حياة الكتب والحياة في أمريكا

أنا مدون كسول، تنتابني أوقات قليلة من النشاط التدويني لا تلبث أن تخبو. لكنني لست راض عن ذلك بالضرورة. ومن منا راض عن أدائه في الحياة تماماً؟! لو أنك راض عن أدائك تماماً فأرجو أن تخبرني كيف أو أن تؤلف كتاباً تنفعنا جميعاً به!

غير أن هذا الكسل لا يحول بيني وبين إنشاء مدونة جديدة كل حين وآخر، وكأن المدونة الجديدة سوف تأتي معها بجرعات إضافية من النشاط! ومع ذلك فإن عندي اليوم أسباب وجيهة للتنويه عن هاتين المدونتين الجديدتين:

الحياة في أمريكا:
تحتوي هذه المدونة الآن على ما كتبته من مواضيع سابقة لها صلة بالحياة في الولايات المتحدة الأمريكية، بلد مهجري منذ عام 2002. وتخصيص مدونة لهذا الموضوع يراودني منذ فترة لما أراه من اهتمام ورغبة في مثل هذه المواضيع وأيضاً بسبب ما أتلقاه من أسئلة حول الهجرة والحياة في أمريكا. وأعتقد أن تخصيص مدونة عن هذا الموضوع سوف يسهل للمهتمين به تصفح التدوينات السابقة والعثور على ما يبغونه من معلومات، كذلك قد يحثني على كتابة المزيد من المواضيع في هذا الباب. سوف يعني ذلك أنك لن تجد في هذه المدونة بعد اليوم التدوينات المصورة للأراضي الأمريكية، حيث ستنتقل جميعاً للمدونة الجديدة بإذن الله.

ولهذه المدونة أهداف عدة، منها ما هو سياحي لمحبي التعرف على البلدان ورؤية الصور، كذلك تزويد الراغبين في الهجرة أو السفر ببعض المعلومات كما يراها من يعيش بالفعل داخل أمريكا. لكن الأهم عندي، والذي قد تكون لاحظته من أسلوب عرضي لهذه المواضيع في السابق، هو أن أنقل إليك ما أشعر به من غيرة ألا تكون بلادنا مثل ذلك أو أفضل. وأنا أؤمن أن الاطلاع على تجارب الآخرين الناجحة ضرورة لازمة للتقدم. علينا أن نعلم حجم تأخرنا لكي نحجمه، وأن ننظر لنجاح الأمم في الشرق والغرب بمزيج من الاحترام والغبطة والإيمان أن في مقدورنا أن نفعل المثل.

حياة الكتب:
أما المدونة الثانية الجديدة فعن الكتب، كما ينبؤك بذلك عنوانها. لقد خطر لي منذ أسابيع أن حياتي لن تتغير أي تغير إلى الأفضل إلا إذا قرأت أربعة كتب كل شهر! لماذا كتاب في الأسبوع؟ لا أعلم تماماً، لكنني فقط شعرت أن أقل من ذلك لن يحدث التغيير المطلوب.

تذكر أن التغيير الحقيقي إنما يبدأ من فكرة تتحول لشعور ثم فعل. والفكر هو عالم الإنسان الحقيقي الذى تتشكل فيه حياته وأفعاله. والكتب تقدم المادة الغذائية التي يعيش عليها هذا الفكر. إن الكتب للفكر مثل الطعام للجسد، فيه الرديء المضر، وفيه ما يحتوي على سعرات حرارية فارغة! وفيه كذلك الخفيف المغذي – الذي يدخل في الصميم دون زيادات أو شحوم – وفيه أيضاً الدسم الممتع!

على كل، أنا لا أقرأ الآن كتاباً كل أسبوع بأي حال، وإن كنت أتمنى ذلك. والهدف من المدونة شخصي شديد الذاتية – تعظيم استفادتي بما أقرأ بالكتابة عنه – يختلط به هدف غير ذاتي هو مشاركة من تقوده الأقدار إلى صفحات المدونة فيما يقع بين يدي من ثمرات فكرية

يوم مصري في شيكاغو

مهما كانت مشاعرنا إزاء نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية، ومدى تخوفنا من مدى استعداد المصريين لممارسة الديمقراطية بوعي كاف، فالواقع أن مصر ما بعد الثورة تغير فيها شيء واحد يكمن فيه الأمل كله: الإنسان المصري وطبيعة مشاركته في الشأن العام وفي توجيه سياسة وطنه.

سوف أشرح لك علاقة ما سبق بعنوان هذه التدوينة. يوم أمس الأحد دعاني صديق مصري للقاء جماعة من المصريات والمصريين المقيمين بشيكاغو وبعض المدن الأمريكية الأخرى، ما بين مصريين أمريكين مولودين بالولايات المتحدة، ومهاجرين، ودارسين. كانت هذه الجماعة قد التقت بالفعل عدة لقاءات ماضية ولحقت أنا بهم للمرة الأولى. أما هدف اللقاء فهو شيء واحد يجمعنا: نريد أن نفعل شيئاً من أجل مصر. لا أعني شيئاً عابراً، ولكننا نريد إرساء وإنشاء كيان يتيح لنا وللمصريين المغتربين أن يخدموا مصر بطرق مختلفة (وهو محل نقاشاتنا الحالية). هذه الجماعة ما كان لها أن تلتقي لولا التغير الذي طرأ على مصر بفضل الثورة: وهو شعور المصريين أنه حان الوقت والظرف الذي يتيح لنا أن نتحول من شاكين وناقمين وحزانى على حال بلدنا إلى فاعلين ومحاولين. هو خروج من السلبية إلى الإيجابية. من الضيق بما “يفعل بنا”، بضم الياء، إلى ما يمكن أن نفعله نحن. فمهما كانت جهود الثورة المضادة أو عدم إتيان الرياح بما تشتهي السفن، فالمصري اليوم مشارك إيجابي بعد أن ظل مشاهداً سلبياً لعقود طويلة، غاية ما يفعله الكلام والتفكير والغيظ والهم، والشعور بالعجز!

هذه الإيجابية – مقيماً كنت أو مغترباً – واستمرارها هي الضمان الوحيد لمستقبل مصري أفضل من كل ما سبق.

