتخبي شفيق ومؤيدي الإخوان منذ البداية. هذان الحزبان يحاولان الآن اجتذاب “الطرف الثالث” اللاإخواني-لافلولي حتى ترجح به كفة أحدهما.

دعني أيضاً أقول صراحة أن رأيي وخلافي مع منتخبي الإخوان وبعض منتخبي شفيق لا يسمح لي أو لغيري بتخوين أي مصري، ففيما عدا المجرمين المعروفين فالكل يختار وفقاً لما يراه من مصلحة بلده، واتخاذنا موقف بعينه لابد أن يظل في إطار حسن الظن بإخلاص المخالفين، حتى لو أسأنا الظن بقدرتهم على الحكم وظننا فيهم قصر النظر.

لعله من الجيد أن أقرر بوضوح أن مسار الثورة الحالي يتكون من ثلاثة أطراف متباينة وليس طرفان كما يظن البعض، والأطراف الثلاثة هي: 1. العسكر والفلول 2. الثوريون المثاليون 3. الإخوان. أما العسكر والفلول فواضحون تماماً أمام أعين الثوار ولا لبس فيهم. وأما الوهم الأهم الذي يجب معالجته هو أن الإخوان والثورة ليسا طرفاً واحداً بأي حال من الأحوال، بل هما طرفان نقيضان. والإخوان موقفهم غريب بعض الشيء، فبينهم وبين العسكر مصالح مشتركة وأخرى متنافرة، والشيء ذاته مع الثورة، لهم مع الثورة بعض المصالح المشتركة وأخرى متناحرة.

اللافلول-لاإخوان لن يعطوا أصواتهم لشفيق قطعاً. وهم في ذات الوقت ضائقون أشد الضيق بأداء الإخوان الذي رأوا فيه إعلاء لمصلحة الجماعة على مصلحة الثورة ومصلحة مصر. وهم أيضاً لا يثقون في مستقبل الثورة بين يدي الإخوان بعدما رأوه منهم. ورغم كل ذلك تعجل هؤلاء في إعلان تأييدهم – غصباً عنهم! – للإخوان لأن شرهم أهون، مهما كان، ولأنهم لا يحملون سجلاً جنائياً مباشراً وجلياً مثل سجل العسكر والفلول. ثم هناك بعض هذا الفريق الذي لا يستطيع أن يتجرع دواء الإخوان المر والمشكوك في أمره للعلاج من سم النظام المباركي، هؤلاء قرروا مقاطعة انتخابات الإعادة وإبطال أصواتهم. فأي الطريقين نختار، نحن اللافلول-لاإخوان، تحالف مؤقت مع الإخوان، أم انسحاب ومقاطعة؟ هنا كان مكمن العذاب والحيرة، ثم الحل الذي انتهيت إليه (ومعي نفر قليل ممن أعرف وأتابع)، والتأصيل الثوري والفكري والفلسفي له!

الحل الذي أشرت له بداية هو الثبات في النفي، في “لا”. التجلي العملي له في انتخابات الإعادة هو الذهاب إلى الانتخابات وكتابة “لا للفلول ولا للإخوان” أمام شفيق ومرسي. لكن الحل جذوره أعمق وأفقه أوسع من ذلك، فهو موقف ثوري وفكري متكامل. هذا الحل لا يقبل بمجرد المقاطعة، فالهدف من إبطال الصوت إبطالاً إيجابياً هو إعلان موقف وكتلة رافضة واضحة العدد والصوت، وليست صامتة في الظل. هذه الكتلة الرافضة، وعددها في الواقع ملايين تفتتوا غالباً بين صباحي ثم أبو الفتوح، لو قاطعت تماماً فكأنها لم تكن، ولو أعطت صوتها لمرسي فقط انمحت داخل الإخوان وفقدت كيانها المتميز. ولو حصل بها الإخوان على أغلبية فلن يذكرونها على أنها الكتلة التي انتخبتهم على مضض، لكنهم سوف يستخدمونها للتلويح بأن الأغلبية معهم وانتخبتهم، وبالتالي فعلى الأقلية أن تصمت من بعد وتدعهم يعملون في هدوء!

قد تظن أن الثبات في النفي – “لا” لكل الأطراف المرفوضة حتى لو لم يتوفر طرف نقول له “نعم” – هو سلبية. لكني أذكرك أنه عين الثورة وسبب النجاح المبدأي في إسقاط مبارك. لقد سقط مبارك لأن الجماهير اجتمعت على التمسك والثبات على “لا”، دون تقديم أي بديل. لا لمبارك، ولا لكل بيان وتنازل ووعد قدمه، لا وفقط. لم تكن هنالك أي “نعم” في الأفق في ذلك الحين. وكان هذا بالضبط هو سبب النجاح “السينمائي” الساحق للثمانية عشر يوم الأولى من الثورة. أما خطأ الثورة الفادح، الذي أدركته قلة في حينها وكثرة مع مرور الوقت، فكان هو التعجل في ترك “لا”، في الخروج من النفي إلى إثبات ما لا يستحق الإثبات. لو واصلت الثورة “لا” لكل بقايا النظام لما أعطيناه عاماً ونصف العام يسترد فيه الأنفاس ليقضي على الثورة على نار هادئة. وأحد أهم أدوات النظام في التعجيل بهجر “لا” هو جماعة الإخوان نفسها. هكذا خف الضغط، و”لا” النافية كانت تمثل ضغطاً لا يحتمل، عن صدور الفلول والنظام فاستطاعوا التفكير والعمل في هدوء وأوصلونا لمأزقنا الحالي.

