قصتي مع الثانوية العامة

كنت أنوي أساساً ذكر هذه القصة مع ما سبق من دوافعي للهجرة. غير أن لها جانباً آخر ودروساً أجدى وأشمل. وهي على كل جانب من تأملي في سيرتي الماضية وتعلمي مما مضى من أخطاء. وهي كذلك لا تخلو من طرافة ومن غرابة.

أما القصة فهي قصتي مع مرحلة التعليم العالي في مصر. وما قبلها يمهد لها ولا شك، لكنني لن أعرض لما قبلها الآن، عدا مرحلة الثانوية العامة، وهي-كما يعلم المصريون، أولهم وآخرهم، صغيرهم وكبيرهم-باب المرحلة الجامعية والدراسات العليا وبوابتها.

أما أن الثانوية العامة تقرر مصير تعليمنا الجامعي، فذلك واقع لا شك فيه وحقيقة مصرية لا جدال عليها. أما شخصي الضعيف-والعنيد أحياناً واللامبالي بالتقاليد كثيراً-فلم أرى أنه علي السير في القافلة التي ظلت طريقها. ولم أدرك بوضوح أن الخروج عن القافلة الضالة قد يجلب متاعب أكبر وضلال أصعب. تصور مثلاً أنك تمشي في الصحراء مع قافلتك وقد ضللتم الطريق. أسلم لك حينها أن تستمر مع الضالين فتضمن الصحبة والونس..إلخ، من أن تغادر وتسير وحدك إلى حيث لا تعلم!

حين رست بي سفينة التعليم في ميناء الثانوية العامة، رفضت في العام الأول أن أندمج مع الحياة في ميناء يغلب عليه القبح والغباء وغياب المعنى على وجه الخصوص. لقد تلكعت في الثانوية العامة ثلاثة أعوام كاملة! نعم، فرد “اتهمه” البعض بالعبقرية، ظل ثلاثة أعوام كاملة في الثانوية العامة المصرية! ولكيلا أطيل، فالذي حدث أنني قررت في بدايات العام الأول عدم دخول الامتحان من أساسه. ولم يستطع أحد إثنائي عن قراري! وفي العام الثاني دخلت الامتحان على مضض ورسبت. في العام الثالث لم أغير سيرتي: لم أنظر في كتاب ولم أحضر مدرسة ولا درساً خصوصيا، وفي منتصف الامتحانات كنت على وشك تركها نهائياً لولا توسلات أمي أن أذهب. فذهبت ونجحت بالكاد.

ثم جاءت النتيجة بمجموع باهت لا يغني ولا يدخلك أي جامعة تريد! قلت للعائلة أنني لن أدخل الجامعة، ولا معنى لدخول الجامعة أساساً لمجرد الحصول على شهادة. ما هذا الجنون، أبدد أربعة أعوام من عمري في دراسة شيء لا أحبه من أجل الحصول على ورقة! وقلت أيضاً أنني لو لم أجد موضعاً في دراسة مجال أهتم به، فسوف أواصل تعليم نفسي بنفسي ولا حاجة لي بالجامعات المصرية! لكن الحق أنه كان يقلقني شيء واحد، وهو قانون آخر من قوانين العبث في مصر. فأنا لو لم أحصل على شهادة جامعية فسوف أدخل الجيش ثلاثة أعوام كاملة، وتتم معاملتي بالطبع على هذا الأساس. ومع أن ضعف نظري يعفيني قانوناً من الخدمة، فإن ذلك لا يضمن لك شيئاً في بلاد تحتاج فيها لواسطة تتوسط لك لكي تحصل على حقك! وكانت عائلتي في ذلك الوقت قد بدأت تفقد كثيراً من نصيبها في “طبق الكوسة” المصري بعد أن تعثر نشاطها الصناعي، ومن ثم لم أكن أضمن الحصول على “حقي” في الإعفاء. والله وحده يعلم ما يمكن أن يحدث لو قمت بالخدمة! ماذا أفعل وأنا لا أطيق القيود، واختياري ينحصر بين قيدين؟! قيد دراسة عبثية من أجل الشهادة، وقيد خدمة مهينة لا معنى لها! لم أعرف. ولكنني لم أريد أن أدخل الجامعة باختياري من أجل هدف زائف.