وعلى ذكر المصريين في أمريكا، فسوف أختم بحادثة طريفة لم أحضرها وإنما سمعتها من أحد الأصدقاء الحاضرين. فقد خرجت جماعة من الشباب المصري منذ يومين ومعهم سيارة ودراجة. أرادوا الذهاب في رحلة بعيدة لا تصلح لها الدراجة، فقررت الجماعة وضع الدراجة في السيارة ثم التوكل على الله. وفي يوم مزدحم تبحث فيه السيارات عن موقع شاغر للركن، رآهم رجل أمريكي وهم يهمون بالخروج فتوقف بسيارته منتظراً لاقتناص موقعهم. طال انتظار الرجل طويلاً، ربما ثلث الساعة، وهو لا يدري أن جماعة المصريين يحاولون إدخال الدراجة في السيارة – كل هذا الوقت – دون جدوى! خرج إليهم ورأى مشكلتهم، فقام بحل المشكلة في دقيقة واحدة ووضع الدراجة داخل السيارة! حين سألهم الرجل: “من أين أنتم؟”، تطوع صديقي بسرعة بديهة تدعو للإعجاب وقال له: “من تل أبيب!”. لم يحب صديقي أن يشوه صورة المصريين بعد إعجاب العالم بهم حتى لا يظن الرجل بهم الغباء، وألصق التهمة بجيراننا! ومهما كان رأيك في أمانة صديقي الفكرية في هذا الموقف، فهو لم يفعل ما فعل إلا بدافع وطني خالص!

حينما يكون الرؤساء مفكرون!

لم أستطع منع نفسي من الإعجاب بالعمق الفكري للرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون وأنا أستمع لمحاضرته هذه في جامعة بيركلي. كالعادة، اختلط الإعجاب بالمقارنات التعيسة!

تستطيع الاستماع لكلينتون وأوباما لتدرك مدى حضورهما الفكري وذكاءهما، فأنت تستمع وتقرأ لهما كما تقرأ لمفكر وكاتب. نعم ابتليت الولايات المتحدة برئيس أحمق مثل جورج بوش. كما أن لهذا البلد أخطاء فادحة مقابل إنجازاته الرائعة. والحق كذلك أن الرئيس الأمريكي عموماً محدود السلطات وغير مطلق اليد في قراراته وأمنياته. فأي سياسة أو قانون يريد الرئيس تمريره يتطلب منه عملاً وجهداً في مواجهة قوى أخرى تقف أمامه. والحق كذلك أن أمريكا تمر بأزمات. غير أن أزمات أمريكا هي أزمات بالمقارنة بأمريكا نفسها! ومع ذلك لا شك أن وصول رجال أصحاب عمق فكري لمنصب الرئاسة في البلدان ذات الميراث الديمقراطي يثير التأمل في المستوى الفكري لرؤساء الدول المتخلفة!

قارن بين حديث لأوباما وحديث للقذافي أو مبارك – الإبن أو الأب! ألق نظرة أيضاً على نشاطات الرؤساء الأذكياء بعد تركهم الرئاسة، فبيل كلينتون أسس مؤسسة خيرية ذات رؤية مختلفة لمواجهة مشاكل العالم على اتساعه، وهي شغله الشاغل الآن. رجل بهذا الحس والتوجه الإنساني لابد أن وجوده على مقعد الرئيس أضاف أشياء ما كان لها أن تضاف لو رزح المقعد ذاته تحت ثقل رجال من أصحاب الكروش المتسعة والعقول المتسخة!

تصور لو أتى اليوم الذي جلس فيه على مقاعد الرئاسة العربية رجال ذوو فكر وحس إنساني صادق، ثم ذهبوا بعد ثمانية أعوام على الأكثر. رجال لا تلهيهم مصالحهم الخاصة ومصالح حاشيتهم وأصدقائهم عن واجبهم الذي جاءوا من أجله لمواقعهم. حتى نستطيع كشعوب فتح مقاعد الرئاسة أمام أمثال هؤلاء فلا أمل لنا في حياة نظيفة، أو تعليم محترم، أو طبقة متوسطة واسعة مستقرة، أو تسامح ديني، أو تكافؤ فرص، أو طوابير صغيرة أمام السفارات الأجنبية!

يهودي ضد يهودي

هذا الفيديو صورته في زيارة استغرقت يوماً وليلة لمدينة نيويورك في صيف 2005 لحضور حفلة غنائية لواحد من أحب المطربين عندي (اليهودي الجزائري الفرنسي) إنريكو ماسياس. كان واحد من أهم شوارع مانهاتن مغلقاً تماماً من أجل عيون الاحتفال بعيد الاستقلال الإسرائيلي كما يطلقون عليه، أو نكبة تأسيس إسرائيل كما يسميها العرب (طبعا هي نكبة لأنها هبطت علينا من السماء، قضاءً وقدراً، مثل الأعاصير والزلازل، وما كان باليد حيلة!).

كان الاحتفال ضخماً وصاخباً يملاً الشارع الطويل في عمق المدينة العملاقة. أخرجت الكاميرا وبدأت في التصوير، حتى شدني هذا المشهد فركزت عليه الكاميرا حوالي دقيقتين، فماذا ترى فيه؟

الدليل الدامغ على صلاح حكامنا

كنت أتمشى مع صديقي ذات ظهيرة على رصيف من أرصفة شيكاغو وسط البلد. مرت سيدة محجبة، فعلق صديقي أن هناك عدد كبير من المحجبات – نسبياً – في مدينة كهذه.
قلت له: نعم المسلمون يتكاثرون في كل مكان.

ما كادت هذه الكلمات تغادر فمي حتى استوقفني عقلي وهمس في أذني: “وكيف تكاثر المسلمون هكذا إلا بسبب هجرتهم من بلدانهم! ألا ترى ما في ذلك من دلالة بينة…؟”

برق المعنى الغائب والحكمة المخفية في ذهني! هتفت لصديقي:
- لقد ظلمنا حكامنا المباركين وأسأنا بهم الظنون!
قال لي دون أن يرى سبباً لما قلته: وكيف ذلك؟!

قلت له: نعم لقد هدتني كلماتك العابرة لحقيقة غابت عنا جميعاً في جهالتنا وغفلتنا عن حكمة الحكام الحاكمين، حكمة لا يفقهها الغوغاء الجاهلين! ألا ترى ما أراه الآن بجلاء ووضوح! إن حكامنا يعملون لنشر الإسلام في ربوع الأرض! وقد هداهم إخلاصهم العميق للرسالة لأفضل السبل وأعظمها أثراً!