سوف أضيف تأصيلي الفلسفي/القرآني الخاص لموقف الثبات في النفي قبل أن أستفيض قليلاً في مخاطر استعجال إثبات ما لا يستحق الإثبات، ولو بشكل مؤقت. والمرجع هنا قصة أبي الإنبياء إبراهيم عليه السلام في رحلته لهدم أصنام قومه. فلسبب ما رأيت فيها إشارات يمكن تطبيقها على الموقف الحالي. لقد بدأ النبي العظيم رحلته إلى الله/الحق بإدراك “لا”، هؤلاء “ليسوا” آلهة تستحق العبادة. لم يكن يعلم شيئاُ عن الله. فقط رفض الأصنام. ثم بحث عمن يستحق العبادة، فأعجبه القمر لوهلة، حتى أدرك حقيقته. ثم رأى نجماً أكبر وأعظم من الأصنام ومن القمر في عظمته وبهائه وقوته، فظنه يستحق “الإثبات”، يستحق “نعم”، ولكن أيضاً لوقت محدود، حتى انتبه لحقيقة أفوله المتكرر كل يوم. بعد أن يأس النبي من كل ما بدا له من آلهة زائفة، قرر الثبات في النفي، قرر الثبات في “لا”، دون أن يضمن وصوله للحق. هو فقط ثابر وصبر في نفي ما لا يستحق الإثبات. حينها فقط تولته العناية الإلهية! هذا طريق أهل الحق، وهو ليس سهلاً، فسوف تكون إحدى محطاته، بلا شك، نار يوقدها الغافلون – المثبتون لما يستحق النفي! – لأهل “لا” المخيفة، الفوضوية، عدوة الاستقرار وما عهدنا عليه آباءنا وجماعاتنا!

لعلك أدركت ما أرمي إليه من تشبيه: النظام القديم هو الأصنام، والقمر هو العسكر والفلول، والشمس هي جماعة الإخوان! والنفي الثابت الذي ثابر عليه نفر قليل هو نفي الباطل وما بني على باطل، وكل مسار ما بعد إسقاط مبارك باطل ومصائبي.

أعلم أنك ما زلت تقول: لكن الإخوان ليسوا بهذا السوء، إذا كنت من مؤيدي الإخوان القدامى أو من “المضطرين” في الإعادة بين مرسي وشفيق. أما من يفضلون الشيطان على الإخوان فما زالوا يقولون: لكن شفيق والعسكر أرحم من دولة ديكتاتورية دينية لا يكون المعارض فيها معارضاً وفقط ولكن معارض وكافر عليه لعنة الناس أجمعين! وأصر أنا ومن معي: لا هذا ولا ذاك. “لا” لمن لا يستحق “نعم”، على أن تكون لا واضحة صريحة موثقة، وليست لا سلبية صامتة.

تعال معي نتصور مسار كل “نعم”، مسار عبادة القمر أو عبادة الشمس! سأبدأ بالأسهل: لو انتصر شفيق. أرى في هذا المسار احتمالين: سوف ينتصر شفيق، ثم يعطي مهلة للإخوان ومجلس الشعب أن يصبحوا معارضة مستأنسة من لزوم الوجاهة الديمقراطية. وسوف يكون لهم بالطبع خطوطهم الحمراء. إما أن يقبل الإخوان ذلك، وهو عودة صريحة لعصر مبارك، لكن أسوأ بالطبع. فسوف يتم التخلص الهاديء والتدريجي من “رؤوس الفتن”. والاحتمال الآخر هو انقضاض وحشي على الإخوان بغرض القضاء التام عليهم، بشكل يختلف تماماً عن علاقة الإخوان بنظام مبارك. ففي زمن مبارك كانت العلاقة شد وجذب، تفاهم هناك وسجن وتعذيب هنا. ويمكنك الرجوع لتصريحات قادة الإخوان في هذه الفترة، بداية من المرشد يعلن موافقة الجماعة على تولي جمال مبارك الرئاسة خلفاً لمبارك، ومروراً بصور صبحي صالح الحميمة مع زكريا عزمي، وانتهاء بتصريحات محمد مرسي عن شخصيات “وطنية” هم تماماً رؤوس الفساد في النظام المتساقط. وهذا احتمال كارثي لسببين، أولهما أنه لا يمكن قبول التعامل الأمني مع الإخوان للقضاء عليهم لأنه في كل الأحوال منهج ظالم غير أخلاقي، وثانياً لأن الإخوان لو تم وضع وجودهم نفسه في خطر فقد تتجه مصر إلى صراعات مسلحة.

أما سيناريو فوز مرسي في رأيي فهو بقاء العسكر خلف الستار، وإعطاء بعض الصلاحيات الجزئية للرئيس، فيما يشبه نسخة معدلة من حكومة شرف. ولو حاول الإخوان الحصول على أكثر مما يريد العسكر إعطاؤه فما أسهل تدبير انقلاب عسكري عليهم، أو إخراج ملفات، حيقيقة أو مفتعلة، تنهي وجود الإخوان. والاحتمال الأقرب هو سلوك الإخوان طريق النفس الطويل: الرضا بما قسمه لهم العسكر في الوقت الحالي من صلاحيات جزئية، والتخطيط طويل الأمد حتى إحلال الجماعة في الجيش والداخلية على مدى العقد أو العقدين القادمين، فالقيادات العسكرية الحالية إلى موت وزوال أما الجماعة فباقية. ولن نفيق بعدها إلا على دولة مصرية يسيطر عليها فصيل واحد. ومهما آمنا أن هناك ألوف مؤلفة من المخلصين الطيبين في صفوف الإخوان، إلا أن الواقع يقول أن السلطة المطلقة تأتي بالذئاب وتهمش الحملان أو تأكلها! إن الرهان على العناصر الطيبة داخل الإخوان رهان خاسر، لأنهم إما أنهم يكتفون بالمعارضة الداخلية – داخل الجماعة فقط – غير الفعالة، أو يقنعون أنفسهم أن قياداتهم لها ولا شك رؤية تخفى عليهم وبالتالي يعطونهم ثقتهم وطاعتهم، أو يعترضون حقاً فتلفظهم الجماعة. يعني في كل الأحوال تمكن الإخوان من خيوط الحكم كلها لن يأتي إلا بأسوأ ما فيهم. ولن يحدث ذلك فجأة بالطبع، ولكن بالتدريج سوف يقوم محامون مجهولون مثلاً بإقامة دعاوى ضد الكتاب والفنانين والمفكرين المخالفين، جميعها باسم الدين، وبالتدريج ننزلق إلى نموذج “الثورة الإيرانية”.

