خطبة شدوية: التفاؤل و”قانون الجذب” في الإسلام

هذه ثاني خطبة أتيح لي أن ألقيها على مسامع جماعة المسلمين في مدينة إثاكا في شمال ولاية نيويورك. لم أخطط من قبل أو أتصور أن أقف موقف خطيب الجمعة. ولوقوفي هذا الموقف قصة يعلمها من تابع هذه المدونة. والحق أن تصاريف القدر لا تعبأ بما تتخيل أو تتصور – إلا بقدر معلوم (نعم: يعبأ القدر – كثيراً أو قليلاً – في بعض الأحيان بما تتخيل وتتصور، بكيفية سبق بها قول الخالق وتقديره). لن أخفي عليك أنني تخيلتني أتكلم في الناس، غير أن خطبة الجمعة كمناسبة للتحدث إلى الجماعات لم ترد لي على خاطر. فالقدر يعبأ بما تتصور، ثم يهيء لك منه أشياءً على غير توقع منك، وبكيفية لم تدر بخلدك. ويتصل هذا المعنى اتصالاً وثيقاً بموضوع خطبتي الثانية التي أعرضها عليك اليوم. سوف أقدم أولاً عرضاً بالعربية لمعانيها، ثم أورد في آخر هذه التدوينة وصلة لتحميل التسجيل الصوتي للخطبة بالانجليزية.

تحذير: سوف تكون هذه أطول تدوينة كتبتها. فلم أر من المناسب أن أقسمها على أكثر من تدوينة حتى تتماسك الفكرة. فإن مللت من تكملة القراءة فأرجو أن تقرأها على مراحل!

الخطبة: عن التفاؤل في الإسلام نتحدث

الإخوة والأخوات، أود أن أبدأ خطبتي اليوم بسؤال بسيط، وهو: هل سألتم أنفسكم من قبل لماذا ينجح بعض الناس في حياتهم، ويفشل آخرون؟ هل لاحظتم في وقت ما أن حياة المتفائلين والسعداء تبدو أيسر وأجمل، بينما تبدو المصائب وكأنها تستهدف المتشائمين دوناً عن غيرهم؟

لقد صدر كتاب يحاول أن يجيب على هذه الأسئلة، وكان عنوانه هو: “السر” The Secret! وقد لاقى نجاحاً كبيراً. ووفقاً لهذا الكتاب فإن السر في نجاح البعض وسعادتهم يكمن فيما يسمى: “قانون الجذب” The Law of Attraction.

فما هو “قانون الجذب”، وهل ورد ذكره بأي شكل في ديننا؟ سوف أطلعكم على السر وأخبركم عن ماهية هذا القانون، وسوف أبين أن هذا السر في الواقع، أو “قانون الجذب”، والذي تمت الإشارة إليه في القرآن وفي سيرة النبي وأحاديثه بأبسط العبارات، هذا القانون هو في الواقع ضرورة لحياة إسلامية حقيقية. هو لازم لحياة المسلم الداخلية، إن كان مسلماَ حقاً ومؤمناً بالله ورسوله.

علينا ألا ننسى أن المسلم لا يكون مسلماً فقط بمظهره، ولا حتى بأفعاله. نعم لا شك أن العمل بالغ الأهمية في الإسلام، غير أنه لا قيمة له دون أساس نفسي وروحي. ولهذا تحظى “النية” بمكانة بالغة الأهمية في تعاليم الإسلام. فالنية هي ما قد يباعد بين عملين متطابقين في الظاهر كبعد السماء عن الأرض. تأملوا مثلاً فعل الصلاة. ففعل الصلاة واحد بحركاته وأقواله. لكن الله يرفع من يصلي لوجهه، ويلعن من يصلي مراءاة للناس:
“ويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراءون.”
من أجل ذلك علينا أن نهتم لما في أنفسنا، لعالمنا الداخلي، فهو محك الإيمان. يحتوي عالمنا الداخلي هذا على أشياء كثيرة، ففيه معتقدات، ومشاعر، وصور وذكريات، وآمال وأحلام، وتوقعات، ومخاوف… هذا بعض ما تحويه هذه الحياة الداخلية، وهي أشياء يجب أن نوليها اهتمامنا وأن نحاول تطويعها لتعاليم ديننا. علينا أن نسلم لله حقاً، في باطننا وظاهرنا. ولن يتسنى لنا أن نلسم لله حتى نستطيع توجيه عالمنا الداخلي والتحكم فيه.

أود أن تتذكروا هذه المعاني وأنا أخبركم عن ماهية “قانون الجذب”. هو قانون في غاية البساطة، فهو يوضح أن الإنسان يجتذب ما يفكر فيه، ويحصل على ما يتوقعه. أي أن عالمك الخارجي يتشكل ويستجيب لعناصر عالمك الداخلي من أفكار وتوقعات. هذا هو السر في نجاح البعض وسعادتهم دوناً عن آخرين. وهذا المعنى وربي يتحدث به القرآن، ونجده في حديث النبي (ص) وسنته. فأنت إن تشاءمت، فلن تخيب ظنونك، وسوف تلقى من الحياة ما لا تحب! ومهما بذلت من جهد في إطار من التشاؤم واليأس، فلن يأتي عملك بأية ثمار طيبة.