فالمسلمون ما كان لهم أن يتركوا بلدانهم لو كانت تصلح لحياة الإنسان، وما كان لهم في مثل هذا الوضع البائس في أوطان غير طاردة – لا قدر الله – أن يتركوا أوطانهم ويتناثروا في أرجاء المعمورة. أنى لهم نشر الدين لو بقوا في أرضهم ورضوا بأوطانهم؟!!! لقد دفعهم حكامهم دفعاً لحمل لواء الرسالة في بقاع الأرض.

بل إن من تجليات فهمهم الأعمق، الذى لا يدركه الأحمق، علمهم أن الرسالة لا تقتصر على البشر بل تمتد لمخلوقات الله جميعاً، ومن ثم تضمنت الخطة المباركة إفساح الطريق للشباب المسلم أن يذهب لأعماق البحار – حياً أو ميتاً! – لتبليغ الرسالة لمخلوقات البحر. وما كان لهؤلاء الشباب أن يقدموا أرواحهم لهذا الهدف النبيل لو لم تدفعهم ظروفهم دفعاً لتفضيل الركوب في مركبة مهددة بالغرق على الحياة فوق الأرض. فلو شاء القدر أن يعبروا البحر سالمين وصلوا لأرض أوربا ونشروا الرسالة للناس! يعني لا مفر أمامهم من نشر الرسالة فوق الأرض أو تحت البحر!

ومن ثم تأكد لنا جميعاً بالدليل الدامغ الذي لا يقبل الشك أن حكامنا مؤمنون صالحون لا يبغون فيما يفعلون إلا مرضاة الله وإجبار رعاياهم على الهجرة ونشر الرسالة. أما سلوك الرعايا في بلاد المهجر وسوء تمثيل أنفار منهم للرسالة فهذا مما لا يتحمل وزره الحكام. لقد قاموا بتصديرك من أجل أداء الرسالة والبقية مسئوليتك أنت وحدك!

ومن ثم أيضاً يتضح لنا أن الخروج على هؤلاء الحكام ومعارضتهم ومحاولة إنزالهم عن عروشهم هو فسق وصد عن سبيل الله!

بلدان وسجون

مشهد السفارات الأجنبية في مصر عار قومي. طوابير من الشباب، آلاف مؤلفة، تقدم للحصول على التأشيرات وكأنها تلعب اليانصيب، أكثرهم يعود بدون التأشيرة وربما يشعر أنه طرد من الجنة الموعودة. والحاصل على التأشيرة يعود إلى أهله مستبشراً سعيداً، فقد تهيأ له السفر وحصل على حكم الإفراج!

يحزنني أن أرى الشباب الأمريكي أو الأوربي يشعر أن العالم مفتوحاً أمامه بلا قيود للسفر والحركة، وشبابنا ينظر لتأشيرة دولة أجنبية مثل حلم خرافي. بل ويدفع البعض عشرات الألوف من أجل تأشيرة دخول. مجرد تأشيرة دخول، لا تتيح لهم حتى الإقامة الدائمة أو العمل.

قرأت منذ فترة طويلة مذكرات لدبلوماسي مصري بدأ دراسته وحياته العملية في النصف الأول من القرن العشرين. كأنك تقرأ عن بلد آخر. كان والده موظفاً وليس رجلاً ثرياً، ومع ذلك كانت العائلة تسافر إلى أوربا للفسحة. كان الجنيه المصري قوياً كريماً، تذهب به إلى انجلترا وتنفق دون عنت. كان الطالب المصري يتعلم الانجليزية والفرنسية في المدارس العامة على يد رجال من أهل اللغة! كم هبطنا وخسرنا في بضعة عقود!

إن الشاب الأمريكي يحمل جواز سفر هو في ذاته تأشيرة دخول لأكثر بلدان العالم! هذا الشاب لا يفضل الشاب المصري في شيء، لكن الفارق أن دولته جعلته كريماً مرحباً به في كل أرض!

تعال نمارس فضيلة الاعتراف بالحق. نعم لا يفضل شبابهم شبابنا في إمكانات أو مواهب. لكن آباءهم وأجدادهم يفضلون آباءنا وأجدادنا في شيء واحد! لقد ترك هؤلاء لأبنائهم ميراثاً يكفل لهم حياة كريمة ومساحة كبيرة من الحرية. وترك آباؤنا لنا فقراً وسجناً حصيناً للإنسان وكرامته! آثروا السلامة. ظنوا أن الفقراء والمتسولين هم أهل الجنة، وأن الظالمين رجال عظماء خارقين، مثل الآلهة لا قبل لنا بهم!

وشباب اليوم يحمل على عاتقه إرثاً صعباً. هل سنترك لأبنائنا بلاداً يفخرون بها أم سجوناً تذلهم أسماؤها؟

من أرض إلى أرض

منذ شهر كامل هاجرت هجرة جديدة، من أرض كانت قد أصبحت مألوفة، إلى أرض غريبة وجديدة. من مدينة صغيرة إلى مدينة كبيرة، ليس لي فيها إنسان ولا مكان. كنت أود أن أترك الجليد والبرد إلى جنوب القارة حيث الشمس والدفء، غير أنني، تحركني تدابير القدر التي تعلو على أفهامنا المحدودة بالمكان والزمان، وجدت نفسي مهاجراً إلى أرض أخرى شمالية، إلى ذات الجليد الأبيض والبرد الذي يدفعك دفعاً أن تلجأ إلى دفء الجدران. بل إن البرد في شيكاغو، التي انتقلت إليها، أحياناً ما يغلب برد مدينة إثاكا الصغيرة. فالمدينة الشهيرة بـ “مدينة الرياح” تتضاعف فيها درجات الحرارة سلباً حين يتحرك الهواء، فتجعل الإحساس بدرجة حرارة 15 تحت الصفر تماماً كأنها 25 أو 30 تحت الصفر! ولكن الإنسان، إذ يعيش في أرض مسخرة له، يتكيف مع غريب الظروف وعجيب الأجواء. والملايين تعيش أعمارها في هذه المدن حياة يتعودون عليها فتصبح طبيعية. فمع اقتراب الشتاء يتجهز الإنسان بالملبس المناسب، ويتهيأ للبرد بمصنوعات تغطي أطرافه وتدفئها قدر الإمكان. وتتهيأ المركبات التي تسير على عجلات لصعوبات المسير فوق الثلوج، وتتباطأ في سعيها من مكان إلى مكان تجنباً لأخطار فقد السيطرة فوق الماء المتجمد.