لعلني أطلت أكثر من اللازم وقد أكون عجزت عن تبيان كل ما أراه. لكن الخلاصة أني أرى الثبات في نفي كل ما لا يستحق “نعم”، حتى ولو لم يتوفر لنا البديل الجدير في الأفق المرأي. واستكمال الثورة بروح “لا” الجبارة التي تقضي في طريقها على كل باطل. وسقوط الباطل، الواحد تلو الآخر، سوف يأتي تلقائياً بحقائق جديدة وجديرة، لو صبرنا كما صبر أبونا إبراهيم عليه السلام!

الحضارات بعضها من بعض

لا شيء في هذه الحياة يولد من لا شيء. من ذلك المهارات والعلوم والتقدم الفردي والجماعي بأوجهه المتعددة. لم يولد أي منا مكتمل المعرفة والخبرة والتمكن. لابد لنا أن نأخذ ممن سبقنا ونتدرب على يد من تدرب من قبلنا.

لا يوجد طبيب لم يتعلم من طبيب سبقه. ولا مزارع لم يرث فنون الزراعة ممن خبروها من قبله. قد يخطر لك أنه لابد لكل شيء بداية، ولكل فن وعلم وصنعة إنسان أول بدأها ابتداءً واخترعها اختراعاً. هذا صحيح – بعض الصحة. إن المهارات في شكلها البدائي الأول هي أبعد ما تكون عن عصرنا الحالي. وحتى الاختراعات التي تبدو حديثة ما كان لها أن تكون لو لم تمر عبر سلسلة طويلة من الخبراء والمجربين والباحثين حتى تصل إلى شكلها الذي تعرفه اليوم. الحياة الإنسانية لا يمكن أن تكون دون تسليم وتسلم. ولو انقطعت السلسلة في أي من مراحلها عدنا إلى نقطة البداية وخسرنا الكثير من الوقت والجهد والتجارب.

إن الحضارة العربية الإسلامية لم تولد من العدم، بل إن المسلمين في حضارتهم الأولى تعلموا ونقلوا من كل ما وقع تحت أيديهم من منجزات الحضارات السابقة شرقاً وغرباً. ثم استمرت سلسلة الحضارة والعلم والتجربة من حضارتنا إلى الحضارة الغربية، التي استلمت بدورها شعلة الحضارة ممن سبقها ثم مضت في طريقها تضيف إليها حتى وصل العالم إلى ما وصل إليه اليوم. وليس سراً أن العرب والمسلمين لم يضيفوا شيئاً إلى سلسلة التقدم والإنجاز منذ قرون طويلة، وكل الإضافات الشخصية التي أضافها عربي أو مسلم حدثت في إطار غربي، فأحمد زويل عالم مصري نعم، لكن كل إنجازه العلمي يحسب للحضارة الغربية لأنه لم يحدث إلا في رحابها وبفضل مؤسساتها وأنظمتها.

ثم يأتي يومنا هذا ونحن في وسط صحوة عربية أدركت أخيراً أنه لا تقدم دون حرية سياسية، وأن العائق الأول والأهم أمام تقدمنا في مدارج العلم والصحة والقوة هو الاستبداد الداخلي. ما زلنا في مرحلة الهدم، لكننا على مشارف ما سيعقب هذا الهدم الضروري من بناء. والمشهد السياسي في مصر اليوم فيه جدل كثير حول الوجهة الأصلح لمستقبل وطننا الذي نؤمن بعبقريته وقدرته أن يعلو إلى مصاف الدول الأولى والعظمى، ويترك وراء ظهره صفات وأحوال “العالم الثالث” الذي سقطنا في أوحاله عقوداً طويلة كئيبة!

وإذا استلهما فكرة توالد الحضارات بعضها من بعض، أدركنا بوضوح أننا إن أردنا إعادة ما نترحم عليه من سالف حضارتنا فعلينا أن نفعل كما فعل أجدادنا من قبل: علينا أن نتسلم ونتعلم من كل من سبقنا من حضارات، في الشرق والغرب! إن البعض في مصر اليوم يجد أن حياة بعض السياسيين في بلاد الغرب سنوات طويلة تجعلهم أقل قدرة على العمل من أجل مصر. غير أن الواقع هو عكس ذلك تماماً! إن تقدم مصر المجهض في عهد محمد علي ما كان له أن يكون دون بعثات التعلم من الغرب. كلنا يعرف رفاعة الطهطاوي وغيره ممن أيقظوا حياتنا الفكرية وأعادوا إليها الروح بعد أن خرجوا في رحاب العالم ورأوا أن بشراً آخرين سبقونا في صلاح حال البلاد والعباد. نحن نحتاج وبشدة إلى خبرة كل مصري عاش في مواقع التقدم وعرفها عن قرب، لأن من رأى ليس كمن سمع. والمرء الذي رأى أفضل ما وصل إليه العصر لن يعود إلى وطنه ويرضى لأهله دون ذلك. إنك حين تتعود الحياة في الغرب سوف تعود إلى وطنك مدركاً تمام الإدراك أن الحال يمكن أن يكون أفضل كثيراً كثيراً مما هو عليه، والدليل أن بشراً آخرين – لا يزيدون عنا في مواهبهم أو قدراتهم الإنسانية – قد بلغوا ما بلغوا من حسن الحال.

علينا أن نحتفي بكل خبرة توصلت إليها حضارات وبلدان بعيدة أو قريبة، فإنها تقدم لنا بالدليل العملي كيف يمكن لحياتنا أن تكون لو أخذنا بما أخذوا به من أسباب. لا يوجد أي سبب منطقي يحول بين المصري وبين الحياة في ذات المستوى الذي يحيا فيه أهل ألمانيا أو أهل السويد، لو أخذ بنفس الوسائل التي أخذ بها من سبقه. لا أتعرض هنا لاستيراد قيم مختلفة فيما يتعلق بالسلوك الشخصي. لكني أتحدث عن مظاهر التقدم في المدينة والمصنع والمدرسة والجامعة والوزارة والإدارة الحكومية التي تقضي مصالح الناس. في كل ذلك يعلم تماماً من عاش في بلدان متقدمة مدى الحضيض الذي يعيش فيه أبناء وطننا. وأي وطني عاقل ومخلص – يعلم حال المتقدمين السابقين – لن يرضى لبلده وأبناء وطنه أن يحصلوا على أقل من ذلك.

