خطط روحية

مع بداية كل عام نحضر الأوراق والأقلام ونخط أهدافنا وخططنا للعام الجديد أو المرحلة القادمة. وبعضنا يقسم الأهداف إلى أنواع مختلفة تبعاً لمجالات الحياة والاهتمامات: أهداف عملية، أهداف مالية، وربما أيضاً أهداف دينية. لكن ما طبيعة أهدافنا الروحية والفكرية؟ هل نضع لأنفسنا أهدافاً وخططاً لتحقيقها في هذه الخانة؟

ما أراه أن أكثرنا يحصر الأهداف “الروحية” في أهداف “دينية”. ثم يخنق الأهداف الدينية في عبادات. من قبيل ذلك مثلاً: قراءة القرآن (أو الانجيل) كاملاً، ختم القرآن مرة كل شهر، الصلاة لوقتها، صلاة النوافل، زيادة الصدقات، الصيام يوماً أو يومين كل أسبوع، قراءة صحيح البخاري، إلخ.

لكن هذه كلها ليست أهدافاً روحية بالمعنى الذي أريده هنا. بل وأزعم أن هذه الأهداف أحياناً ما تفسد حياتنا الروحية بدلاً من الارتقاء بها. لقد اصطفى الله أولى العزم من الرسل بعد رحلة روحية وفكرية تأهلوا بها لحمل الرسالات. فنبي الإسلام قضى أعواماً من عمره يعتزل شهراً كل عام للتأمل، فيصعد إلى جبل يرى من فوقه الدنيا والناس صغيرة بعيدة، ويرى الكون والنجوم في سكونها وحركتها. لم يقم النبي في حراء بصلوات معلومة ولم يتمتم بأذكار محفوظة، لكنها كانت رحلة تفكر حر في الكون. وموسى عليه السلام تقلبت به الدنيا بين القصور والجحور، بين الرخاء والشدة، والسفر ورعي الغنم في الصحراء ولا شك أن كل ذلك صقله صقلاً روحياً وفكرياً. وأبو الأنبياء إبراهيم تفكر في الكون وفي الألوهية، ونظر في الشمس والقمر والنجوم قبل أن يحمله الله الرسالة وينعم عليه بالحكمة. لسنا أنبياء، لكنهم قدوتنا. ورحلتهم الروحية والفكرية بدأت بالتأمل والتقلب في الحياة والأرض قبل تلقي الفروض العبادية من صوم وصلاة وزكاة.

نستطيع أن نحكم على مدى جودة حياتنا الروحية بيسر شديد، وهي الخطوة الأولى نحو أي هدف، وهي مرحلة التوصيف أو التشخيص. إن الفراغ الروحي هو حالة وجدانية يعرفها الكثير من الناس، وهي تدل على تأخر شديد فيما حققناه على المستوى الروحي. إن الروح هي جوهر الإنسان الحقيقي، والحياة بدونها معدومة الطعم والرائحة. إذا كانت أيامك وأفعالك خالية من المعنى، فأنت خال من الروح. إذا كنت لا تشعر بالألم والغضب لآلام البشر وما يقع عليهم من ظلم، فأنت متأخر روحياً. إذا كنت تنظر في الكون ولا يتحرك قلبك للجمال والإبداع في خلق السماء والأرض والناس، فأنت تشترك مع الملايين من الناس في التخلف الروحي.

أنا لا أستطيع أو أستسيغ الفصل بين الفكر والروح، بين الرقي الروحي ورقي الفكر. إن الفكر هو أداة الروح، كما أن اللسان هو أداة الكلام، واليد أداة البطش، والرجل أداة الحركة من موقع إلى غيره. ومن ثم فإن ترقية وتنمية الروح تبدأ بأداتها: ترقية وتنمية حياتنا الفكرية. الجهل عدو الروح. والجهل وتقدم الفكر لا يعنيان الشهادات الجامعية أو عدمها بالطبع. لكن أعراض الجهل تظهر في أشياء أخرى مثل ضيق الأفق، عدم القدرة على نقد الذات، لوم الآخرين، عدم الثقة في النفس، الغرور، استسهال الكذب… نعم للجهل علاقة وثيقة بسوء الخلق! هذه كلها كالسوس ينخر في كياننا الروحي فيدمره إذا لم نبدأ عملية الإنقاذ بوعي وجدية.