والحق أن من مميزات الأجواء الشمالية أن تغير الفصول ملحوظ محسوس. فالشتاء أبيض بارد. والربيع يتحرك من الصفرة نحو الخضرة ومن البرد إلى الدفء. والصيف أخضر خضرة عميقة متمكنة. ثم يأتي الخريف فتتكشف الخضرة عن ألوان كونية متفاوتة ترسم “لوحات طبيعية” بديعة، ثم تصفر الأوراق وتقع تحت الأشجار وفوق الطرقات والأرصفة فترسم لوحة أخرى ذات جمال، مهما رأينا الأوراق المتساقطة على الأرض كشيء يجب التخلص منه. ثم تتعرى الأشجار وتشيخ، ثم تغطيها طبقات بيضاء، وتتكرر الدورة.

لا أعرف إن كانت هذه المدينة سوف تصبح بيتاً لي لشهور قادمة أو أعوام. فلا شيء يربطني إلى مكان معين –حتى الساعة- في هذا البلد القارة. لا شك أنني تعلمت أشياء وخسرت أشياء أخرى في هذه الهجرات. لكن التعلم يستحق أن نخسر في سبيله أشياء زائلة. فالحكمة تبقى والأشياء تفنى. ولعل أهم ما وصلني عبر هذه الخبرات، والهجرات، والمتاعب، أننا عابروا سبيل، شئنا أما كرهنا، ومهما توهمنا عكس ذلك. وفي الطريق من أرض إلى أرض لا أرى بقاءً ولا وجوداً إلا لحقيقة واحدة.

إن الله باطن يظهر نفسه لا في رؤى الأبصار، ولكن في إدراك القلوب إذ تتقلب في الأحوال، وتتقلب بها الآمال. وكأن الأرض كانت تحركني فوقها، بوحي من ربها، وتلقي بي على رأسي بين حين وحين، في ضربات قد توجع، لكنها لا تهلك. ولم توجعني ضرباتها كثيراً، ولا أعلم إن كان ذلك بلادة في الشعور، أم أن رأسي قد تحصنت من قبل ضد ضربات كل زائل. فالزائل ضعيف هين مهما استخدم من مؤثرات بصرية وسمعية للسيطرة على عقول المشاهدين. وليت المشاهد يعلم أنه مشاهد وأن العرض مسرحية سوف تنتهي ويسدل الستار، ويعود كل إلى بيته بعد أن لبثوا فيها يوماً، أو بعض يوم، أو محض ساعة!

نهايات هجر وبدايات هجرة

أما الهجر فهو هجر هذه المدونة شهراً ونصف الشهر. فلعله ينتهي اليوم بقرار عودة ومحاولة مداومة. أما الهجرة فهي حركة من أرض الله إلى أرضه، مفارقاً لما لا أحب، متوجهاً لمجهول، مخاطراً بأشياء، ومعتمداً في ذلك كله على رحمة من الله.

ولعل من ترك تعليقاً من أصدقائي وأصدقاء المدونة فلم أرد عليه أن يعفو عما سلف. وأشكر كل من سأل وتساءل.

والفرد منا بين كسل وعمل، وأخذ وترك، وضعف وعزم، وأمل وهم، وقنوع ورفض. وأنا كذلك بين ذلك أتقلب، وأديم المحاولة مع نفس غير هينة، وعقل قلق، وقلب يسعى وراء أمل -أو وهم- يلح عليه منذ وعيه، ويحيا مع هم لم يعد يعرف أهو جزء مقيم أم دخيل لئيم.

لعل الله يعيننا على عودة للقراءة والكتابة. على قدر طاقة محدودة، وقصد آمال ممدودة!

خطبة شدوية: التفاؤل و”قانون الجذب” في الإسلام

هذه ثاني خطبة أتيح لي أن ألقيها على مسامع جماعة المسلمين في مدينة إثاكا في شمال ولاية نيويورك. لم أخطط من قبل أو أتصور أن أقف موقف خطيب الجمعة. ولوقوفي هذا الموقف قصة يعلمها من تابع هذه المدونة. والحق أن تصاريف القدر لا تعبأ بما تتخيل أو تتصور – إلا بقدر معلوم (نعم: يعبأ القدر – كثيراً أو قليلاً – في بعض الأحيان بما تتخيل وتتصور، بكيفية سبق بها قول الخالق وتقديره). لن أخفي عليك أنني تخيلتني أتكلم في الناس، غير أن خطبة الجمعة كمناسبة للتحدث إلى الجماعات لم ترد لي على خاطر. فالقدر يعبأ بما تتصور، ثم يهيء لك منه أشياءً على غير توقع منك، وبكيفية لم تدر بخلدك. ويتصل هذا المعنى اتصالاً وثيقاً بموضوع خطبتي الثانية التي أعرضها عليك اليوم. سوف أقدم أولاً عرضاً بالعربية لمعانيها، ثم أورد في آخر هذه التدوينة وصلة لتحميل التسجيل الصوتي للخطبة بالانجليزية.

تحذير: سوف تكون هذه أطول تدوينة كتبتها. فلم أر من المناسب أن أقسمها على أكثر من تدوينة حتى تتماسك الفكرة. فإن مللت من تكملة القراءة فأرجو أن تقرأها على مراحل!

الخطبة: عن التفاؤل في الإسلام نتحدث

الإخوة والأخوات، أود أن أبدأ خطبتي اليوم بسؤال بسيط، وهو: هل سألتم أنفسكم من قبل لماذا ينجح بعض الناس في حياتهم، ويفشل آخرون؟ هل لاحظتم في وقت ما أن حياة المتفائلين والسعداء تبدو أيسر وأجمل، بينما تبدو المصائب وكأنها تستهدف المتشائمين دوناً عن غيرهم؟

لقد صدر كتاب يحاول أن يجيب على هذه الأسئلة، وكان عنوانه هو: “السر” The Secret! وقد لاقى نجاحاً كبيراً. ووفقاً لهذا الكتاب فإن السر في نجاح البعض وسعادتهم يكمن فيما يسمى: “قانون الجذب” The Law of Attraction.