فما قول تعاليم الإسلام في هذا القانون؟ لقد ورد عن نبي الإسلام (ص) أن الله يقول في حديث قدسي: “أنا عند ظن عبدي بي”. ورد ذلك في بداية حديث قدسي، وغالباً ما يهتم المعلقون ببقية الحديث ولا يولون هذه الكلمات ما تستحق من عناية، لكن هذه الكلمات تحديداً هي ما أريد أن نتوقف عندها. ففيها “قانون الجذب” بأكمله، في كلمات قليلة. غير أنها تشير لحقيقة هذا القانون بشكل أصدق. فما يستجيب لتوقعاتك ليس قوى كونية مجهولة الهوية، ولكنه قانون إلهي وضعه الله في الحياة. فحينما تأمل في الله خيراً، وتثق في كرم عطائه، فلا شك أنه تعالى سوف يعطيك عطاء الكريم وسوف يأتيك بالخير. أما لو يئست وتشاءمت، فلسان حالك يقول لله: أنا لا أثق فيك! فإن “الكريم” من أسماء الله وصفاته، ولو غاب في نفسك الرجاء في هذا الكرم، فلا يعني ذلك في واقع الأمر إلا ضعف ثقتك أنه حقاً “كريم”! هل تدركون خطورة هذه الحالة النفسية؟ والآن فلنتفكر قليلاً في معاني أسماء الله وصفاته، فإن الله هو “الغفور”.. “المعطي”.. “الرزاق”.. “النور”.. “الكريم”.. “الرحيم”.. “الفتاح”.. “العدل”.. “الصبور”.. “الشكور”.. “الودود”.. “المغني”.. “الهادي”. تذكر أنك إن خفت الفقر، فأنت في الواقع لا تؤمن أنه جل شأنه هو “المغني” و”الكريم” و”الرزاق”. وإن خفت ضياع جهدك دون المرجو من ثمار طيبة، فإيمانك ما زال زائفاً بأنه هو “الفتاح” و”الشكور”، فهو يفتح لك الأبواب والفرص، ويجزيك خيراً عن كل ما تحسن من عمل:
“إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً”
وإن خفت ظلم البشر وجورهم على حقك، فإنما تنسى أن الله هو “العدل”. وإن غلبت عليك الحيرة وضل عنك السبيل، فقد غابت عنك صفة الله “الهادي”.

منتصف الخطبة، الدعاء.

الإخوة والأخوات، لقد تحدثت إليكم حتى الآن عن “قانون الجذب”، ومعناه أنك تحصل على ما تتوقع، ويفسر بذلك سبب تعاسة المتشائم وسعادة المتفائل. وأشرت إلى بعض ما ورد في تعاليم الإسلام من إشارات إلى هذا القانون. وفيما يلي أحب أن أواصل عرض ما ورد في القرآن وفي سنة النبي (ص) من إشارات لـ “قانون التفاؤل”، كما أحب أن أسميه.

أرجو ألا تنسوا أن الهدف من هذا الحديث هو إثبات أن المسلم ينبغي أن يكون إيجابياً في الفكر والعمل، وأن يكون تركيزه على الجوانب الإيجابية دوناً عن السلبية. فهكذا يجدر بالمسلم أن يشكل عقله، وأن يبني عالمه الداخلي.

تأملوا هذه الآية الجميلة من سورة البقرة:
“إن الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا”
هل عقلتم هذه المعاني! هذه رسالة من الله إلينا: أن الفقر ليس إلا وعد من الشيطان، في حين أن وعد الله هو المغفرة والفضل والسعة. فأي الوعدين نصدق؟؟!! هل نصدق الله، أم نصدق الشيطان! لنتذكر جميعاً أن الفقر في حقيقته لا يعني قلة المال، فنقص المال ما هو إلا مظهر مادي. إن الفقر في جوهره ما هو إلا حالة عقلية ونفسية. وإن فقراء العقل والنفس المقيمون في هذه الحالة الوجدانية إنما يتبعون الشيطان ويضلون عن سبل الرحمن. وعقلية الفقر هي ما تؤدي إلى مرض البخل. فقد ترى رجلاً يملك الملايين، ولكن عالمه الداخلي بائس وفقير. بينما تجد أن المؤمنين بالله حقاً يحبون العطاء، ولو كان المال في أيديهم قليلاً، وذلك ليس إلا إشارة لكونهم لا يعيشون عقلية الفقر. وهو ما يفسر أيضاً مثل رسول الإسلام (ص) الذي كان يعطي عطاء جعل أصحابه يخبرون عنه أنه كان “يعطي عطاء من لا يخشى فقراً”. فهذا هو مثل النبي الذي لم يكن يملك من المال الكثير كما نعلم، لكنه كان يعيش في حالة أو عالم داخلي يفيض بالثراء والسعة.