إن روحنا أو فكرنا هما حياتنا ذاتها. وتهميش هذا الجانب لوجه أهداف أخرى هو عبث يقضي على حياة الفرد. وماذا نملك غير حياتنا هذه؟ لا شيء بالمرة. ومن ثم فعلى كل عاقل أن يبدأ في التفكير والتخطيط لكي يخرج نفسه من الموت إلى الحياة ويخرج جسده من كونه جثة متحركة ويحوله إلى مركبة تتحرك عليها الروح في رحاب الكون والحياة وترى ما فيهما من إبداع وإبهار.

الوجه المظلم للتعود

إن التعود يفسد علينا أشياءً كثيرة. يفسد الإحساس ويعطل الفهم. نتعود على الكلمات في حملها للمعاني، فيبقى الصوت ويضمحل المعنى. وكأننا نستبقي الفاني ونترك الخالد كي يسقط في ظلمات من نسيان. غريب أمر العادة: قد تقبح إلينا الحسن، وتزين القبيح! ألا ترى إنساناً يعتاد وجود أحباب له محبين، فيضيق بهم بين الحين والحين، ولا يعبأ بحسن وجودهم! ثم ألا ترى إنساناً وجماعات تعتاد مشاهد القبح والظلم والعبث، فتراها في كل يوم كما الأعمى تتقلب عيناه في وجهه ولا يرى شيئاً! وحاشا لله أن أسخر ممن حرم نعمة البصر، لكن لي أن أقذع فيمن فقد ضرورة البصيرة!

لكننا لا ننكر منافع التعود. فهو الذي يهيء لنا أن نكتسب المهارات ونتعلم الخبرات، فيصبح العسير سهلاً مع تكرار الممارسة. هو خاصة إنسانية ضرورية لاستمرار الحياة وتراكم الخبرات وتقدم البشر. فهو ضرورة للحياة في جوانبها الآلية، أو اللاإرادية، لكنه حين ينسحب من النشاط الآلي إلى وجودنا الفكري والروحي يفسد وظائفهما ونشاطهما الحقيقي. نحن لا نستغني عن التعود في اكتساب المهارات البدنية مثل قيادة السيارة، ولا نستغني عنه في النشاط العقلي الآلي مثل تعلم اللغات واكتساب المهارات العقلية. لكنه حين يمسك بالفكر والروح يصبح مصيبة تدمر خصائص الإنسان وإمكاناته التي تميزه وتفضله على كثير ممن خلق الله.

إن المسلم يعتاد سماع آيات القرآن حتى يصبح مغيباً عن معناها. وقد أذهلني أحياناً وأنا أحاور البعض أنهم يحفظون الآيات لكنهم لا يكادون يفقهون معناها. علينا أن ننقذ أنفسنا وأفهامنا وحياتنا أن نكون كالحمار يحمل أسفارا. نرى الأشياء ولا نراها، ونردد الأفكار والشعارات وكأنها زائدة كلامية لا تمثل جزءاً حياً من كياننا المعنوي. أسوأ العلم هو ما يرقد ميتاً في جوفنا حتى تتعفن رائحته. إن العادة أحياناً ما تيسر لنا أن نقتل المعاني ونلقي بجثتها خارج قلوبنا ووعينا دون أن يطرف لنا جفن!

كيف ننقذ أرواحنا من أن تتحول إلى مقبرة للجثث المتعفنة تتبعثر فيها أشلاء المعاني النبيلة والأفكار الجميلة؟ إنه لا ينقذنا إلا الفكر والتفكر. لا مفر من فتح النوافذ كي نجدد الهواء. أترى، “نجدد” الهواء! التجديد فضيلة مادية وروحية، لولاها لفني الكون. جسدنا ذاته مسرح يومي للتجدد، حيث تموت الخلايا وتولد غيرها، ولو توقف هذا التجدد لتوقفت حياتنا على الأرض. لابد أن نرى ونتعلم ونقرأ أشياء مختلفة ومخالفة لما نعتاد عليه، بل ولما نؤمن به. إن التعود في وجهه القبيح هو بقاء كل ما حولنا على ما هو عليه. ومن قبح الفساد السياسي أنه يجعل الشعوب سجينة الموجود، لا أمل في تغيير المعتاد أو تحسينه. إن أجمل رؤى الدكاترة والطغاة هي أن تعتاد شعوبهم كل شيء حولها. حينها يصبحون مطية سهلة يقودها الرعاة حيثما تشاء أهواؤهم وطموحهم المالي والسياسي. يتحول الناس مع اعتيادهم على السوء إلى آلات يمكن التنبؤ بسيرها ومسيرها. لو لم يخرج الفرد نفسه من غيبوبة التعود لحكم على نفسه وجماعته بالفناء الروحي وأصبحوا جميعاً أجسادً ميتة تمشي على الأرض فلا تتغير حولها الأرض، وكأنهم قطعان مسكينة تحوطهم كلاب الحراسة، تأكل وتشرب حتى يأتي يوم يعن للراعي أن يذبح أحدها!