فما هو “قانون الجذب”، وهل ورد ذكره بأي شكل في ديننا؟ سوف أطلعكم على السر وأخبركم عن ماهية هذا القانون، وسوف أبين أن هذا السر في الواقع، أو “قانون الجذب”، والذي تمت الإشارة إليه في القرآن وفي سيرة النبي وأحاديثه بأبسط العبارات، هذا القانون هو في الواقع ضرورة لحياة إسلامية حقيقية. هو لازم لحياة المسلم الداخلية، إن كان مسلماَ حقاً ومؤمناً بالله ورسوله.

علينا ألا ننسى أن المسلم لا يكون مسلماً فقط بمظهره، ولا حتى بأفعاله. نعم لا شك أن العمل بالغ الأهمية في الإسلام، غير أنه لا قيمة له دون أساس نفسي وروحي. ولهذا تحظى “النية” بمكانة بالغة الأهمية في تعاليم الإسلام. فالنية هي ما قد يباعد بين عملين متطابقين في الظاهر كبعد السماء عن الأرض. تأملوا مثلاً فعل الصلاة. ففعل الصلاة واحد بحركاته وأقواله. لكن الله يرفع من يصلي لوجهه، ويلعن من يصلي مراءاة للناس:
“ويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراءون.”
من أجل ذلك علينا أن نهتم لما في أنفسنا، لعالمنا الداخلي، فهو محك الإيمان. يحتوي عالمنا الداخلي هذا على أشياء كثيرة، ففيه معتقدات، ومشاعر، وصور وذكريات، وآمال وأحلام، وتوقعات، ومخاوف… هذا بعض ما تحويه هذه الحياة الداخلية، وهي أشياء يجب أن نوليها اهتمامنا وأن نحاول تطويعها لتعاليم ديننا. علينا أن نسلم لله حقاً، في باطننا وظاهرنا. ولن يتسنى لنا أن نلسم لله حتى نستطيع توجيه عالمنا الداخلي والتحكم فيه.

أود أن تتذكروا هذه المعاني وأنا أخبركم عن ماهية “قانون الجذب”. هو قانون في غاية البساطة، فهو يوضح أن الإنسان يجتذب ما يفكر فيه، ويحصل على ما يتوقعه. أي أن عالمك الخارجي يتشكل ويستجيب لعناصر عالمك الداخلي من أفكار وتوقعات. هذا هو السر في نجاح البعض وسعادتهم دوناً عن آخرين. وهذا المعنى وربي يتحدث به القرآن، ونجده في حديث النبي (ص) وسنته. فأنت إن تشاءمت، فلن تخيب ظنونك، وسوف تلقى من الحياة ما لا تحب! ومهما بذلت من جهد في إطار من التشاؤم واليأس، فلن يأتي عملك بأية ثمار طيبة.

فما قول تعاليم الإسلام في هذا القانون؟ لقد ورد عن نبي الإسلام (ص) أن الله يقول في حديث قدسي: “أنا عند ظن عبدي بي”. ورد ذلك في بداية حديث قدسي، وغالباً ما يهتم المعلقون ببقية الحديث ولا يولون هذه الكلمات ما تستحق من عناية، لكن هذه الكلمات تحديداً هي ما أريد أن نتوقف عندها. ففيها “قانون الجذب” بأكمله، في كلمات قليلة. غير أنها تشير لحقيقة هذا القانون بشكل أصدق. فما يستجيب لتوقعاتك ليس قوى كونية مجهولة الهوية، ولكنه قانون إلهي وضعه الله في الحياة. فحينما تأمل في الله خيراً، وتثق في كرم عطائه، فلا شك أنه تعالى سوف يعطيك عطاء الكريم وسوف يأتيك بالخير. أما لو يئست وتشاءمت، فلسان حالك يقول لله: أنا لا أثق فيك! فإن “الكريم” من أسماء الله وصفاته، ولو غاب في نفسك الرجاء في هذا الكرم، فلا يعني ذلك في واقع الأمر إلا ضعف ثقتك أنه حقاً “كريم”! هل تدركون خطورة هذه الحالة النفسية؟ والآن فلنتفكر قليلاً في معاني أسماء الله وصفاته، فإن الله هو “الغفور”.. “المعطي”.. “الرزاق”.. “النور”.. “الكريم”.. “الرحيم”.. “الفتاح”.. “العدل”.. “الصبور”.. “الشكور”.. “الودود”.. “المغني”.. “الهادي”. تذكر أنك إن خفت الفقر، فأنت في الواقع لا تؤمن أنه جل شأنه هو “المغني” و”الكريم” و”الرزاق”. وإن خفت ضياع جهدك دون المرجو من ثمار طيبة، فإيمانك ما زال زائفاً بأنه هو “الفتاح” و”الشكور”، فهو يفتح لك الأبواب والفرص، ويجزيك خيراً عن كل ما تحسن من عمل:
“إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً”
وإن خفت ظلم البشر وجورهم على حقك، فإنما تنسى أن الله هو “العدل”. وإن غلبت عليك الحيرة وضل عنك السبيل، فقد غابت عنك صفة الله “الهادي”.

منتصف الخطبة، الدعاء.

الإخوة والأخوات، لقد تحدثت إليكم حتى الآن عن “قانون الجذب”، ومعناه أنك تحصل على ما تتوقع، ويفسر بذلك سبب تعاسة المتشائم وسعادة المتفائل. وأشرت إلى بعض ما ورد في تعاليم الإسلام من إشارات إلى هذا القانون. وفيما يلي أحب أن أواصل عرض ما ورد في القرآن وفي سنة النبي (ص) من إشارات لـ “قانون التفاؤل”، كما أحب أن أسميه.

أرجو ألا تنسوا أن الهدف من هذا الحديث هو إثبات أن المسلم ينبغي أن يكون إيجابياً في الفكر والعمل، وأن يكون تركيزه على الجوانب الإيجابية دوناً عن السلبية. فهكذا يجدر بالمسلم أن يشكل عقله، وأن يبني عالمه الداخلي.