دعنا ننظر في إشارات أخرى “لقانون التفاؤل” في الإسلام. لقد أشرت من قبل للحديث القدسي: “أنا عند ظن عبدي بي”. كذلك ورد عن النبي (ص) قوله: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة. والآن تخيلوا معي الحالة الوجدانية لإنسان يصدق تماماً هذا الحديث. تخيل أنك تدعو الله وتسأله حلالاً من طيبات رزقه، ثم تمضي في حياتك واثقاً أن كرم الله ورحمته سوف يحققان لك ما تبغي. تصور قدر ما يملأ نفسك في هذه الحالة من قوة وأمل وحماسة. لا شك أن الله لن يستجيب لدعائك بين عشية وضحاها، لكنك إذ تدرك ذلك توقن أيضاً أن الله قد سمع دعاءك وأجابه، ومن ثم تختفي مخاوفك. تخيل مثلاً، ولله المثل الأعلى، أن عندك مشكلة تؤرقك، ثم أتيح لك أن تقابل رئيس الجمهورية نفسه (نسيت أن أوضح في هذا المثل أن رئيس الجمهورية المعني ليس رئيساً عربياً!!)، ثم وعدك الرئيس (غير العربي!) وعوداً حسنة بحل مشاكلك. كيف لك أن تشعر وأنت ذاهب عنه، بعد هذا اللقاء الواعد؟ ألن تكون مستبشراً بالخير، بشراً يبث في نفسك الطاقة والحبور؟ قد يوضح لنا هذا المثل أن حالتنا الوجدانية لا ينبغي أن تكون أقل من ذلك بأي شكل بعد التوجه لله داعين سائلين للخير.

أحب أيضاً أن أحدثكم عن آية تدعو للتأمل والدهشة في سورة الإسراء، وهي:
“ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير، وكان الإنسان عجولا”
لقد لفتت هذه الآية نظري بشدة. هل نطلب نحن بني آدم الشر لأنفسنا تماماً كما نطلب الخير؟! إنني أعتقد أن هذه الآية تؤكد ما يذهب إليه “قانون الجذب”. وظني أن معنى الدعاء فيها قد يكون: التوقع. فالإنسان حينما يملأ نفسه التشاؤم وتوقع الشر فهو كالداعي بهما لنفسه. التوقع أو الظن هما حالة من الدعاء الخفي. تربط الآية أيضاً – في إشارة خطيرة الشأن – بين الدعاء بالشر والعجلة، “وكان الإنسان عجولا“. لاحظوا أن التشاؤم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنفاد الصبر. فالمتشائم يفقد الأمل بسرعة شديدة عند قدوم المشاكل والتحديات. بينما لا يمكن أن يتوطد الأمل دون صبر. فالمتفائل يدرك تماماً أن الحلول لا تأتي حال تمنيها بشكل فوري، هذا ما يدركه تماماً كل عاقل ذو نظرة إيجابية للحياة، ولذلك لا تصيب أمثال هؤلاء العجلة، ولا ينظرون تحقيق ما يرجونه بصبر نافد.

هنالك أيضاً عبرة نستطيع استنباطها من وقت عصيب مر به النبي وأصحابه، إبان معركة الخندق. فقد كانت جماعة المسلمين في المدينة في انتظار تحالف من الأعداء، كبير العدد والعدة، يسيرون نحوهم ولا يبغون إلا تدميرهم ودولتهم الوليدة. كان النبي وأصحابه هم الطرف الأضعف في ميزان واقعهم الصعب. حينها اقترح سلمان الفارسي شق خندق حول المدينة، ليحول بينهم وبين من لا قبل لهذه الجماعة به من أعداد غفيرة من المحاربين. اجتمع الرجال خلف الخندق، وتركوا وراءهم نساهم وأولادهم، وأوصوهم بالبقاء في المنازل والتحسب لدخول الأعداء إذا انهزم الرجال أمامهم وقتلوا. فلتبق النساء خلف الجدران ويتأهبن للدفاع عن أنفسهن إذا ما تمت إبادة رجالهن. يا له من حال شديد القسوة والصعوبة! لكن انظروا للفتة صغيرة صدرت عن النبي (ص). فقد كان يضرب بمعوله في الصخر، فانبثقت شرارة رأى فيها شيئاً وأخبر به أصحابه. ليس هذا الموقف الصغير في هذه الظروف بالذات محض عبث أو صدفة. فقد أخبر أصحابه، وهم في خضم هذا الغم والترقب، أنهم سوف يغزون فارس، أحد أقطاب العصر في القوة والنفوذ. في هذه الظروف! لقد يبدو ذلك كأمل مستحيل، ما كان هؤلاء الرجال يجرؤون حتى أن يحلمون به! لكن فكروا في أثر هذه النبوءة عليهم، فهم يصدقون النبي وأنه لا ينطق عن الهوى. إن من شأن هذه النبوءة أن تبث في أنفسهم آمالاً مشرقة، وترفع توقعهم للمستقبل إلى عنان السماء. لقد كانوا في أمس الحاجة إلى مثل هذا الأمل لكي يستطيعوا مواصلة العمل والاستمرار في المحاولة. إن في هذا مثال شديد الوضوح عن كيفية استغلال النبي (ص) لـ “قانون الجذب” أو “قانون التفاؤل”. فخلق الأمل والتوقع الحسن في نفس الإنسان يملأ قلبه بالقوة والقدرة على العمل.