ثم شاءت عناية الله أن يقدم لي حلاً وسطاً. فقد أتيح لي أن ألتحق بمعهد خاص للغات يعطي شهادة الليسانس. وكنت أحب دراسة اللغات الأجنبية، “فوافقت” على ذلك وتم لي الالتحاق بهذا المعهد. وهنا تبدأ القصة التي أردت قصها بداية. ولأن طاقتي في الكتابة أضعف من أن تعينني على المواصلة، فسوف أجعل ذلك في تدوينة قادمة بمشيئة الله ومعونته!

لماذا هاجرت: خيانة الثقة

اليوم أستكمل ذكر الأسباب التي ساهمت في اتخاذي لقرار الهجرة خارج مصر.

قالت لي خبرات مختلفة أن ميلي لتصديق الناس حين يحلفون ويؤكدون صدق ما يدعون قد يمثل لي مشكلة حياتية في مصر، لا سيما حين قضاء المصالح والتعامل مع ما لا بد منه من متطلبات العيش. لابد أنه مما ساهم في خبرتي بهذه الأمور أنني عشت في أسرة تعمل في التجارة والصناعة. كنت مثلاً أرى أخي الأكبر في تعاملاته مع من يقدمون خدماتهم الحرفية المتخصصة، وكيف يؤكد له الحرفي ويحلف أنه فعل كذا وكذا، وأتعجب من أخي لماذا لا يصدق رجلاً يحلف أمامه بأغلظ الأيمان، ويصر على مراجعة العمل بنفسه، فتأتيني أنا الصدمة حين أجد أخي وقد راجع فوجد الرجل كاذباً في يمينه، وعمله، الذي هو صنعته وحرفته ومجال خبرته، ناقصاً معيباً. فأقول لنفسي وما أفعل أنا لو دفعتني الحاجة لاستخدام خدمات مثل هؤلاء الناس، فيما لا أفقه ولا أحسن من مجالات الحياة المختلفة؟! ما أفعل إذا كنت لا أستطيع تصديق الخبير وائتمانه على ما يفعل فيما يفقه ويعلم؟! وكيف لي أن أفقه كل شيء وكل مجال، والحياة لن تخلو من حاجة الإنسان لأهل الخبرة والعلم في مجالات متباينة؟!

هذا عن أهل الحرف. فما بالك مثلاً بطبيب يولد زوجتك؟ في ذاكرتي أيضاً موقف مشابه لأخي الأكبر ذاته، وقد حباه الله بقدرة على استيعاب مجالات مختلفة. فقبل تفرغه للصناعة، درس أخي الطب وعمل فيه بعض الوقت. أذكر حين ولادة ابنته الأولى أن الطبيب أراد إجراء ولادة قيصرية. فرفض أخي وأصر على الرفض، حتى حين أكد الطبيب أن ذلك قد يمثل خطراً على صحة الأم. قال له أخي حسناً وأنه سوف يتحمل مسؤلية ذلك. فما حدث؟ تمت الولادة طبيعية ونجت الأم من إجراء جراحة كانت في غنى عنها. وعلمت أن ذلك أمر شائع بين أطباء النساء والتوليد، لتوفير الوقت. والأدهى أنني حين جاءت لزيارتي ابنة أختي منذ شهور قليلة، أخبرتني أن كل من تعرف من نساء يلدن بعملية قيصرية. فتأكد فزعي أن ما فررت منه واقعاً لا وهماً. فقد فعلت كعادتي، وضعت نفسي في ذات الموقف، وتخيلت طبيباً يؤكد لي أن زوجتي يجب أن تجري ولادة قيصرية وإلا تعرضت للخطر، فهل أستطيع وأنا لا أفقه في الأمر شيئاً أن أكذب الطبيب مثلاً، وأخاطر بصحة زوجتي؟! وفي ذات الوقت، ما أدراني أنه لا يكذب!

هذا هو الوباء الذي رأيت أنني لابد أن أفر منه فراري من مدينة يتهددها الطاعون.