تأملوا هذه الآية الجميلة من سورة البقرة:
“إن الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا”
هل عقلتم هذه المعاني! هذه رسالة من الله إلينا: أن الفقر ليس إلا وعد من الشيطان، في حين أن وعد الله هو المغفرة والفضل والسعة. فأي الوعدين نصدق؟؟!! هل نصدق الله، أم نصدق الشيطان! لنتذكر جميعاً أن الفقر في حقيقته لا يعني قلة المال، فنقص المال ما هو إلا مظهر مادي. إن الفقر في جوهره ما هو إلا حالة عقلية ونفسية. وإن فقراء العقل والنفس المقيمون في هذه الحالة الوجدانية إنما يتبعون الشيطان ويضلون عن سبل الرحمن. وعقلية الفقر هي ما تؤدي إلى مرض البخل. فقد ترى رجلاً يملك الملايين، ولكن عالمه الداخلي بائس وفقير. بينما تجد أن المؤمنين بالله حقاً يحبون العطاء، ولو كان المال في أيديهم قليلاً، وذلك ليس إلا إشارة لكونهم لا يعيشون عقلية الفقر. وهو ما يفسر أيضاً مثل رسول الإسلام (ص) الذي كان يعطي عطاء جعل أصحابه يخبرون عنه أنه كان “يعطي عطاء من لا يخشى فقراً”. فهذا هو مثل النبي الذي لم يكن يملك من المال الكثير كما نعلم، لكنه كان يعيش في حالة أو عالم داخلي يفيض بالثراء والسعة.

دعنا ننظر في إشارات أخرى “لقانون التفاؤل” في الإسلام. لقد أشرت من قبل للحديث القدسي: “أنا عند ظن عبدي بي”. كذلك ورد عن النبي (ص) قوله: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة. والآن تخيلوا معي الحالة الوجدانية لإنسان يصدق تماماً هذا الحديث. تخيل أنك تدعو الله وتسأله حلالاً من طيبات رزقه، ثم تمضي في حياتك واثقاً أن كرم الله ورحمته سوف يحققان لك ما تبغي. تصور قدر ما يملأ نفسك في هذه الحالة من قوة وأمل وحماسة. لا شك أن الله لن يستجيب لدعائك بين عشية وضحاها، لكنك إذ تدرك ذلك توقن أيضاً أن الله قد سمع دعاءك وأجابه، ومن ثم تختفي مخاوفك. تخيل مثلاً، ولله المثل الأعلى، أن عندك مشكلة تؤرقك، ثم أتيح لك أن تقابل رئيس الجمهورية نفسه (نسيت أن أوضح في هذا المثل أن رئيس الجمهورية المعني ليس رئيساً عربياً!!)، ثم وعدك الرئيس (غير العربي!) وعوداً حسنة بحل مشاكلك. كيف لك أن تشعر وأنت ذاهب عنه، بعد هذا اللقاء الواعد؟ ألن تكون مستبشراً بالخير، بشراً يبث في نفسك الطاقة والحبور؟ قد يوضح لنا هذا المثل أن حالتنا الوجدانية لا ينبغي أن تكون أقل من ذلك بأي شكل بعد التوجه لله داعين سائلين للخير.

أحب أيضاً أن أحدثكم عن آية تدعو للتأمل والدهشة في سورة الإسراء، وهي:
“ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير، وكان الإنسان عجولا”
لقد لفتت هذه الآية نظري بشدة. هل نطلب نحن بني آدم الشر لأنفسنا تماماً كما نطلب الخير؟! إنني أعتقد أن هذه الآية تؤكد ما يذهب إليه “قانون الجذب”. وظني أن معنى الدعاء فيها قد يكون: التوقع. فالإنسان حينما يملأ نفسه التشاؤم وتوقع الشر فهو كالداعي بهما لنفسه. التوقع أو الظن هما حالة من الدعاء الخفي. تربط الآية أيضاً – في إشارة خطيرة الشأن – بين الدعاء بالشر والعجلة، “وكان الإنسان عجولا“. لاحظوا أن التشاؤم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنفاد الصبر. فالمتشائم يفقد الأمل بسرعة شديدة عند قدوم المشاكل والتحديات. بينما لا يمكن أن يتوطد الأمل دون صبر. فالمتفائل يدرك تماماً أن الحلول لا تأتي حال تمنيها بشكل فوري، هذا ما يدركه تماماً كل عاقل ذو نظرة إيجابية للحياة، ولذلك لا تصيب أمثال هؤلاء العجلة، ولا ينظرون تحقيق ما يرجونه بصبر نافد.

هنالك أيضاً عبرة نستطيع استنباطها من وقت عصيب مر به النبي وأصحابه، إبان معركة الخندق. فقد كانت جماعة المسلمين في المدينة في انتظار تحالف من الأعداء، كبير العدد والعدة، يسيرون نحوهم ولا يبغون إلا تدميرهم ودولتهم الوليدة. كان النبي وأصحابه هم الطرف الأضعف في ميزان واقعهم الصعب. حينها اقترح سلمان الفارسي شق خندق حول المدينة، ليحول بينهم وبين من لا قبل لهذه الجماعة به من أعداد غفيرة من المحاربين. اجتمع الرجال خلف الخندق، وتركوا وراءهم نساهم وأولادهم، وأوصوهم بالبقاء في المنازل والتحسب لدخول الأعداء إذا انهزم الرجال أمامهم وقتلوا. فلتبق النساء خلف الجدران ويتأهبن للدفاع عن أنفسهن إذا ما تمت إبادة رجالهن. يا له من حال شديد القسوة والصعوبة! لكن انظروا للفتة صغيرة صدرت عن النبي (ص). فقد كان يضرب بمعوله في الصخر، فانبثقت شرارة رأى فيها شيئاً وأخبر به أصحابه. ليس هذا الموقف الصغير في هذه الظروف بالذات محض عبث أو صدفة. فقد أخبر أصحابه، وهم في خضم هذا الغم والترقب، أنهم سوف يغزون فارس، أحد أقطاب العصر في القوة والنفوذ. في هذه الظروف! لقد يبدو ذلك كأمل مستحيل، ما كان هؤلاء الرجال يجرؤون حتى أن يحلمون به! لكن فكروا في أثر هذه النبوءة عليهم، فهم يصدقون النبي وأنه لا ينطق عن الهوى. إن من شأن هذه النبوءة أن تبث في أنفسهم آمالاً مشرقة، وترفع توقعهم للمستقبل إلى عنان السماء. لقد كانوا في أمس الحاجة إلى مثل هذا الأمل لكي يستطيعوا مواصلة العمل والاستمرار في المحاولة. إن في هذا مثال شديد الوضوح عن كيفية استغلال النبي (ص) لـ “قانون الجذب” أو “قانون التفاؤل”. فخلق الأمل والتوقع الحسن في نفس الإنسان يملأ قلبه بالقوة والقدرة على العمل.