أمنيات الكتب

منذ وقت قريب بدأت في متابعة مدونة سردال، بعد أن يسر لنا قاريء جوجول وسيلة أكثر ذكاء وسرعة في متابعة ما نحب من مدونات. وفي تدوينة غير بعيدة اقترح كاتب المدونة أن ينشر كل منا قائمة الكتب التي يحب شراءها على موقع أمازون الشهير لبيع الكتب. والموقع يتيح لمستخدميه هذه الخاصية بالفعل، ألا وهي إنشاء قائمة بالكتب التي يود المستخدم شراءها في المستقبل Wish List. وقد بدأ بتلبية الاقتراح صديقاي في التدوين د. إبراهيم عبد الغني ثم علي أبو طالب. ولأن مثل هذا الاقتراح يمس مشاعرنا نحن معشر محبي الكتب، فقد لاقى هوي في النفس. ثم شجعني صديقاي في العالم الافتراضي على الإدلاء بدلوي في بئر الأماني المعرفية الذي لا حد لعمقه، ولا تكفي أعمار وأعمار للتجول في أنحائه جميعاً!

وقبل أن أنشر الوصلة لقائمة أمنياتي الخاصة فلابد لي من بعض الحديث على سبيل المقدمة. أما القائمة فأنا لم أقم بإنشائها في وقت حديث، فلقد ولدت مع بداية عهدي بموقع أمازون، ولذلك فسوف تجد أن قائمتي تغطي ثماني صفحات كاملة. فقد كنت أضيف إليها شيئاً كلما رأيت كتاباً في مكتبة أو على الموقع وشعرت أنني أحب اقتنائه في وقت قريب أو بعيد. أما النفع من نشر هذه القائمة فله وجهان في رأيي. الأول هو اطلاع على اهتمامات صاحب كل قائمة، فما نختار من كتب يفصح ولا شك عما نحمله في عقولنا وقلوبنا من أفكار ورغبات وهموم. أما وجه النفع الثاني فيتمثل في تعرف كل منا على كتب ربما أحب إضافتها وقراءتها ذات يوم. فالحياة واسعة ولا يستطيع إنسان واحد أن يلم بكل ما فيها من مصادر الخير وأسباب العلم.

أما ملحوظتي الثانية فهي أن هذه القائمة إنما تمثل اهتماماتنا الكتبية باللغة الانجليزية فقط. ولو كان موقع أمازون يبيع كتباً عربية لشملت القائمة ولا شك منها شيئاً كثيراً. وأنا شخصياً طالما تمنيت وحاولت أن أجد موقعاً مشابهاً لأمازون لبيع الكتب العربية. وكلما جربت موقعاً عربياً صدني عنه شيء. فأسعار الشحن – على سبيل المثال – غير معقولة على هذه المواقع. وقد تظن أن الشحن مرتفع الثمن لأن البائع في بلد عربي والمشتري عبر المحيط في الولايات المتحدة. غير أنني كثرما اشتريت كتباً من موقع أمازون الفرنسي، وكان يتم شحن الكتب عبر المحيط أيضاً من فرنسا، لكن أسعار الشحن كانت مناسبة تماماً. ولا أعتقد أن المسافة بين فرنسا ولبنان أو مصر هي التي تضاعف تكاليف الشحن هذه الأضعاف المضاعفة!

على كل، هذه قائمتي. أما أمنيتي- قبل الحصول على هذه الكتب من القائمة – فهي أن أنهي
أولاً قراءة كل ما اشتريته فعلاً من كتب! (لا سيما بعد ما نهلته من سيل الكتب).

تسلق الكلمات نحو السماوات

للإنسان أن يتخذ من الكلمات مصعداً نحو سماء رحبة، وشمس نورها مشرق، كنور الصبح، يكشف آفاق الكون، لا يغشى البصر أو يحرق البشر. فالكلمة عجيبة من خلق الله، مادتها صوت مجرد، يُبطن إشارات وإيحاءات تجيد لغة النفس ولغة العقل ولغة القلب. وهي لغة أخرى غير ما ننطق، قوامها معنى خالص لا مادة له.