والآن أحب أن أختم هذا الحديث بمثال جميل من قصة يعقوب عليه السلام في سورة يوسف، وفيها قصص يوضح كيف يحتفظ المؤمن بروح التفاؤل والأمل. لقد غاب يوسف عليه السلام عن أبيه ما لا يقل عن عشرين عاماً، وربما خمسة وعشرين أو حتى ثلاثين، من يدري. لكن انظروا في موقف يعقوب عليه السلام بعد غيبة ولده المحبب إلى قلبه يوسف كل هذه السنوات، وقد تقدم يعقوب في العمر، ثم ها هو الآن يفقد ولده الآخر المحبب إلى قلبه، الأخ الأصغر ليوسف! فما يقول يعقوب لبنيه في مواجهة هذه المصيبة الجديدة؟
“يا بني اذهبوا وتحسسوا من يوسف وأخيه، ولا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون”
في هذه الآيات نقرأ قصة التفاؤل في الإسلام كأتم ما تكون. تستطيع أن تأمل في أشياء تبدو مستحيلة، ولكن عليك أن تعمل على تحقيقها. فيعقوب هنا يطلب من أبنائه أن يذهبوا ويعملوا، ويبحثوا وهم في حالة من الأمل في رحمة الله، رغم أن البحث عن يوسف بعد كل هذه السنوات يبدو مستحيلاً ومنبت الصلة بأي منطق معقول. لكن هكذا يكون الأمل في نفوس المؤمنين الصادقين. هو أمل يصاحبه عمل إيجابي.

الإخوة والأخوات، دعوني أختم خطبة اليوم بتذكير نفسي وإياكم أن الأمل يحفز على العمل، بينما لا يؤدي التشاؤم إلا للكسل والقعود. نحن بحاجة أن نركز على هذه الحقيقة لكي نطبقها على المستويين الداخلي ثم الخارجي. علينا أن ندرب أنفسنا على الاحتفاظ بأمل لا يتزعزع في رحمة الله وكرم عطائه، أمل يحفزنا على الاستمرار في العمل لخير أنفسنا ولخير الإنسان في كل مكان، حتى نستطيع القيام بدور الإنسان كخليفة لله في أرضه.

ثم اخترت ما يلي من دعاء رسول الله (ص) لختم الخطبة قبل الصلاة:
اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن، ونعوذ بك من العجز والكسل، ونعوذ بك من الجبن والبخل، ونعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك.
اللَّهمَّ أَصْلِحْ لنا دِيننا الَّذي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنا، وأَصْلِحْ لِنا دُنْيَاناَ التي فِيهَا مَعَاشنا ، وَأَصْلِحْ لنا آخِرَتنا الَّتي فِيها معادنا، وَاجْعلِ الحيَاةَ زِيادَةً لنا في كُلِّ خَيْرٍ ، وَاجْعَلِ الموتَ راحَةً لنا مِنْ كُلِّ شَرٍ.

ملحوظات ختامية:

1. تستطيع الاستماع للتسجيل الصوتي لهذه الخطبة هنا. والتسجيل الصوتي يحتوي في النهاية على بعض الحديث المرتجل الذي لم أسجله هنا، فقد ترجمت النص المكتوب للخطبة فقط.

2. لمن استمع إلى الخطبة الأولى، أحب أن أعرف تقييم الإلقاء وهل هو أفضل في الخطبة الأولى، حيث سجلت نقاطاً وارتجلت الحديث، أم في هذه الخطبة حيث كتبت النص وقرأته. وما فعلت ذلك إلا لخوفي من عدم تمكني من اللغة.

3. بعد هذه الخطبة تراءت لي أشياء كثيرة تتصل بذات الموضوع، حتى تصورت أنه بحاجة إلى كتاب منفصل، لو أنعم الله علينا لشرعت فيه إن أذن. بل وفكرت أن أفعل على غرار عبد الله المهيري وأجرب عمل حلقات صوتية لمواصلة الحديث عن هذا الموضوع. عموماً سوف نرى، ولا يبخلن مقترح بمقترحه، ولا صاحب دلو بالإدلاء به!

4. لا يحسبن قاريء أن كاتب هذه الكلمات هو رجل يفيض تفاؤلاً وأملاً في الحياة! فلو عشت أنا مصداق هذا الحديث منذ عقد من الزمان لتغيرت قصة حياتي تغيراً تاماً، غير أن هذه معاني أؤمن تماماً في صحتها وأود أن أعمل على التخلق بها، وهو سعي غير يسير وجهاد متصل، لكن ثماره وفيرة وتستحق العمل لأجلها.