الكابوس المؤسف

هنالك أحلام عجيبة في تواترها بين الناس. ما معنى أن يمر حلم بعينه على أشخاص مختلفين، فيرونه جميعاً، نفس الحلم ونفس الموقف، ولكن مع اختلاف في التفاصيل و”أسلوب العرض”! تحدثت من قبل عن أحد هذه الأحلام، ولكن هنالك حلم آخر، يترصد لضحاياه حتى تنضج أفكارهم على نار ظروف معينة، هي تماماً ما ينتظره هذا الحلم، ثم في ذات ليلة، يمر برؤوسهم مر الناصح المخلص! وقد يقوم هذا الحلم بزيارة الشخص الواحد أكثر من مرة، فهو لا يكتفي بزيارة جماعة من الناس، ولكنه أيضاً يكرر نفسه لدى كل واحد منهم.

فما هو هذا الحلم؟ سوف أخبرك، لكن لا تتعجب. فما أقول هو الحق والحق وحده، وقد لا أعطي تفسيراً قاطعاً، لكني أعرض عليك واقعاً حدث لي ولمن حولي.

هذا الحلم يا أصدقائي لا يزور إلا المسافرين أو المهاجرين. والحلم باختصار أنك بعد أن تركت بلدك التي هي أمك (وممكن أيضاً أم الدنيا كلها في بعض الحالات!)، ووجدت نفسك في أمريكا مثلاً، وقد مر عليك زمن يسير، تنام في ليلة فترى نفسك وقد عدت إلى بلدك، وقلبك كئيب وهمك رهيب، فتلعن غباءك وما فعلت بنفسك إذ عدت إلى ما منه فررت!

لا أحكي هذا هازلاً متفكهاً. وما يبعث على الضحك أو السخرية في هذا الهم!؟ أذكر ذات مرة وأنا أتحدث مع صديق بعد أن أتى من مصر بشهور، وكان يمر بما مر به الكثيرون في مثل وضعه: حيرة التردد بين العودة إلى مصر أو البقاء! كنت أتحدث معه فهممت أن أقول له هازلاً: “شفت الحلم ولا لسه”، وما إن بدأت في الحديث حتى سبقني هو ضاحكاً مخبراً عن حلم رآه. نعم نعم. هو ذات الحلم!

أما أكثر من أثار دهشتي فهو أن ترى هذا الحلم ابنة أختي العزيزة. فهي ولدت في الولايات المتحدة، ثم عادت صغيرة إلى مصر، وعاشت هنالك أكثر عمرها، ثم هي تأتي لزيارة أخيها وخالها (محمد شدو بك). العجيب أنها هي الأخرى ترى هذا الحلم حين تأتي لأرض مولدها! والعجيب في ذلك أن من يرى الحلم حسب خبرتي كانوا ممن أمامهم طريق طويل حتى الحصول على الجنسية الأمريكية التي تتيح لهم حرية الحركة، أما هي فتستطيع العودة لأمريكا كلما أردات، ومع ذلك ترى الحلم!

يا ترى ممكن يكون هذا الحلم جزءاً من مؤامرة صهيونية، فقد يكون القوم قد وصلوا إلى تكنولوجيا ترسل أحلاماً معينة للأفراد المستهدفين، فيضعفون بذلك من انتماء المصريين إلى بلدهم الرؤوم، ويجعلونهم يظنون أنهم أفضل حالاً بالبعد عنه!

نعم يا أصدقائي هي مؤامرة. لكنها واضحة المعالم، وأدواتها ليست تكنولوجيا متقدمة تبث الأحلام في نفوس النيام. أدواتها بسيطة جداً وفي متناول الجميع. أما العقول الشريرة الضليعة في المؤامرة فهي تسكن في رؤوس لصوص البلاد من الأكابر الأوغاد (المحليين وقليل من المستوردين). أما بقية أركان المؤامرة فتقوم على أكتاف أحناها الفقر أو الجهل، وأخرى أحناها الكسل والرضا!