تلبيس إبليس في مقاطعة ساويرس الخبيث!

يأتي تعليقي هذا على رأيي في هوجة مقاطعة ساويرس وشركاته المصرية متأخراً، وإن لم يكن في الواقع متأخراً لكوني لا أتحدث هنا عن قضية فردية هي مقاطعة إنسان بعينه ولكن لما تثيره من بعض المراجعات في طبيعة القيم الإسلامية التي تتبناها جماعات من أهلنا في هذا الزمن.

خلاصة الموضوع أن نجيب ساويرس نشر صورة كاريكاتورية لميكي ماوس بذقن طويلة وصديقته ميمي مرتدية النقاب. ثار نفر من المسلمين واتهموا نجيب بـ “إهانة الإسلام”. اعتذر نجيب ساويرس وحلف بأغلظ الإيمان أنه لم يقصد سوءاً. لم يقبل الغاضبون الاعتذار وقرروا مقاطعة شركاته حتى يودوا بها إلى الإفلاس. وحينما تفلس هذه الشركات بالطبع يكون المقاطعون قد حققوا انتصاراً عظيماً يؤكد على “عزة المسلمين”!

وجاءتني الدعوات لحملات المقاطعات الفيس بوكية. وسمعت الشباب المتحمس يأتي بأفكار مبدعة مثل عدم الرد على أي رقم موبينيل حتى يجبروا من لم يقاطع طوعاً أن يقاطع كرهاً، وإلا فما فائدة أن تحمل محمولاً لا يريد أحد من أصدقائك أن يحادثك فيه؟!

ولي ملاحظات وآراء على الأمر كله أوردها فيما يلي:

- لعل المقاطع الغيور على دينه يؤمن أن الإسلام دين تسامح ورحمة، والآية الكريمة تكاد تلخص مغزى الدين كله في الرحمة: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”. وفي قصص الصحابة أن جماعة من المسلمين خاضوا في عرض أم المؤمنين عائشة، فلما نزل قرآن يبرؤها قرر أبوها أبو بكر الصديق أن يقطع معونة مالية كان يقدمها لأحد الخائضين في عرض ابنته. فنزلت آية قرانية تحثنا على العفو والصفح، إن كنا نحب أن يغفر الله لنا. وأتساءل هل ذنب ساويرس بنشر صورة وهمية، لشخصيات غير موجودة في الواقع أساساً، أكبر من اتهام أم المؤمنين وزوجة نبينا بالخيانة الزوجية؟! لقد راجع الصديق نفسه ولم يقطع المعونة المالية عمن خاض في عرض ابنته. أما المتحمسون فلم يبالوا باعتذار رجل أخطأ وقرروا معاقبته حتى النهاية. ورأيي أن نقول ما نفعل ونفعل ما نقول حتى لا نكتب عند الله في زمرة المنافقين. إن أردت أن تواصل مقاطعة رجل عبر عن ندمه وكرر اعتذاره، فأرجو منك ألا تدير وجهك إلى اليمين فتخاصم وتقاطع ولا تقبل اعتذاراً ولا تفكر في مغفرة، ثم تديره لليسار فتقول أن الإسلام دين رحمة وتسامح ومغفرة! إن آمنت أن الإسلام دين تسامح فسامح وتقبل الاعتذار. وإن آمنت أن الإسلام دين انتقام وتدمير فواصل المقاطعة، وأنت حر!

- في جدال مع بعض أصدقاء الفيس بوك حول هذا الموضوع ذكرني صديق بلمحات من تاريخ المسلمين مثل “وامعتصماه” ومثل الحرب التي قامت بين المسلمين في المدينة وإحدى قبائل اليهود لأن تاجراً يهودياً ربط ثوب امرأة مسلمة حتى تتعرى أمام سوق بأكمله، نتج عنه مقتل التاجر على يد مسلم عابر ثم مقتل المسلم على يد نفر من اليهود. ولعل الكثير من شبابنا يستمع إلى هذه القصص ويحاول استرداد بعض مظاهر العزة لقومه. لكن العقل يتطلب بعض الدقة في إجراء المقارنات. لو كان ساويرس قد دخل على إحدى موظفاته المسلمات مثلاً ثم قام بخلع الحجاب من فوق رأسها بالقوة ثم كشف عن جسدها، لكنت أول من ناديت بالمقاطعة! كيف نقارن بين إهانة إنسان أدت إلى قتل إنسان آخر بصورة كاريكاتير لا تمس أحداً بعينه ولا تؤذي رجلاً أو أمرأة في عرضهم أو رزقهم أو كرامتهم؟!

- شركة موبينيل ليست هي ساويرس فقط. الشركة يعمل بها آلاف المصريين من مسلمين ومسيحيين. لو كانت هذه الشركة ترفض تعيين المسلمين مثلاً لقلنا أنها شركة تفرق بين الناس على أساس الدين ولا تستحق البقاء. هل يفكر المقاطع في آلاف قد تفقد عملها ورزقها بسبب هذه المقاطعة؟ إن خسارة إحدى شركات ساويرس سوف تكلفه فقط بعض “الخسارة”، أي أنه سوف يخسر أرباحاً كانت ستأتيه لولا المقاطعة، لكنه لن يفقد مصدر رزقه الوحيد ولن يسهر الليل بعد إغلاق الشركة يفكر ويفكر كيف يطعم أبناءه ويفي بمطالب الحياة بعد انقطاع رزقه! لكن هذا قد يكون حال الكثيرين من إخواننا العاملين في الشركة إذا ما تم الاستغناء عنهم بسبب المقاطعة. لو لم تكن تبالي بشبهة قطع أرزاق هؤلاء فواصل المقاطعة، وواصل معها القيام والصيام في رمضان أيضاً إن شئت!!!