شدو يخطب في الناس: الأخوة في الإسلام

تحدثت منذ فترة عن خطبة الجمعة التي حاولت خنقي في أمريكا. ثم ذكرت جانباً من توابعها وما تلاها. غير أنني لم أذكر واحداً من هذه التوابع في حينه، وهو أن هذه الخطبة أدت لإلقائي خطبة الجمعة بعد ذلك ببضعة أسابيع! والذي حدث – لمن يذكر الموضوع أو يحب العودة إليه – أنني بعد الخطبة عبرت عن استيائي الشديد، وقلت فيما قلت أن أي إنسان عاقل سوف ينفر من مثل هذا الفكر، وركزت على كوننا في بلد غربي غير مسلم، وأن أي مستمع أتى محاولاً فهم هذا الدين فسوف يكون معه كل الحق إن خرج منه نافراً ولأفكاره مستحقراً! ثم تأكد لي ذلك حينما التقيت مع رجل أمريكي مسيحي بعد الخطبة مباشرة فأعرب عن اندهاشه لما سمع واطمأن بعد أن رأى أن مسلماً أو أكثر قليلاً ينفرون أشد النفور من هذا الفكر ويرونه مخالفاً لحقائق دينهم. في الجمعة التالية ذهبت لصديقي الذي حاورته وأخبرته بما سمعت من الأمريكي المسيحي، في محاولة لتأكيد صحة ما ذهبت إليه. وكان صديقي هذا يخطب الجمعة أحياناً، فاقترح مشكوراً أن ألقى الخطبة بدلاً منه بعد أسابيع قليلة. فتترددت قليلاً ثم قبلت. والحق أنه طالما طاف بذهني من قبل أن هنالك مواضيع أحب أن تذكر على مسامع جماعة المسلمين هاهنا، بل وفكرت أن أكتب خطبة وأعطيها لصديق كي يلقيها نيابة عني، فما يهمني هو وصول الفكر بغض النظر عن أداة التوصيل. لكن حينما جاءت الفرصة ومع إلحاح وإقناع الصديق، غلبت علي طبيعتي المحبة للتجريب فقررت الإقدام، وكان ما كان!

حينما علم بعض أصدقائي بدأت التحذيرات! فإن لي آراءً في الدين كثيراً ما تزعج المؤمنين المخلصين ممن ولدوا مسلمين. ولا يفتأ استياؤهم يدهشني، إذ لا أرى فيما أقول إلا منطقاً متوافقاً تماماً مع الوحي وحقائق الرسالة. لذلك لم أتقبل بصدر رحب تحذير صديق ألا أقول خطبة تحوي فكري الديني – الغريب وربما المبتدع إن شاءوا – وأن أعرضها عليهم قبل أن ألقيها، فغمغمت باقتضاب ألن أفعل، و.. “أنا أعي ما أقول”! لم يكن غروراً لكنها خبرة أعوام بالدين كما أنزل، وبإيمان أهله به كما شبوا عليه!

حاولت أن أتحدث في أمر قريب من قبول المستمعين، على أن أعالج واحداً من أمراض جماعة المسلمين، وأعرض لما أراه شيئاً من أساسات الدين الذي احتفظ المسلمون باسمه وجحدوا معناه، فتحدثت عن الأخوة في الإسلام. والحمد لله تقبلها الناس بقبول حسن. وقد رأيت أن أسجلها حتى أستطيع العودة إليها وتكشف أخطائي، لا سيما أنها كانت باللغة الانجليزية، وهي لغة لم أتعلمها إلا في المدارس الحكومية المصرية، ثم بالقراءة والحياة في أمريكا على كبر! وهي تجربة وخبرة مفيدة في الإلقاء والتكلم أمام جمع من الناس، أو الـ public speaking. وقد أصابني القلق قبل الخطبة حينما أدركت أنني لم أفعل إلا أن كتبت نقاطاً، فندمت أنني لم أكتب النص كاملاً حتى يسهل علي تكوين المعاني. ولم أقل كل ما أحب قوله في هذا الموضوع، لا سيما بعض الاقتراحات العملية، فقد كنت محدوداً بوقت معين.

هذا تسجيل للخطبة تستطيعون تحميله والاستماع إليه، وأرحب بكل رأي ونقد. وسوف أكتب المعاني بالعربية أيضاً وأنشرها في تدوينة قادمة بإذن الله.

ما بعد الخطبة

في تدوينة سابقة تحدثت عن خطبة الجمعة التى حاولت خنقي ووعدت بالبقية في جزء ثان. وقد شاء الله أن يمن علينا بمواصلة القصة اليوم.

توقفت في المرة السابقة عند محاولة شرحي لأصدقائي المسلمين والعرب أسباب ضيقي الشديد بالخطبة التي ألقاها أستاذ مصري في جامعة كورنل (ودهشة أكثرهم لكراهتي ما سمعت). وكنت أود بداية مواصلة الحديث النقدي عن هذه الخطبة وعن أشياء أخرى ذات صلة بها تخص جماعة المسلمين في موقعي الجغرافي الحالي، غير أنني رأيت أن أقف بالنقد المفصل عند ما سبق ذكره، حتى لا يكون قذعاً في أشخاص بعينهم، وهو ما لا أريده. والأمر يتلخص في كون ثلة من المسلمين يتحركون في الأرض محملين بفكر “الجاهلية الدينية” أو “الجاهلية الإسلامية” كما خطر لي أن أسميها. وهي جاهلية فكرية في كثير من الأحيان، وأخلاقية في غير قليل منها أيضاً! فإلى جانب ضحالة ما يذيعه المتكلمون في الإسلام بل ومخالفته لحقيقة هذا الدين، فإن نفراً منهم يتعاملون مع أمور الخطابة وشئون المساجد في أرض المهجر بمنظور شخصي مظهري مصلحي. وقد رأيت ذلك وسمعت عنه في الولايات المختلفة التي أقمت فيها خلال سنواتي الست في الولايات المتحدة. أحب فقط أن أهمس بهذا الكلام في آذان من يظنون أننا شعب الله المختار، وأن بلاءنا إنما هو من مؤامرات الأمريكان، وأشباههم من أعوان الشيطان! وهذا التوجه الفكري الخرافي، إن كنت لا تعلم، ما زال شائعاً ورائجاً لدينا. وأود أن يكون لذلك حديث منفصل بإذن الله، لكنني سألخصه وأختمه فقط بحقيقة علمية مؤكدة: أن المرض حين يهاجم جسماً من الأجسام، فلك أولاً أن تصب اللوم على مناعة الجسم، وليس على المرض ذاته. فهذه وظيفة المرض التي خلقه الله لها: البحث عن الضحايا، المؤهلين للعب دور الضحية!