البحث عن الجمال

من سلامة الفطرة أن يضيق الإنسان بالقبح إذا أحاط به ويسعى لمواطن الجمال. يكاد طلب الجمال أن يكون فريضة على كل ذي فطرة سليمة. (من مقال لي بعنوان عيد ميلاد إعلان الحلم)

استكمالاً لحديثي عن بذور هجرتي، أحدثكم عن جانب من داوفعي للهجرة. وهو شأن قد يراه البعض هيناً، غير أنه عندي عظيم. وظني أنه كذلك، أو يجب أن يكون كذلك، إذا أردنا أن نطهر فطرتنا، ونحيا كما أراد الله لنا أن نحيا.

وأنا في مصر كنت أضيق أشد الضيق بغلبة القبح، وندرة مواطن الجمال، وتواضع وجود الشجر والزرع والخضرة في مدننا. أما الأدهي والأمر فهو ندرة الخضرة حتى في الريف. نعم في الريف! وأنا أتحدث عن بيوت وشوارع أهل الريف لا عن زرعهم. ففي زياراتي لقرى مصر لم أجد غير نموذج أشد قبحاً لحال المدينة المصرية. أذكر أنني كلما مررت على موضع من مواضع القبح في القاهرة كنت أحدث نفسي قائلاً: هاك مثال نموذجي لمعنى الإفساد في الأرض. هنالك الكثير من أشكال الإفساد، غير أن قبح المدن والقرى شكل واضح تراه بالعين المجردة. والمسؤولون عن هذا القبح هم رجال أقاموا للإفساد معالم، يحيا فيها الناس ليلاً ونهارا!

لا شك أن هنالك أماكن في مصر تشرح النفس، وترضي نزعات فطرة الإنسان لما بث الله من جمال في أرضه. ولكنني كنت أبحث عنها فلا أجدها إلا كالواحة في غياهب صحراء جرداء. كان الجمال استثناء تبحث عنه في مظانه، وأحياناً أو كثيراً ما تكون هذه المظان قصراً على من يملك الثروة والسلطان. أما في بلدان أخرى فإنك تجد الجمال متاحاً لا باب له ولا سور، ما أيسر أن تجده في شارعك وفي الطريق لعملك أو لهوك يوماً بعد يوم. وتجد فيها القبح أضحى استثناء، أجمل به من استثناء! والجمال فيها غير خاضع للمال، قد يهيء منه المال فرصاً أكثر وأوفر ولا شك، غير أن قدراً وفيراً منه يظل متاحاً للجميع ويظل جزءاً من حياة الناس اليومية
.
أذكر أنني حين كنت أسير في شوارع القاهرة، فتتجهم لي المناظر، وترفع لي المدينة عيناً حزينة، من وجه يعلوه التراب، وجسد أسقمه المرض والظلم والإهمال، كانت نفسي تقول لي مالك تقبل أن ترضى بالضيم ومالك منهوب وحقك مسلوب؟! لو كانت بلدي فقيرة لما تركتها، ولكان جهدي أولى بها وبمستقبلها، ولكن ما معنى وما جدوى أن أرضى بكل هذا القبح، لكي يتمتع بمالي بعض أشباه البشر، من لصوص اعتلوا أكتافنا وركبوا ظهورنا! هل أعاني من أجلهم؟ وكأني أعمل من أجل أن يستزيدون هم من المال! لا إن هذا لا يكون. بل إن الله لا يرضى لعباده أن يقبلون ذلك راضين مستسلمين (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها!). هذه يا أصدقائي أحد بذور الهجرة!

بذور أنبتت هجرة

للهجرة بذور. وهل من شيء يبدأ وجوده في هذه الأرض فجأة، أو من ولادة لحظة؟ ولأن البذر في مبدأه صغير الحجم هين الشأن، فهو يتخذ مخصبه في نفس الإنسان-كما في بطن الأرض-في بقعة صغيرة، لا يفصح عن نفسه لكل عابر أو ناظر.

والبذرة لا تحمل في طياتها كل أسرار وأحوال كيانها الذي سينمو مع مرور الأيام والأعوام. فالماء، بكثرته أو وفرته، و التربة وما تحويه من هموم وسموم، ولقاح وأفراح، تعطي مما فيها للكيان الجديد النامي. فتخرج لنا خلاصة التكوين الفطري والاكتساب الظرفي.

