انتماء

قال لي: أشعر أنني لا أنتمي إلى هذا العالم.
قلت له: كلنا عابروا سبيل.
قال: كأنك تعني أن الناس جميعاً هكذا يشعرون؟
قلت: إن الحق حق مهما شعر الناس أو لم يشعروا.
قال: فما أفعل في حياة لا أتعلق بها ولا تغريني بشيء؟ إن الإنسان يترك وطناً لو فقد انتماءه له، فما يفعل رجل بحياة لا ينتمي إليها؟
قلت: الحياة وطن لا مفر منه.
قال: فكيف أقضي أعواماً، لا أعرف كم تبقى منها، في هذا الوطن الذي لا مفر منه، وأنا عنه راغب؟
قلت: ألا تجد شيئاً يغريك، وراضياً فيها يبقيك؟
قال: هذه الحياة وطن لا مفر منه، غير أن كل ما فيها يفر!
قلت: كل ما تحتاجه موقوتاً تحبه حتى يحين وقتك.
قال: الحب هبة تأتي من تلقاء نفسها أو لا تقيم نفسها إلا لحظة!
قلت: حيرني أمرك! ليس عندي ما أنصحك به!
قال: حتى أنت!
قلت: ما أنا إلا رجل موقوت، لا أنتمي إلى شيء ولا شيء ينتمي إلي. وإني وربك في ذات حيرتك وفي عين يأسك.
قال: أنت من ذكرتني من قبل أنه لا يقنط من رحمة الله إلا القوم الكافرون!
قلت: إن الله حق لا ندركه، وسميع لا نسمعه، وبصير لا نبصره. ونحن صاحبنا الوهم حتى اعتدنا عليه. والإنسان عدو ما يجهل، وصديق ما يألف – مهما رأى منه من سوء.
قال: كأنك تهذي بما لا تدري وتفعل ما لا تعرف!
قلت: إن الفضل بيد الله، يؤتيه من يشاء.

اكتئاب

أشهد الحياة أنني غير فخور بعملي فيها حتى اليوم. لله أن يعرض عني بوجهه، فقد وضعني في أرضه فما زدتها جمالاً ولا أصلحت فيها ركناً، وإنما تتراكم أخطائي وتنمو مثل كرة ثلجية تهبط على منحدر الجهل والتقصير. ليتني أستطيع الخروج منها باختياري، غير أنه لا فرار من الحياة ولا قرار. فسوف يأخذها من أعطاها. حتى التوقف غير متاح، فما زلت مجبراً على مواصلة المسير. ولا أرى على مرمى البصر استراحة على الطريق!

طريق الغفلة

نعيش العمر ماشيين، من دون هدف
ندخل شمال ويمين، تهدينا الصدف
نبص على الحلم لو فاكرين، نلاقيه انحدف
خارج طريق الغافلين، جتنا القرف!

عين

مكتوب على جبهته : الأرض مكانك.. لا تحاول. ولكنه يريد أن يطير، كيف يهيمن عليه قانون الجاذبية وهو ليس إلا قانون بين ماديات لا تفقه.. قانون يستمد وجوده من علاقات بين أشياء وليس له وجود حقيقى مثله.. هو كيان مدرك، يستسلم لقانون لا يشعر حتى بنفسه! سيطير.. سيحاول بكل ما أوتى من يأس.. ها هى الأرض.. سأرتفع.. سأطير.. الأرض بعيدة والبيوت صغيرة.. أنا أطير.

كانت الصدمة مُذلة حينما سقط من هذا العلو، أما البيوت الورقية فتكسرت تحت صدره. شعر بالعجز.. والألم.. مع أن جسده انثنى فقط فوق النموذج الصغير للمدينة. لقد احتقر القانون الأصم، وتجاهل أن جسده من مفردات هذا القانون ذاته.. فكيف يتعداه! أمسكتُ الحلم وأغرقتُه حتى سكنت حركته، أخرجتُه ورميته فى احتقار.. لم أكن أستحق إلا هذا.

فكرة جميلة.. ركب المصعد إلى آخر الأدوار، وألقى نفسه بين أحضان قانون الجاذبية.. لقد كان القانون كريماً على كل حال.. جسده مقابل دقائق فى الهواء.