أما الخطبة التي أدت بنا لهذه الأحاديث، فأحب أن أذكر جانباً مما حدث بعدها. فقد أنهيت حديثي مع أصدقائي ثم نظرت إلى “الدكة الخشبية” باحثاً عن ذاك الشاب الجالس عليها، فوجدته قد ذهب (اقرأ الجزء الأول حتى يتضح لك ما أعنيه)، فأدركت أن حديثي طال وأنساني شأن قراري الذي اتخذته أثناء الصلاة. ثم نظرت باحثاً عن صاحبي في الرحلة إلى المسجد والعودة منها، صديقي العزيز أحمد علي، فوجدته يتحدث مع أحب الخطباء إلى قلبي، وكان أحمد يريده أن يتحدث مع زوجته الأمريكية عن الإسلام، لعجزه عن التوصيل الجيد لغير المسلمين.

انضممت إليهم، وكان معهم رجل أمريكي كنت قد رأيته جالساً بين صفوف المصلين، فظننت بداية أنه أمريكي مسلم. هٌييء لي أنهم يتحدثون عن الخطبة، فتدخلت معبراً عن سخطي وضيقي بما سمعت (من جديد! يا لي من ثرثار لا يمل من التكرار!). سألني الرجل الأمريكي مندهشاً ومبتهجاً: “أتقول ذلك وأنت مسلم؟” فأكدت أن نعم، وأن هذا الهراء (أخشى أنك إن وضعت خاءً مكان الهاء فلن أعترض كثيراً!) لا يمت للإسلام – كما أعرفه – من بعيد أو من قريب. ثم عرفت منه أنه مسيحي ينظر في الأديان، وأنه حالياً بصدد دراسة الإسلام.
___________________

فاصل خيالي:
تصادف أن حضر هذا الموقف أحد المسلمين الذين يضربون في الأرض حاملين فكراً إسلامياً يمشي على رأسه – الأولويات في الأرض والأقدام ترفرف في السماء! – فأدرك المسلم الشجاع لفوره أن هذا الرجل الأمريكي جلس بين المصلين وهو غير مسلم، يعني غير طاهر، وأنه بذلك خالف قاعدة شرعية مهمة. فرأى أن يحق الحق وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فتوجه بحديثه لإدوين Edwin قائلاً:
- عندي فقط ملحوظة، وهو أنك أخطات بالجلوس بين المصلين. هل ترى هذه الدكة الخشبية؟ يمكنك الجلوس عليها إذا أردت الاستماع إلى الخطبة، لكن لا يحق لك الجلوس بين المصلين ما لم تكن مسلماً.
- حقاً؟ لم أكن أعلم ذلك. أنا آسف. لكن ما الحكمة من ذلك؟ (لا يوجد مقابل لهذا المفهوم في ثقافة الرجل).
- الحكمة في ذلك… الحقيقة… أنك غير نظيف you are not pure، لذلك لا يحق لك الجلوس بين المصلين. (لاحظ أن مفهوم الطهارة والنجاسة كما نعرفه غريب على هذا الأجنبي، لذلك فإنني أحاول ترجمة “وقع الكلمة” لا حرفيتها).
- ؟؟؟!!! عفواً، لا أفهم ما تعنيه.
- (يحاول المسلم أن يجد لفظاً آخر) Because you are not clean.
- (الرجل بدأ يشعر بالإهانة) ما زلت لا أفهم.
- (يفكر في نفسه: سوف أقول الحق حتى لو أحرجته، فلا يجب أن أخشى في الحق لومة لائم) الحقيقة أن غير المسلم “غير نظيف” حتى يسلم، والمسجد هو بيت الله ولا يصح أن يدخله غير المسلم حتى ينظف نفسه.
- حقاً، هذه معلومة جديدة لم أكن أعرفها! (بعد سماعه للخطبة ثم هذه الإفادة أن الإسلام يعتبر غير المسلمين أنجاساً قذرين، يقرر إدوين أن يوفر جهد النظر في هذا الدين الغريب، على الأقل الآن، ويبحث في أفكار أخرى وأديان لها قيمة!).
انتهي الفاصل الخيالي!
___________________