- إن السخرية من ممارسة بعينها لا يمكن أن تحسب كإهانة لدين بأكمله! النقاب مختلف عليه، واللحية يضعها على وجهه الصالح والطالح. لو سخر ساخر من الصلاة مثلاً لكان بالفعل ساخراً من الإسلام. لو أهان أحدهم نبي الإسلام أو القران لقلنا صادقين أنه قد أهان الإسلام. بل إن مشركي مكة أهانوا شخص النبي محمداً ذاته بالقول والفعل، فقد قالوا عنه مجنوناً وساحراً وكاذباً، وتعرضوا له بما يكره، وعذبوا وقتلوا نساءاً كريمات ورجالاً نبلاء من صحابته. فلما دخل النبي عليهم منتصراً لم ينتقم بل صفح وغفر! بل وأثبت القران في آيات خالدة كل تهم المشركين للنبي الأمين، ومعنى ذلك أن الإهانة الكلامية يتقبلها القوي الواثق بالنظر في وجهها والرد عليها بمثلها: بالحجة والعقل! وليس بالتشنج والصراخ. الصوت العالي في أمور الفكر والدين والرأي هو سلاح الضعفاء!

وبعد، قد يقول قائل أني بذلت اللحظات والكلمات دفاعاً عن ساويرس. وأقول للعقلاء أنني لا أدافع هاهنا عن شخص أو شركة، وإنما أدافع عن أخلاق الإسلام!

كيف نتفادى عفريت مبارك؟

مصر الآن وكأنها عمارة تم بناؤها بمعرفة مقاول فاسد، استخدم مهندسين فاشلين وفاسدين فأتى التصميم قبيحاً ومعيباً. وارتفع البناء على مواد مغشوشة من حديد وأسمنت وخلافه. أما قطعة الأرض فرائعة وثمينة، وكثير من السكان موهوبون وأكفاء. ثاروا بعدما عاشوا فترة طويلة وهم يدركون تماماً – بعقلهم وحدسهم – أن البنيان معرض للسقوط في أي وقت. وحدثت الثورة وتم التخلص من المقاول الجاهل – محدث النعمة -وبعض أعوانه. أما البناء فلم يتم هدمه بالكامل، وما زلنا نحن السكان نشعر بالخطر لأن الأساس تحتنا ما زال هشاً، والبنيان الذي تخلل الفساد في جميع جنباته ما زال الكثير من أركانه وجدرانه قائم. ومن هنا أصر نفر من الثوار على تعقب ما استطاعوا من أركان البناء الفاسد حتى التخلص منه، وحسناً فعلوا! فقد ذهبت حكومة ترقيع وجاءت حكومة جديدة ومتينة بفضل الإصرار على رحيل معاون المقاول الذي عينه المقاول الكبير المخلوع!

ونحن نريد أن نستغل الأرض الثمينة الجميلة ونبني فوقها سكناً ووطناً حديثاً وراقياً وبديعاً، يقوم على أساس متين وآمن. سوف يستغرق ذلك زمناً ولا شك، لكن رؤية مهندسين ومقاولين وعمال بناء أقوياء وأكفاء وأمناء يجعلنا نطمئن أن البناء الذي سوف نسكنه في المستقبل أجمل وأفضل كثيراً مما كان عليه في الماضي.

لكننا ما زلنا في مرحلة مبكرة من إرساء نظام محكم لإبقاء أهل العلم والأمانة، وإقصاء أهل الجهل والخيانة! كيف نتخلص من عفريت المقاول الجاهل الفاشل، الشهير بمبارك، حتى لا يتم استنساخ روحه والعودة إلينا في شكل جديد، فننتظر ثلاثين عاماً أخرى حتى نكتشف أننا تعرضنا لعملية استنساخ عفاريت قديمة في أجساد جديدة؟!

هناك ضمانات عديدة مطبقة بالفعل لدى من سبقونا إلى الديمقراطية والحرية. علينا أن نستعير أفضل ما وصل إليه الإنسان، في كل مكان.

أبسط وأوضح ما يجب الإصرار عليه في بناء مستقبل مصر هو تواجد مراكز قوى متعددة ومستقلة تماماً عن بعضها البعض، بحيث لا يستطيع مركز قوى واحد أن يتمدد كالسرطان ويستولي على زمام كل شيء. وهنالك ثلاثة جهات استقلالها ضرورة لا غنى عنها في مقابل مؤسسة الحكم.

القوة المستقلة الأولى: شيخ الأزهر وبابا الأقباط.

والمؤسسة الدينية بشكل عام. يجب أن يتكلم الإمام في المسجد والقس في الكنيسة دون أن يفكر في خطوط حمراء تخص المؤسسة الحاكمة. يجب أن يتم انتخاب شيخ الأزهر بواسطة علماء الأزهر، ولا يستطيع إبعاده إلا الذين انتخبوه. يجب ألا يشعر بابا الأقباط أو شيخ الأزهر بأي حرج في نقد وانتقاد سياسات وقرارات المؤسسة الحاكمة.

القوة المستقلة الثانية: الجامعة.

الشباب هم عادة محركو التغيير، والجامعة توفر بيئة مثالية لشباب الوطن أن يجتمعوا ويعملوا سوياً وينظروا للواقع ويتخيلوا المستقبل. التغيير الجذري عادة ما يأتي من شباب العشرين وليس من شيوخ الستين والسبعين. والجامعات هي مخزن طاقة البلد. هذه الطاقة يجب أن تظل مستقلة وحرة كقوة مراقبة لأداء الحكومة.

القوة المستقلة الثالثة: الإعلام (الخاص والقومي).

مؤسسة وجريدة الأهرام تعود إلى القرن التاسع عشر. هي بلا شك أقدم وأكبر من مبارك أو أي رئيس غيره أو نظام حكم. تحولت هي وغيرها بشكل معيب من مؤسسة مصرية إلى مؤسسة مباركية تخدم نظام الحكم وسدنته. ما يسمى بالصحف “القومية” يجب أن يتم ضمان إخلاصها لاسمها. فكون جريدة أو مؤسسة صحفية “قومية” يعني فقط أنها ملك للشعب، هو وحده السلطة التي تحرك هذه الصحافة. ومن ثم يجب أن تستقل تماماً هذه الصحف عن مؤسسة الحكم، حتى تمارس دورها كمركز قوة مستقل يقف في وجه مراكز القوى الأخرى ويحد من سلطتها وسلطانها.