والآن أحب أن أختم هذا الحديث بمثال جميل من قصة يعقوب عليه السلام في سورة يوسف، وفيها قصص يوضح كيف يحتفظ المؤمن بروح التفاؤل والأمل. لقد غاب يوسف عليه السلام عن أبيه ما لا يقل عن عشرين عاماً، وربما خمسة وعشرين أو حتى ثلاثين، من يدري. لكن انظروا في موقف يعقوب عليه السلام بعد غيبة ولده المحبب إلى قلبه يوسف كل هذه السنوات، وقد تقدم يعقوب في العمر، ثم ها هو الآن يفقد ولده الآخر المحبب إلى قلبه، الأخ الأصغر ليوسف! فما يقول يعقوب لبنيه في مواجهة هذه المصيبة الجديدة؟
“يا بني اذهبوا وتحسسوا من يوسف وأخيه، ولا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون”
في هذه الآيات نقرأ قصة التفاؤل في الإسلام كأتم ما تكون. تستطيع أن تأمل في أشياء تبدو مستحيلة، ولكن عليك أن تعمل على تحقيقها. فيعقوب هنا يطلب من أبنائه أن يذهبوا ويعملوا، ويبحثوا وهم في حالة من الأمل في رحمة الله، رغم أن البحث عن يوسف بعد كل هذه السنوات يبدو مستحيلاً ومنبت الصلة بأي منطق معقول. لكن هكذا يكون الأمل في نفوس المؤمنين الصادقين. هو أمل يصاحبه عمل إيجابي.

الإخوة والأخوات، دعوني أختم خطبة اليوم بتذكير نفسي وإياكم أن الأمل يحفز على العمل، بينما لا يؤدي التشاؤم إلا للكسل والقعود. نحن بحاجة أن نركز على هذه الحقيقة لكي نطبقها على المستويين الداخلي ثم الخارجي. علينا أن ندرب أنفسنا على الاحتفاظ بأمل لا يتزعزع في رحمة الله وكرم عطائه، أمل يحفزنا على الاستمرار في العمل لخير أنفسنا ولخير الإنسان في كل مكان، حتى نستطيع القيام بدور الإنسان كخليفة لله في أرضه.

ثم اخترت ما يلي من دعاء رسول الله (ص) لختم الخطبة قبل الصلاة:
اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن، ونعوذ بك من العجز والكسل، ونعوذ بك من الجبن والبخل، ونعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك.
اللَّهمَّ أَصْلِحْ لنا دِيننا الَّذي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنا، وأَصْلِحْ لِنا دُنْيَاناَ التي فِيهَا مَعَاشنا ، وَأَصْلِحْ لنا آخِرَتنا الَّتي فِيها معادنا، وَاجْعلِ الحيَاةَ زِيادَةً لنا في كُلِّ خَيْرٍ ، وَاجْعَلِ الموتَ راحَةً لنا مِنْ كُلِّ شَرٍ.

ملحوظات ختامية:

1. تستطيع الاستماع للتسجيل الصوتي لهذه الخطبة هنا. والتسجيل الصوتي يحتوي في النهاية على بعض الحديث المرتجل الذي لم أسجله هنا، فقد ترجمت النص المكتوب للخطبة فقط.

2. لمن استمع إلى الخطبة الأولى، أحب أن أعرف تقييم الإلقاء وهل هو أفضل في الخطبة الأولى، حيث سجلت نقاطاً وارتجلت الحديث، أم في هذه الخطبة حيث كتبت النص وقرأته. وما فعلت ذلك إلا لخوفي من عدم تمكني من اللغة.

3. بعد هذه الخطبة تراءت لي أشياء كثيرة تتصل بذات الموضوع، حتى تصورت أنه بحاجة إلى كتاب منفصل، لو أنعم الله علينا لشرعت فيه إن أذن. بل وفكرت أن أفعل على غرار عبد الله المهيري وأجرب عمل حلقات صوتية لمواصلة الحديث عن هذا الموضوع. عموماً سوف نرى، ولا يبخلن مقترح بمقترحه، ولا صاحب دلو بالإدلاء به!

4. لا يحسبن قاريء أن كاتب هذه الكلمات هو رجل يفيض تفاؤلاً وأملاً في الحياة! فلو عشت أنا مصداق هذا الحديث منذ عقد من الزمان لتغيرت قصة حياتي تغيراً تاماً، غير أن هذه معاني أؤمن تماماً في صحتها وأود أن أعمل على التخلق بها، وهو سعي غير يسير وجهاد متصل، لكن ثماره وفيرة وتستحق العمل لأجلها.

ما بعد الخطبة

في تدوينة سابقة تحدثت عن خطبة الجمعة التى حاولت خنقي ووعدت بالبقية في جزء ثان. وقد شاء الله أن يمن علينا بمواصلة القصة اليوم.