بعد أن علم إدوين أنني مسلم ومع ذلك كاره لما سمعت، قرر أن يعبر عن نفسه بحرية، فقال أنه وهو يستمع كان يحدث نفسه أن هذا الكلام “غير طبيعي” this is not normal. قررت أنني سوف أحدث بذلك أصدقائي المستغربين من كراهتي للخطبة، لأدلل لهم كيف أن أي إنسان عاقل ومحايد لن يختلف رد فعله. ثم تواصل الحديث بيننا جميعاً عن المسلمين وأحوالهم. وأعطاني إدوين بريده الالكتروني بعد أن علم أنني تركت دين آبائي ما يقرب من عامين كاملين حتى عدت إليه على بينة. فسعدت لهذه الصداقة الجديدة. وحدثت نفسي أن هذا الحديث والتعارف على إدوين المسيحي الأمريكي وعمر الباكستاني المسلم هو أفضل ثمار هذه الخطبة عديمة الثمر، عقيمة التربة، والتي لا تأتي بخير هي وأمثالها، أينما حلوا.

بلاغ إلى محكمة العقل والفطرة: خطبة جمعة تحاول خنقي في أمريكا

تمهيد:
في المدينة الصغيرة التي أعيش فيها حالياً لا يوجد مسجد، ولكن يوجد مجمع للأديان داخل جامعة كورنلCornell University ، وهو مبنى مخصص للأديان جميعاً، تقام فيه صلاة الجمعة وغيرها من المناسبات الدينية الإسلامية. أما خطبة الجمعة فالتطوع لإلقائها مفتوح لمن يرغب، وهنالك بعض المتطوعين الدائمين للخطابة، أغلبهم ينتمي للجامعة، بعضهم عرب وبعضهم غير عرب. أنا شخصياً أضيق أشد الضيق ببعض هؤلاء الخطباء، وينشرح صدري حين أرى بعضهم الآخر. سوف تلحظ أثناء كل خطبة بعض أفراد يجلسون على دكة خشبية بدلاً من افتراش الأرض. هؤلاء جاءوا إشباعاً لفضولهم عن ماهية الإسلام والمسلمين، وبعضهم الآخر يأتي بصورة دائمة حتى تشعر أنه إنما يفعل ذلك في إطار بحث دراسي.

الموضوع:
اليوم دخلت المسجد لصلاة الجمعة في منتصف الخطبة. بعد بضعة دقائق بدأت سحابة سوداء في التحليق فوق رأسي. ومع مرور الوقت أصبحت كلمات الخطيب وأفكاره أكثر كثافة، فصعد منها سحاب أسود ثقيل، وشعرت بأحجاره تهبط فوق رأسي. والله أنا لست بهازيء ولا مبالغ، لكنني بالفعل شعرت بأثقال تضرب رأسي. ثم بدأت أشعر بالاختناق. قلت بصوت نافد الصبر، مسموع للجالسين بجانبي: أستغفر الله العظيم. وغمغمت أنني أود لو قمت احتجاجاً على ما أسمع من هراء. فكرت بالفعل للحظة أن أقوم أمام الجمع تعبيراً عن ضيقي بما أسمع وأغادر الخطبة. ثم حاولت أن أفكر في شيء آخر لكي أدفع عن رقبتي وصدري تلك الكلمات وهذه الأفكار، لكن هيهات. أوشك الخطيب على الانتهاء، ثم تلكك وأعاد، حتى قلت في نفسي: “اخلص بقى وصلي قبل روحي ما تطلع.” فبدأت الصلاة وداخلي غيظ شديد وشعور غريب، هو خليط من القهر والغضب والدهشة والكراهة! حاولت أن أهديء نفسي بالصلاة. وأنا أصلي فكرت ماذا أفعل، واقترحت على نفسي أن أذهب لهذا الشاب الأمريكي الجالس على الدكة الخشبية مستمعاً، وأتعرف عليه وأقول له أن الإسلام – كما أعرفه – بريء مما سمع لتوه. ودعوت الله أن يهديني لفعل ما يحب هو، حسب علمه. فمهما كان ظني وحديث عقلي وفطرتي أن الله لا يحب ما قيل، فإنني لست على اتصال مباشر به سبحانه، لكي أعلم قوله في هذه الخطبة، ولذلك رأيت أن أدعوه هذا الدعاء المحايد.

بعد انتهاء الخطبة سلمت على الأصدقاء والمعارف. ولأن غيظي كان فائضاً وصدري ضيقاً، فقد عبرت عن رأيي لهم جميعاً. أنا هاديء بطبعي، غير أنني أتكلم وأتكلم حينما أضيق بشيء مثل ذلك، ولا أترك فرصة لا أعبر فيها عن رأيي. كانت شكواي أولاً للأصدقاء العرب، فوجدتهم جميعاً يستغربون من ضيقي بما سمعت. وكلما حاولت شرح ما ضايقني، لم أجد فهماً، ووجدت قبولاً لا يرى غضاضة في أي مما كدت أن أختنق بسببه من فكر. ثم عبر كريم – صديق مصري – عن مساندته لي. ثم رأيت أن أعبر عن ضيقي لعصام، صديق مصري آخر يلقي خطبة الجمعة أحياناً، وكان هو أكثر من حاورته بالتفصيل في أسباب ضيقي، ووقف حولنا بعض الأصدقاء مستمعين.