ولهجرتي التي أعيشها الآن دوافع وبذور، تمتد في الماضي الداخلي سنوات وجذور. والإنسان غالباً ما يحيا يومه مفصولاً عن أمسه وغده، والفصل إهلاك لليوم، وللماضي وللآتي جميعاً. ولإن وصلتهم فقد أعطيتهم حياة جديدة وألبستهم حُلة من الفهم والمعنى، تضفي على صاحبها بهاء وضياء، وتقيم في الأنفس ما اعوج من رجاء. (قد يستحق “اعوجاج الرجاء” -أو الأمل- موضوعاً وحده وتفسيراً)

ومن إحسان المرء لنفسه أن يتدبر ماضيه، ويتعقب فيه أسباب ما يعيشه في يومه الحاضر. وهو ما أنا بصدده الآن من محاولة لتفسير أو تعقب بدايات الهجرة في نفسي. وأنا أؤمن إيماناً لا يتزعزع بمسؤلية المرء عن جل ما يحدث له، ولا يصيبني هم أو مكروه إلا قالت لي نفسي، أو قلت لها، هذا من سوء عملك ومما سبق من جهلك. ولن يعدم المرء أخطاءً وجهلاً في ماضيه فلا يأسى على نفسه ولا يظن أنه ضحية لفعل غيره فيه، إلا في أمور وأحوال يكون الظلم فيها بين، والاعتداء بلاء. غير أن أكثر ما يمر بالناس من هم أو من خير هو محض بضاعتهم ردت إليهم: “ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض”.

فما الذي دفعني لترك أهلي والهجرة في بلاد الغرب؟ هنالك الملايين من الشباب يطمح في الهجرة، وهناك غيرهم لا تروق لهم الفكرة ولا يفكرون فيها أو يسعون إليها. ولكل فكره الخاص وطموحه، وكل طامح للهجرة له أسبابه النابعة من رؤيته للحياة وما يرجوه منها.

الواقع أن الرغبة في الهجرة كانت تراودني منذ كنت في سن المراهقة، وأنا في المرحلة الدراسية الإعدادية. لا أذكر ولا أظن أنها بدأت قبل ذلك. غير أن ما يجدر بالذكر أنني بداية كنت أود أن أهاجر لعدد محدود ومعدود من السنين، لكي أرى ما لدى المتقدمين وأتعلم منهم، ثم أعود لبلدي كي أنفعه بخبرات وعلوم السفر. ولكن هذه الرؤية الحالمة تغيرت بعد ذلك قبل حتى أن أسافر. وكانت الصيغة النهائية لرغبتي في الهجرة هي الهجرة حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا، يعني هجرة مفتوحة الزمن. وكان مبعث ذلك ولا شك ما زاد من خبرتي بالحياة في بلدي، إذ توصلت لنتائج منها أنني لا أستطيع التأقلم مع كثير من سلوك أهل وطني وتعاملاتهم في حياتهم ومصالحهم. كذلك توصلت أن أصلح عيش لي في هذا المناخ هو عيش السائح، يعني أن تكون حياتي ومصالحي في أرض المهجر، وآتي مصر وأقضي فيها وقتاً كزائر لا أكثر. ومما توصلت إليه أيضاً في ذهني أنني لكي أستطيع أن أقدم نفعاً لأهل هذا البلد، فإنني لن أستطيع تقديمه وأنا خاضع لما يخضعون له من قهر تتنوع أشكاله وأحواله. ومنطقي في ذلك أن الغريق لا يمكن أن يمد يد العون للغرقي من حوله، ولا يستطيع إنقاذ غريق إلا من لا يهدده الغرق. أما محاولات الغريق إنقاذ من حوله فليس لها من ثمرة إلا تخليص ضميره، ولن ينقذ بعدها نفسه أو غيره. وأنا أريد نتائج عملية، ولا يعنيني في كثير أو قليل أن أصرخ وأصرخ حتى يبح صوتي، ولا يتحرك ما أصرخ ضده ولا يرجع عن ظلم أو إفساد. وأولى بي أن أهدأ وأدخر ما عندي من طاقة، حتى يكون للفعل أثر وللسعي ثمار وإصلاح وإعانة للناس على حياتهم. ولن ينتفع أحد ببقائي أنا أو غيري وسط الأطلال لكي نغني لها ونبكي عليها، كعادة شعراء العرب في الماضي والحاضر!