قد يتخذ الإنسان من الكلمة سلماً نحو وجه الله، أو مهبطاً في قاع الشيطان.

وقد تأتيه الكلمة فتحاور قلبه وتستميله إلى النور، ولكنها تفر من بعد، فلا يستطيع المرء لها إمساكاً أو إبقاء. وكيف يمسك معنى لا مادة فيه؟ إن الإنسان لا يعرف غير إمساك باليد، أما إمساك بالعقل أو بالقلب فذاك مجال جهد واجتهاد!

إن الكلمة حديث للشيطان، أو تلاوة من قرآن!

والكلمة تحجب الإنسان عن ذاته؛ تُزين زلاته، وتنمق كذباته، فتفسد حياته.

إن الإنسان لتوقظه كلمة وتغفله كلمة.

والنفس يعبرها كلام من نور وكلام من نار، ولا تعلم كيف تمسك النفس ما تمسك، وتجحد ما تجحد.

والكلمة تطيب النفس، وتنفث السم. يظلم بها كون الإنسان، أو تشرق فيه أضواء تذهب الهم والحزن.

كلمة النور تفلت من قلب أو تبقى فيه. تشح أو تغدق. وليس للإنسان عليها من سلطان. فهي هبة من الله، يعطيها من يشاء، ويستبقيها لمن يشاء.

هدية بوسع الكون

لعلك تعلم أنه لا وجود للكون إلا من خلال وعي الإنسان به. وما لا نعرفه أو نعيه فهو في حكم المنعدم. فالوجود إذاً نسبي. وللكون تجليات مختلفة، بعدد أبناء آدم. فما هو حجم كونك الذي تحيا فيه؟ أواسع شيق، أم ممل ضيق؟

ينكمش كوننا أو يتسع جزاء لما نفعله ولما نفكر فيه. أرأيت كيف يزداد عالمك رحابة حين تقرأ كتاباً جميلاً، أو ترى فيلماً مؤثراً ومثيراً للعقل؟ ويرحب عالمك أيضاً كلما تواصلت مع إنسان يثريك الحديث معه والقرب منه، وحين تخرج نفسك من الحيز الضيق المألوف الذي تحيا فيه، وتنطلق إلى مكان جديد أو تجربة مختلفة. وتزيد أشكال ودروب الفن الجميل من مساحة عالمك الداخلي. والفنون الإنسانية، ومعها مظاهر الجمال في الكون تطل على حواس الإنسان المختلفة فتمر إلى داخل وعيه وإدراكه الوجودي وتبث فيه النعمة والبشرى. فالموسيقى أو التلاوة الجميلة للقران تطرب السمع، والصور البديعة والرسم، أو الطبيعة الجميلة تسر البصر، والعطر وروائح الزهور تتمتع بها حاسة الشم، والجو اللطيف ونسائم الهواء تلامس جلدك فتبث في نفسك نشوة لا تعرف لها كنهاً يصفه الكلام. وكل هذه الحواس هي كالروافد للنهر الذي تجري به حياتك ويسبح فيه وعيك وشعورك، فهي جميعاً، على اختلاف طبيعتها، تصب في وجودك أنت وخبرتك بالعالم. ويختلف الإنسان عن النهر في كونه يتحكم في هذه الروافد إلى حد بعيد، وله أن يصب فيها ماء فاسداً ملوثاً، أو ماء نقياً مثمراُ. وله أيضاً إن شاء ألا يصب شيئاً بالمرة، حتى يجف النهر وتتشقق أرضه جوعاً وعطشاً!

لكنك لا تنجو مما تجهل بتعاميك عنه وغفلتك عن وجوده. ولن يكون لك أن تنهل من خير غاب عنك حضوره. فإن الطوفان الذي يسرع الخطى نحو بيتك لن يتغاضي عنه لأنك لم تعلم أنه في الطريق. ولن يكون لك نصيب في كنز دفن تحت أعتاب بيتك إن لم تسأل عنه تراب الأرض، وتحفر وتستكشف!