توقفت في المرة السابقة عند محاولة شرحي لأصدقائي المسلمين والعرب أسباب ضيقي الشديد بالخطبة التي ألقاها أستاذ مصري في جامعة كورنل (ودهشة أكثرهم لكراهتي ما سمعت). وكنت أود بداية مواصلة الحديث النقدي عن هذه الخطبة وعن أشياء أخرى ذات صلة بها تخص جماعة المسلمين في موقعي الجغرافي الحالي، غير أنني رأيت أن أقف بالنقد المفصل عند ما سبق ذكره، حتى لا يكون قذعاً في أشخاص بعينهم، وهو ما لا أريده. والأمر يتلخص في كون ثلة من المسلمين يتحركون في الأرض محملين بفكر “الجاهلية الدينية” أو “الجاهلية الإسلامية” كما خطر لي أن أسميها. وهي جاهلية فكرية في كثير من الأحيان، وأخلاقية في غير قليل منها أيضاً! فإلى جانب ضحالة ما يذيعه المتكلمون في الإسلام بل ومخالفته لحقيقة هذا الدين، فإن نفراً منهم يتعاملون مع أمور الخطابة وشئون المساجد في أرض المهجر بمنظور شخصي مظهري مصلحي. وقد رأيت ذلك وسمعت عنه في الولايات المختلفة التي أقمت فيها خلال سنواتي الست في الولايات المتحدة. أحب فقط أن أهمس بهذا الكلام في آذان من يظنون أننا شعب الله المختار، وأن بلاءنا إنما هو من مؤامرات الأمريكان، وأشباههم من أعوان الشيطان! وهذا التوجه الفكري الخرافي، إن كنت لا تعلم، ما زال شائعاً ورائجاً لدينا. وأود أن يكون لذلك حديث منفصل بإذن الله، لكنني سألخصه وأختمه فقط بحقيقة علمية مؤكدة: أن المرض حين يهاجم جسماً من الأجسام، فلك أولاً أن تصب اللوم على مناعة الجسم، وليس على المرض ذاته. فهذه وظيفة المرض التي خلقه الله لها: البحث عن الضحايا، المؤهلين للعب دور الضحية!

أما الخطبة التي أدت بنا لهذه الأحاديث، فأحب أن أذكر جانباً مما حدث بعدها. فقد أنهيت حديثي مع أصدقائي ثم نظرت إلى “الدكة الخشبية” باحثاً عن ذاك الشاب الجالس عليها، فوجدته قد ذهب (اقرأ الجزء الأول حتى يتضح لك ما أعنيه)، فأدركت أن حديثي طال وأنساني شأن قراري الذي اتخذته أثناء الصلاة. ثم نظرت باحثاً عن صاحبي في الرحلة إلى المسجد والعودة منها، صديقي العزيز أحمد علي، فوجدته يتحدث مع أحب الخطباء إلى قلبي، وكان أحمد يريده أن يتحدث مع زوجته الأمريكية عن الإسلام، لعجزه عن التوصيل الجيد لغير المسلمين.

انضممت إليهم، وكان معهم رجل أمريكي كنت قد رأيته جالساً بين صفوف المصلين، فظننت بداية أنه أمريكي مسلم. هٌييء لي أنهم يتحدثون عن الخطبة، فتدخلت معبراً عن سخطي وضيقي بما سمعت (من جديد! يا لي من ثرثار لا يمل من التكرار!). سألني الرجل الأمريكي مندهشاً ومبتهجاً: “أتقول ذلك وأنت مسلم؟” فأكدت أن نعم، وأن هذا الهراء (أخشى أنك إن وضعت خاءً مكان الهاء فلن أعترض كثيراً!) لا يمت للإسلام – كما أعرفه – من بعيد أو من قريب. ثم عرفت منه أنه مسيحي ينظر في الأديان، وأنه حالياً بصدد دراسة الإسلام.
___________________

فاصل خيالي:
تصادف أن حضر هذا الموقف أحد المسلمين الذين يضربون في الأرض حاملين فكراً إسلامياً يمشي على رأسه – الأولويات في الأرض والأقدام ترفرف في السماء! – فأدرك المسلم الشجاع لفوره أن هذا الرجل الأمريكي جلس بين المصلين وهو غير مسلم، يعني غير طاهر، وأنه بذلك خالف قاعدة شرعية مهمة. فرأى أن يحق الحق وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فتوجه بحديثه لإدوين Edwin قائلاً:
- عندي فقط ملحوظة، وهو أنك أخطات بالجلوس بين المصلين. هل ترى هذه الدكة الخشبية؟ يمكنك الجلوس عليها إذا أردت الاستماع إلى الخطبة، لكن لا يحق لك الجلوس بين المصلين ما لم تكن مسلماً.
- حقاً؟ لم أكن أعلم ذلك. أنا آسف. لكن ما الحكمة من ذلك؟ (لا يوجد مقابل لهذا المفهوم في ثقافة الرجل).
- الحكمة في ذلك… الحقيقة… أنك غير نظيف you are not pure، لذلك لا يحق لك الجلوس بين المصلين. (لاحظ أن مفهوم الطهارة والنجاسة كما نعرفه غريب على هذا الأجنبي، لذلك فإنني أحاول ترجمة “وقع الكلمة” لا حرفيتها).
- ؟؟؟!!! عفواً، لا أفهم ما تعنيه.
- (يحاول المسلم أن يجد لفظاً آخر) Because you are not clean.
- (الرجل بدأ يشعر بالإهانة) ما زلت لا أفهم.
- (يفكر في نفسه: سوف أقول الحق حتى لو أحرجته، فلا يجب أن أخشى في الحق لومة لائم) الحقيقة أن غير المسلم “غير نظيف” حتى يسلم، والمسجد هو بيت الله ولا يصح أن يدخله غير المسلم حتى ينظف نفسه.
- حقاً، هذه معلومة جديدة لم أكن أعرفها! (بعد سماعه للخطبة ثم هذه الإفادة أن الإسلام يعتبر غير المسلمين أنجاساً قذرين، يقرر إدوين أن يوفر جهد النظر في هذا الدين الغريب، على الأقل الآن، ويبحث في أفكار أخرى وأديان لها قيمة!).
انتهي الفاصل الخيالي!
___________________

بعد أن علم إدوين أنني مسلم ومع ذلك كاره لما سمعت، قرر أن يعبر عن نفسه بحرية، فقال أنه وهو يستمع كان يحدث نفسه أن هذا الكلام “غير طبيعي” this is not normal. قررت أنني سوف أحدث بذلك أصدقائي المستغربين من كراهتي للخطبة، لأدلل لهم كيف أن أي إنسان عاقل ومحايد لن يختلف رد فعله. ثم تواصل الحديث بيننا جميعاً عن المسلمين وأحوالهم. وأعطاني إدوين بريده الالكتروني بعد أن علم أنني تركت دين آبائي ما يقرب من عامين كاملين حتى عدت إليه على بينة. فسعدت لهذه الصداقة الجديدة. وحدثت نفسي أن هذا الحديث والتعارف على إدوين المسيحي الأمريكي وعمر الباكستاني المسلم هو أفضل ثمار هذه الخطبة عديمة الثمر، عقيمة التربة، والتي لا تأتي بخير هي وأمثالها، أينما حلوا.