الطيور تحوم فوق الجسد الممزق. هبط طائر صغير رقيق ووقف فوق الوجه الساكن. داعب بمنقاره الدقيق بقايا دمعة سابحة بين الرموش. ثم وقف على عينى، وعلى جبهتى حفر أغنية اليأس الأبدى.. ثم طار عاليا لينضم إلى رفاقه، واختفوا بعيدا فى السماء.

كتبت في 23 يونيو 1995

مفتاح الحياة

الحرية باب الحياة، والقدرة مفتاحه.

الفقر عجز، والجهل عجز.

الكبر جهل، واليأس فقر.

القدرة على صراط مستقيم، والهاوية المظلمة العميقة على نقيض له أو شبيه.

الحرية حياة، والعجز قبر.

من خطرفة عاجز على فراش القبر!

ما يبقى وما يفنى وما يجتمع أو يتبدد

كنت راقداً على سريري أفكر، لا بالعقل وحده، ولكن بأشياء أخرى في نفسي. طفا إلى السطح حديث رسول الإسلام عما يبقى من عمل الإنسان بعد رحيله: ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به، أو صدقة جارية.

قد تكون خمنت أن مثل هذه الأفكار هي ما يعرض لمن تطوف بذهنه تساؤلات عن المستقبل ومعنى الحياة وما إلى ذلك. وهي تساؤلات أحياناً ما تصاحب حالات فتور الهمة أو فتور النفس وكآبتها. حينها عرض لي هذا الحديث، في محاولة الفكر السائح بين مفردات الذاكرة إيجاد علامات الطريق المألوف والغريب في ذات الوقت.

يعني الموضوع سعي بسيط وراض وأخذ بأسباب الحياة العادية، الولد الصالح يأتي بزواج موفق وتربية فطنة للأبناء تجنبهم شر أنفسهم وتتيح لهم أفضل ما فيهم. ويبدأ ذلك باختيار الإنسان لشريك حياته ولا شك. هذه واحدة، وهي تقال في كلمات معدودة غير أنها تتوزع على حياة طويلة وأحوال كثيرة ومساعي متكررة مختلفة ومتشابهة. الثانية علم يبقى وينتفع به. قلت من ذلك كتابة لها قيمة قد تنفع من يقرأها بعد ذهاب كاتبها. هل يفكر الكاتب في منتجه بهذا المعنى؟ ويتساءل هل سوف يعد ما أكتب الآن علماً ينتفع به؟ الثالثة صدقة جارية. هنا دخلنا في مجال العصر، البيزنس والمال والأعمال، وإلا فكيف تنشيء صدقة جارية إلا إذا صنعت ثروة ومالاً وفيراً ومشاريعاً قادرة على البقاء والاستمرار في العطاء؟ هل يكون المعنى في هذه الأشياء؟ هل ذلك هو ما يتصدى بالفعل لشعورنا باللاجدوى أحياناً؟ حين نفكر في مساعينا الصغيرة، ونتساءل-إذ نرى حقارتها وصغرها ومحدوديتها-عن قيمتها المحدودة التي قد تغرينا بالتوقف كبديل عن العمل لمثل هذه الصغائر.

إننا في محدودية اللحظة الراهنة نصبح فريسة سائغة لليأس من تحقيق عظائم الأمور، فنحن لا نرى في اللحظة الواحدة سوى إمكان عمل شيء واحد صغير وحقير. فنفضل السكون والكآبة. ولا يصمد العقل أحياناً أمام هذه الحالات بحقائقه الهندسية عن أن المبنى الكبير إنما يتكون من أشياء صغيرة. يبدو أن ملخص الأمر هو ما نفعل في الصغائر. فالأحجار التي تكون بناء جميلاً قد تكون هي هي ما يكون مهملاً للأحجار المتراكمة فوق بعضها البعض في عشوائية وحزن فوضوي. نفس الأحجار بنفس العدد، والمحصلة في النهاية لكيفية جمع صغائر الأمور والأفعال في منتج نهائي. لا يكون ذلك إلا بخطة، قد تتغير وتتبدل في الطريق، ولكن لا مفر منها. هذا منطق العقل. غير أن الكآبة لا تزول أمام ذلك إلا لتعود. هنالك عامل مفقود أو مجهول، هو القادر على جمع الصغائر على هدف. لم أجده بعد.