الوطن ملك لجميع أبنائه. الوطن يعني أن كل من ولد فوق هذه الأرض له حق في مواردها. هناك حقوق أساسية يجب أن تتوفر لكل فرد، وهناك فرص إضافية تتاح لكل مواطن على قدر جهده وشطارته. ولأن الوطن للجميع فيجب أن تكون مؤسساته أيضاً ملك للجميع. يجب حماية كيان هذا الوطن من الوقوع عبداً لنظام أو سلطة بعينها. والاستبداد أنواع كثيرة ووجوه مختلفة، فهناك استبداد رئاسي، وآخر ملكي، وآخر مؤسسي. والضمان في رأيي هو تواجد عدد كبير من المؤسسات المهمة مستقلة عن بعضها البعض وعن المؤسسة الحاكمة، وأن يتعلم الجميع تقديس هذا الاستقلال لأنه الضمان الوحيد لبقاء البلد حراً من النصابين والنهابين. في أرضنا متسع لكي يعيش كل مصري مثلما يعيش الأوربي والأمريكي، وربما أفضل، فحتى الديمقراطيات الأقدم يسقط بعضها في براثن أنواع أخرى من الاستبداد، مثل استبداد الشركات الضخمة. لا مفر من “تقديس” استقلال الدين والإعلام والتعليم حتى نضمن حرية حقيقية.

نحو علاج مصر من الجنون والشلل

تصور أنك تقضي حياتك وفي بيتك مجنون. كيف تكون هذه الحياة؟ إنك لا تأمن على شيء من أشيائك، قد تتركه سليماً وتجده بعد ساعة وقد تم قذفه من الشباك! وقد تجلس في أمان الله فتجد صفعة تضرب وجهك أو يداً تهبط فوق قفاك! سوف تجد الكتاب والكمبيوتر في المرحاض، والحذاء فوق مخدتك وتحت رأسك! سوف تفقد ذهبك في القمامة، ثم تجد القمامة تفترش الأثاث والسجاد، كلما ألقيتها في مكانها عادت تحيط بك من كل جانب، حتى تيأس وتتركها تعيش معك في سلام! وقد تنام يوماً في غرفتك وتستيقظ لتجد الغرفة مغلقة بالمفتاح، والمفتاح في الشارع، فتصبح سجيناً بين عشية وضحاها، ولا تعرف السبب!

هل يبدو السيناريو السابق وكأنه الكابوس؟ هو كابوس بالفعل، غير أن مصر بأكملها عاشته بحذافيره لعقود طويلة كئيبة. فما الذي أصاب بلداً عظيماً عريقاً بالجنون؟ إن الجنون جسد يتحرك دون عقل، ودون خطة. الجنون كائن عشوائي، لا تأمن ما قد يصيبك من أذاه في أي ساعة من ساعات الليل أو النهار. لقد أصبحت الدولة المصرية في عهد مبارك كياناً مجنوناً تحركه غرائز الحيوان ويفتقد لعقل الإنسان. فأكابر البلد قوم يعملون بشراهة لإشباع شهوات المال والسلطة، دون رؤية ودون تروي. وأذرع النظام الأمنية تتصرف بهياج وعنف حيواني مع كل خطر يهدد حياتها البهيمية. وقد تمكنت لوثة الجنون من الكيان المصري في السنوات الأخيرة حتى أصبح حالها شقاء لا يحتمله أي مصري عاقل، مقيماً كان أو مهاجراً.

أصيبت مصر بالجنون إذن حين غاب العقل والرؤية عن توجيه خطواتها، فأصبحت كياناً يتحرك بعشوائية، توجه مسيرته غرائز حيوانية. وعلاج مصر من هذا الجنون يتمثل ببساطة في إعادة العقل إلى “الرأس”، ورأس الدولة هي القائمين على توجيه وتخطيط أمورها.

ومع الجنون أصيبت مصر بمرض عضال آخر هو الشلل التام. فما هو الشلل؟ الشلل أن يكون لك عقل واع، وجسد عاجز. أن ينفصل العقل عن الجسد. هو وجه آخر للمرض الأول. لقد سيطر الجسد – الخالي من العقل – على مقدرات مصر، وتم إقصاء العقل وقمعه وإصابته بالشلل. فتوارت عقول مصر إلى الظل، عاجزة، مشلولة، ترى كل شيء، وتدرك سبل الإصلاح والعلاج، لكنها كانت كياناً مشلولاً تمام الشلل. عقل بلا رجل وبلا ذراع. فهم بلا أدوات. رؤية بلا طريق. عين ومخ دون جسد يتحركون به. روح بلا جسد، وكأنها ميت يراقب الحياة من العالم الآخر ولا يستطيع التدخل فيها والتأثير عليها. هكذا كان حال عقول مصر. العلماء والعقلاء والمفكرون وأصحاب الرؤية.

إن علاج مصر في المرحلة المقبلة سوف يتطلب إعادة العقل إلى الجسد، حتى يجد العقل جسداً ينفذ رؤاه، فينتهي الشلل، ويتحرك الجسد وفق خطة ورأس يوجهه، فيختفي الجنون! وتحيا مصر.

قلة مبارك المندسة

هنالك فئة قليلة العدد، شهيرة بـ “المندسة”، تسللت إلى مصر وتخللت مسامها وجميع أركانها. قد يكون من دسها أو أعانها على الاندساس هو “أجندة خارجية”، لكن لا شك أنها اندست من الشعب المصري وبين الشعب المصري، واستغلت ثغرات كثيرة في ظروف المصريين وفي طباعهم وتعليمهم والضغوط التي يتعرضون لها، استغلت الفئة المندسة هذه الثغرات جميعاً للتمكن وبدء النخر في ثروة مصر وخيرها، بل وامتد النخر والأكل إلى هيكل مصر ذاتها، وامتدت أسنان القلة المندسة إلى العظام والنخاع بعد أن نهشت اللحم كله أو كادت!

هذه الفئة المندسة تهدد مصر، لا شك في ذلك. بل إنها تهدد مصر تهديداً يفوق الاحتلال الانجليزي الغابر والجار الاسرائيلي المتآمر. تتآمر هذه الفئة المندسة، المصرية اللون واللسان، تآمراً هو أخطر ما شهدته مصر في عصرها الحديث.