هذا إذن كان الإطار العام لتفكيري في الهجرة ومنطقي في اختيارها. أما شرح وتفصيل ما أدى بي لهذه النتائج، فأنوي عرض ما يتسنى لي منه في تدوينات منفصلة بعون الله. فكل سبب منهم بحاجة لتفصيل وتوضيح بإذن الله، وقد أجعل من ذلك بداية لسرد جوانب من تجربتي في الهجرة، فأنا أعلم أن كثير من الشباب يتطلعون لكل مصدر يستطيعون منه تبين حقيقة الهجرة. والحق أن العلم دوماً أفضل من الجهل، فالجهل ظلمة كما تعلم، ولا يسافر عاقل في طريق إلا ويستصحب ما يتأتى له من نور يكشف له ما تسنى من سبيله وهدفه. ولا أنكر أن الإنسان كثيراً ما تخلو ردود أفعاله من عقل ومن تلمس لبينة ما هو بصدده!

الجنون أو زيارة السجون

قبل خروجي من مصر كنت أقول لنفسي وللآخرين أن الإنسان الطبيعي، حر النفس نقي الفطرة، لو بقي في مثل هذه البلاد فإن له خيارين أو مصيرين لا ثالث لهما، إما الجنون أو الثورة، والثورة الفردية لن تؤدي لتغيير القبيح ولكنها فقط ستودي بصاحبها إلى السجن، وربما اجتمع مع السجن أشكال أخرى من المتاعب والإيذاء، فينتهي به الأمر ولم ينفع نفسه ولم ينفع غيره!

أما الحل الثالث فهو ترك البلد بما فيها حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا. أما وقد حدث، فلن أدعي أنني وجدت أن الحل الثالث هو أفضل الحلول أو أكثرها عملية، فكثرما تساءل الخاطر عن أشياء ليس له بها علم، عن مدى صحة قرار الخروج، هل كان البقاء هو الأفضل؟ أم أن الهجرة كانت هي بالفعل الخيار الأقرب للصواب، أو ربما “أحسن الوحشين” كما يقال؟

قبل خروجي، كنت أسند رأسي على نافذة الأتوبيس المسافر بي من المحلة الكبرى حيث ولدت وحيث تعيش عائلتي، إلى القاهرة حيث انتقلت للدراسة ثم العمل، وبينما أنا أنظر ضاقت نفسي بشدة بمشاهد القبح الغالبة، فكتبت في عقلي هذه الرباعية:

فروض القبح من حولي متمكنة
والرضا بيها مش وفاء، لكن مسكنة
ياسيبك يا أرضي، يا نرجع سلامة فطرتك
ولاء الصح أجمل من ولاء الأمكنة

رباعية قبل السفر

قبل سفري إلى الولايات المتحدة، كتبت هذه الرباعية وأنا في الاتوبيس مسافراً من مدينتي الصغيرة إلى القاهرة العاصمة.

فروض القبح من حولي متمكنة

والرضا بيها مش وفاء لكن مسكنة

ياسيبك يا أرضي، يا نرجع سلامة فطرتك

ولاء الصح أجمل من ولاء الأمكنة

وقد فررت من القبح إلى العالم الجديد بحثاً عن الحياة.. ولكن لم أجدها بعد. ربما كان علي أن أهاجر مرة أخرى إلى مكان آخر، أو أن أقوم بهجرة عكسية إلى مصر لفترة زمنية وأرى ما سيحدث، ثم منها إلى مهجر آخر إذا ضاقت بي مصر مرة أخرى. غير أن الحركة في الأرض ليست بهذه السهولة في زمننا هذا. لا يكفيك أن تحمل متاعك وترحل. هناك أوراق وقوانين وضعها البشر لتنظيم حركة الإنسان بين البلاد.