فما تعطي لنفسك؟ وما تهدي غيرك إن أردت عطاءً لحبيب أو قريب؟

أعطهم وإياك ما يرحب به عالمهم. أعطهم ما تلذ به عقولهم، وتلين به قلوبهم، وتصح به أجسامهم. أعطهم ما ينفعهم بعد فناء اللحظة وفتور الزمن. فلسوف تتوقف الأرض عن الدوران، وتكف الشمس عن الشروق في كل صباح. استمع لقول ربك وهو يقول لك أن تفعل وتعطي ما ينفع الناس، فيمكث في الأرض. فلسوف يذهب الزبد جفاء. سوف يفنى مال أنفقته في لذة لحظة تخلف ضرراً أو لا تصلح عملاً. وما ينفعك أو ينفع غيرك برشفة سيجار أو التمخطر بآخر موديل من محمول أو مركوب؟! لن يجني منه إنسان غير ماء في لفحة القيظ مسكوب!

الحاجة أم البحث

العنوان أعلاه تنويعة على الكلمة الشهيرة “الحاجة أم الاختراع”. وأنا لم أخترع شيئاً هاهنا، ولكن رغبتي وحاجتي دفعتني للبحث عن أشياء، فوجدتها. ثم رأيت أن أعطيك ما وجدت، فربما لم تجده من قبل أو لم تفكر في البحث عنه. ولا أدعي أن ما وجدته يتمنع على الباحث إيجاده، فهو يسير قريب المنال لكل من يستخدم الانترنت ويعرف الطريق إلى بوابته الشهيرة جوجول!

والواقع أننا كثيراً ما لا نبحث عما ينفعنا لسبب بسيط، هو أننا لا ندرك وجوده!

أما ما كنت أبحث عنه فهو أحاديث علم باللغة العربية. والحكاية أنني أقضي أوقاتاً على مقعد القيادة، وهنا في الولايات المتحدة يشيع شكل جميل من أشكال الأدب والفكر هو الكتب المسموعة. ولا تجد كتاباً مشهوراً لم يصدر ككتاب مسموع. ويغلب أن يقرأ عليك الكتاب من كتبه، وأحياناً ما يقرأه ملق محترف. وقد تعرفت إلي الكتب المسموعة، فأضحت صاحباً لي إذ أقود سيارتي وحيداً بلا صاحب. وقد وجدت أن صحبة الكتب المسموعة أعمق لذة وأوفر ثمراً من تمضية الوقت في سماع الأغاني والموسيقى. وبعد أن قضيت وقتاً مع كتب مسموعة أمريكية البلد إنجليزية اللغة، اشتقت أن أستمع إلى كتب عربية. وأنت تعلم أن ذلك مطلب عسير. فالشكل الوحيد القريب من ذلك لدينا هو الاستماع إلى الشرائط الدينية، وقد يتبعه الاستماع إلى برامج الراديو التي تختلف مواضيعها. وأنا أعلم أن الكتب المسموعة فن غير شائع لدينا، فأدى بي ذلك للبحث عن المتاح، فبدأت بالاستماع إلى مجموعة عمرو خالد، إذ تتميز بتوفرها على موقعه في ملفات يسهل نقلها على سي دي ومن ثم الاستماع إليها في السيارة. وقد أدى ذلك لتحول في رأيي ورؤيتي لعمرو خالد كما أوضحت ذلك في تدوينة سابقة.

ثم أنني أردت أن أستمع إلى شيء آخر بالعربية، فوجدت موقعين جميلين ووجدت عليهما ثروات معرفية متاحة لمن يحب. أما الموقع الأول فهو موقع الشيخ الشعراوي، وعليه ملفات تحوي تفسيره الكامل للقرآن.

والموقع الثاني هو موقع الشيخ محمد الغزالي.

وكلا الموقعين يحويان كثيراً من إنتاج الشيخين من كتب أو محاضرات صوتية. وللشيخ محمد الغزالي مكانة ومكاناً خاصاً عندي. وقد أكتب قريباً في مدونتي عن قصتي مع الدين، وأذكر أن كتابات محمد الغزالي كانت هي السبب المباشر لقبولي للإسلام قبولاً شخصياً ومباشراً. فقد ولدت مصرياً مسلماً كما قد يوحي إليك اسمي، غير أنني في أوئل العشرينيات من عمري ضقت بحمل الدين ميراثاً مجتمعياً وعائلياً، وقررت فصل نفسي عن ديني الموروث، ثم تحرر عقلي من أوهام كثيرة وأغلال، فقبلت الإسلام ديناً بعد أن وجدت أن الرسالة في نقائها وحقيقتها إنما تتوافق مع فطرتي الإنسانية بل وتعمقها وتطهرها. ولم يكن ذلك إلا بداية على هذا الطريق. وأكرر أن محمد الغزالي كان هو من نقل لي رسالة الإسلام نقية من شوائب وأثقال التدين المعاصر.