تتخفي القلة المندسة خلف حيل كثيرة، تخدع البسطاء والفقراء لكنها لم ولن تنطلي على العقلاء الذين ينظرون أبعد من أقدامهم ويومهم. ومن هذه الحيل أنها تحاول أن توهمنا أنها ليست هي القلة المندسة، فتنتقي فريقاً يهدد اندساسها وتصفه بأنه هو القلة المندسة. هذا الفريق هو في كثير من الأحيان ممن يدركون أنها هي القلة المندسة الحقيقية. وهي حيلة لطيفة، تخيل أنك تطارد لصاً سرقك، فتجري وراءه، فيجد جماعة من العابرين البسطاء لم يشهدوا ما حدث ويصرخ بأعلى صوته “امسك حرامي” وهو يشير إليك! ويحتار الناس فيأتي معاون اللص، وهو غالباً “فتوة الحارة” (ولا يعلم أحد أن اللص يسرقك لحسابه أساساً!) ويؤكد أنك أنت السارق وأن اللص هو الشريف المسروق! ومع أن أهل الحارة يضيقون بالفتوة وتأسده عليهم وفرضه الإتاوات، إلا أنه رجل معروف مألوف، لذلك فالأسهل والأسلم أن يصدقونه! فتجد نفسك مسروقاً ومحكوماً عليك وضدك لأنك تجرأت على طلب حقك ومتابعة سارقك!

هل تسلم لفتوة الحارة، وتضمن السلامة، وتترك له الأمر وللقلة المندسة التي تنضوي تحت لوائه لنهب الحارة كلها وكل أهلها لصالح عدد محدود من المعاونين والأفاقين؟ هل تنقلب على شرفاء عرضوا أنفسهم للخطر في مواجهة الفتوة وتوافقه أن هؤلاء المطالبين بوقف الإتاوات وضرب الهراوات، وضمان الحقوق واستعادة الثروات هم القلة المندسة المخربة المدمرة؟ إن لم تنضم إليهم فليس أقل من أن تعلم من هي القلة المندسة الحقيقية!

- هذا بمناسبة ثورة 25 يناير، الثورة المباركة اللامباركية، والحدق يفهم!

حينما يكون الرؤساء مفكرون!

لم أستطع منع نفسي من الإعجاب بالعمق الفكري للرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون وأنا أستمع لمحاضرته هذه في جامعة بيركلي. كالعادة، اختلط الإعجاب بالمقارنات التعيسة!

تستطيع الاستماع لكلينتون وأوباما لتدرك مدى حضورهما الفكري وذكاءهما، فأنت تستمع وتقرأ لهما كما تقرأ لمفكر وكاتب. نعم ابتليت الولايات المتحدة برئيس أحمق مثل جورج بوش. كما أن لهذا البلد أخطاء فادحة مقابل إنجازاته الرائعة. والحق كذلك أن الرئيس الأمريكي عموماً محدود السلطات وغير مطلق اليد في قراراته وأمنياته. فأي سياسة أو قانون يريد الرئيس تمريره يتطلب منه عملاً وجهداً في مواجهة قوى أخرى تقف أمامه. والحق كذلك أن أمريكا تمر بأزمات. غير أن أزمات أمريكا هي أزمات بالمقارنة بأمريكا نفسها! ومع ذلك لا شك أن وصول رجال أصحاب عمق فكري لمنصب الرئاسة في البلدان ذات الميراث الديمقراطي يثير التأمل في المستوى الفكري لرؤساء الدول المتخلفة!

قارن بين حديث لأوباما وحديث للقذافي أو مبارك – الإبن أو الأب! ألق نظرة أيضاً على نشاطات الرؤساء الأذكياء بعد تركهم الرئاسة، فبيل كلينتون أسس مؤسسة خيرية ذات رؤية مختلفة لمواجهة مشاكل العالم على اتساعه، وهي شغله الشاغل الآن. رجل بهذا الحس والتوجه الإنساني لابد أن وجوده على مقعد الرئيس أضاف أشياء ما كان لها أن تضاف لو رزح المقعد ذاته تحت ثقل رجال من أصحاب الكروش المتسعة والعقول المتسخة!

تصور لو أتى اليوم الذي جلس فيه على مقاعد الرئاسة العربية رجال ذوو فكر وحس إنساني صادق، ثم ذهبوا بعد ثمانية أعوام على الأكثر. رجال لا تلهيهم مصالحهم الخاصة ومصالح حاشيتهم وأصدقائهم عن واجبهم الذي جاءوا من أجله لمواقعهم. حتى نستطيع كشعوب فتح مقاعد الرئاسة أمام أمثال هؤلاء فلا أمل لنا في حياة نظيفة، أو تعليم محترم، أو طبقة متوسطة واسعة مستقرة، أو تسامح ديني، أو تكافؤ فرص، أو طوابير صغيرة أمام السفارات الأجنبية!

حكمة تويتر!

هذه تغريدات  شدوية مختارة خرجت من قلمي في النصف الأول من العام الحالي. وطبيعة تويتر – كما تعلم – هي التلقائية الشديدة واختصار الجمل إلى ما لا يزيد عن 140 حرف. وبما أن أغلب تدويناتي على تويتر بالانجليزية، فسوف تجد على مدونتي الانجليزية الكثير من مختارات تويتر الشدوية باللغة الانجليزية!

- لا ينتهي عجبي من التساؤل لماذا يفضل كثير من المسلمين تقاليدهم على دينهم!

- عندما يتعرض قبطي للظلم من مسلم واحد في مجتمع مسلم ولا يجد عشرة مسلمين يدافعون عنه ويدفعون الظلم، فلسنا في مجتمع مسلم أساساً.

- لن يحصل على الحرية فرد أو شعب لا يحب أن يدفع ثمنها.

- تحيا مصر ويسقط مبارك وحاشيته وزبانيته وجنودهم، إنهم كانوا خاطئين!

- نحن المصريون نحب أحمد زويل لأننا نشعر أنه رجل كفء ومخلص، ونكره رموز الحكومة لأننا نشعر أنهم غير أكفاء وغير مخلصين، مشاعرنا ذكية في هذا الصدد!

- الوضع في مصر وصل إلى مرحلة إما تغيير سلمي جذري أو حرب معلنة بين الشعب والعصابة.. على الشعب والعصابة أن يختاروا معاً نوع العلاقة!

فإذا آثر المصريون السلامة وبقاء الحال على ما هو عليه فسوف تصحو مصر ذات يوم على المبنى وهو ينهار والعصابة تهرب بأموالها وتترك البلد لفوضى أو لمحتل!

- في الماضي كنا نظن أن جمال مبارك طموحاته سياسية فقط لكن تأكد لي من عدة مصادر انه يوازن بكفاءة بين السياسة والبيزنس – بالمليارات كالعادة.

- الله يلعنك يا قذافي أنت وأمثالك، وسختوا الكرة الأرضية.

- حسناً، سوف يتم هدم الأقصى وبناء الهيكل، وستكون هذه بداية النهاية للدولة العبرية والدول العربية معاً، فهم جميعاً كيانات لا تستحق البقاء.

- شوية هتافات من نفسي: يا مبارك يا سجان.. أنا هتكلم أنا إنسان.. يا مبارك يا جبان.. بعت بلدنا بالمجان.

- لو كان النفاق رجلاً لقتلته، ولو كان الغباء رجلاً لسجنته! يعني كان زمان الحزن – قصدي الحزب – الوطني كله ما بين سجين وقتيل!

- مشكلة مبارك و”الحزن” الوطني انهم يتعاملون مع الجيل الحالي بنفس منطق التعامل مع الاجيال السابقة من المصريين. هذا جيل ادواته واولوياته مختلفة.

- يوماً سوف نسقط الحدود ويتحرك العرب جميعاً بين بلدانهم بدون تأشيرات بعد أن نتخلص من اللصوص من ملوك ورؤساء.

- وطني حبيبي الوطن الأغبر.. يوم ورا يوم رؤساؤه بتكبر.. وانتخاباته.. مالية حياته بحكم العسكر.

- الانتخابات “شفافة” سوف تكشف ما وراءها من عورات!

- زعلانين عشان الفلوتيلا يا مصريين؟ ما انتوا بتموتوا في بلدكم بيد احتلال من بني جلدتكم!

- إذا الشعب يوماً أراد الحياة، فلابد أن يطيح بالغجر.

- إذا الشعب يوماً أراد الحياة.. فلابد ألا يحكمه البقر.. ولابد لمبارك أن ينجلى.. ولابد للعصابة أن تنتحر.

مصر التي تمشي على رأسها

يستطيع البهلوان أن يمشي مقلوباً لفترة معقولة. إلا أن هذا وضع خطر لو طال أكثر من اللازم. سوف تتجمع الدماء في الرأس حتى تنفجر الرأس. كيف يعيش من فقد رأسه؟

تصور دول كاملة تعيش مقلوبة لعقود طويلة! لن نذهب بعيداً لنحاول تصور ما يمكن أن يحدث، فهذا واقع موجود بالفعل. تستطيع مثلاً أن تذهب معي إلى بلدي – مصر – وترى مثالاً عملياً على حال المجتمعات حين تعيش وتسير في وضع مقلوب!

بلدنا لا يمشي مقلوباً؟ كيف تفسر إذن أن الجزم عندنا تعلو والرؤوس تهبط للأرض؟ ألا تلاحظ الطبيعة الحذائية لوزرائنا وأعالي القوم عندنا؟ ثم ألا تلاحظ أن أصحاب الرؤوس والعقول يتم الضغط عليهم باستمرار ولصقهم بالأرض؟

ألا ترى أن الجزم فوق والرؤوس تحت!!!

أين ذهب الطريق

في التدوينة السابقة علق جدو قائلاً أنه ما زال أمام بلدنا، مصر، وقت طويل حتى يتوفر للمواطن المصري العادي ما يتوفر لنظيره في العالم الغربي. فرددت بدوري قائلاً أن الطريق ليس طويلاً، لكنه غير موجود أصلاً! فما معنى ذلك؟

لو كان الطريق – نحو الإصلاح ونحو الأفضل والأعدل – موجوداً لتغير المشهد كل حين. لو كنا على الطريق لشعرنا بتحسن ولو طفيف، والتحسن التدريجي يبث الأمل في النفوس، فيتشجع الناس على العمل أكثر، فتتسارع النتائج، فيزيد التفاؤل، وهكذا. لكن الواقع الذي يخرق عين – وقلب – أي مشاهد يقول أن كل شيء يسوء، ولا يبقى حتى على حاله. وهو ما يعني أن الطريق غير موجود أصلاً لأن “هيئة الطرق” – إن شئت – لم تبدأ في بنائه! “الهيئة” تنشر الخرائط كل يوم وتحدثنا عن الطريق، لكننا نصحو كل يوم لنجد أن البناء لم يبدأ، وأننا ما زلنا مسجونين محلك سر ولا أمل في التحرك لأنه لا يوجد طريق نتحرك فوقه!

في مصر كنت أقول: لو كانت بلدي فقيره لبقيت فيها، ولكانت هي أولى بجهدي مهما كان حقيراً صغيراً. لكن المشكلة أن بلدي ليس فقيراً، لكن “مالي” منهوب! لماذا أعمل ثم يجني أكابر اللصوص ثمرة عملي ولا يتبقي لي غير ضياع الوقت والجهد سائراً على طرق مليئة بالمطبات ولا تؤدي إلى أي مكان؟!

نحن بحاجة ماسة إلى تغيير هيئة الطرق، ومحاسبتها على الأموال المخصصة لبناء “الطريق” والتي ذهبت في بناء طرق خاصة لرجال الهيئة! حينها سوف نبدأ في بناء الطريق ونسير عليه كل يوم فيتغير المشهد بعض الشيء، يوماً بعد يوم، وذات يوم سوف نصل إلى قطعة من أوربا، على أرض بلادنا، وربما أفضل! وبدلاً من أن يهاجر الشباب في البر والبحر إلى العالم الآخر – عالم الغرب أو عالم القبر! – فسوف يجدون طريقاً محلياً يسيرون عليه للأمام!