حاولت أن أوصل وجهة نظري للمستغربين من ضيقي. أعطيتهم مثالاً بالقصة التي ختم الخطيب بها، ويبدو أنه كان يتحدث عن فضل نبي الإسلام، وكيف أن المسلمين مقصرين في الدفاع عنه. والقصة الحكيمة هي قصة تاريخية عن مبشرين مسيحيين ذهبوا بين نفر من المسلمين يحاولون تحويلهم عن الإسلام ودعوتهم للمسيحية. فإذا بالقس المبشر يبدأ في سب نبي الإسلام، فإذا شرع في هذا السب، رأى الجمع كلباً حاضراً يصيبه الهياج ويبدأ في النباح بغضب، ويحاول مهاجمة القس. المهم ظن المبشر أن الكلب إنما يفعل ذلك لرؤية انفعاله في الحديث وحركات يديه مع الحماسة. فلم يبالي المبشر، وواصل حديثه، ثم حينما بدأ في سب نبي الإسلام مرة أخرى، هاج الكلب، ثم اندفع مهاجماً المبشر حتى أرداه قتيلاً! أما قمة الإثارة في القصة فهي أن جمعاً من غير المسلمين الذين حضروا هذه المعجزة أسلموا جميعاً لتوهم! (للأسف لم يقم المصلون بالتكبير حين سمعوا هذه الجزئية، كما كان الخطيب يتمنى دون شك!). كانت هذه القصة هي تتويج الخطبة، ومعها كادت روحي أن تزهق! سألني أصدقائي عما أغضبني من هذه القصة، فهي قصة تاريخية حقيقية. قلت لهم فلتكن معجزة حدثت في غابر العصور إن شئتم. غير أن المعجزات لا يجب أن يأبه لها إلا من حضرها، وسرد المعجزة لا يمت للعقل أو المنطق من قريب أو بعيد. فالحديث يجب أن يكون مبنياً على منطق يمكن الحكم عليه حكماً مجرداً، وأن يقدم حجة يمكن للإنسان النظر فيها واختبارها قياساً على أحكام العقل، والمعجزة لا تفي بهذا الغرض، لذلك فهي لا تصلح كحجة. ثم شرحت لهم أننا في بلد غير مسلم، وهذه الخطبة يأتي إليها أناس يرغبون في فهم الإسلام. وأنا لو لم أكن مسلماً يستمع لمثل هذا الحديث لعافت نفسي هذه التفاهات. قال لي صديقي ولكن أنت تسمعها كمسلم، قلت له بل إنني أضيق بهذا الحديث وأنا أستمع إليه كمسلم عاقل. قال لي صديقي: فما بالك وأنت مسلم تستمع لهذه القصة، فما تشعر حيال هؤلاء الذين أسلموا حين رأوا الكلب يقتل المبشر؟ قلت بصراحة: أقول عليهم حفنة من الأغبياء! فإن رجلاً يقبل ديناً بأكمله، لأنه رأى كلباً يغضب لسب نبي هذا الدين، لهو رجل تافه لا عقل له، تحرك حياته معجزات واهية (ولعل أحفاد هؤلاء هم من وصلوا بهذا الدين إلى ما نراه اليوم!). قال صديقي: ومن قال أن هؤلاء الناس لم يكونوا يبحثون فعلاً في الدين، وكان هذا الحدث بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير؟ قلت هذه تبريرات ومحاولات لتزيين القصة لم ترد على فم الخطيب، والذي يهم هو ما قاله فعلاً، لا ما يمكن أن يكون كامناً خلف ما قاله من معان وملابسات!

قالوا لي حسناً، فماذا في الخطبة غير ذلك قد أثار غيظك لهذه الدرجة؟ قلت أعطيكم مثالاً آخر. لقد تحدث الخطيب ناقداً لبعض الأديان، وهو يقصد المسيحية، كيف أنها تبشر بفكرة الخلاص، وسخر الخطيب كيف أن هتلر مثلا بعد أن قتل آلاف البشر بإمكانه أن يؤمن بالمسيح فيتم خلاصه ودخوله الجنة. أما في الإسلام فالإنسان يجازى على عمله. حسناً الفكرة في ذاتها مقبولة، وإن كنت كرهت أسلوب الخطيب في السخرية من معتقدات الآخرين. لكنني معه على كل حال أن مجرد الإيمان مع سوء العمل لا يمكن أن ينجو بإنسان، مهما آمن من ساء عملهم وظلموا غيرهم بأي إله أو مخلص. اتفقنا. ثم بعد قليل يتحدث الخطيب عن عظمة النبي، فيقول كيف أنه حينما عرض عليه ربه أن يطلب طلباً مؤكد الإجابة، طلب منه النبي الشفاعة في أمته. ويقول الخطيب فيأتي الرسول في الآخرة ويقول لربه دعائي يا رب، فيفي الله بوعده ويخرج بقية من كان من أمة محمد في النار. أما أني إنسان غريب صحيح! فماذا يثقل علي في مثل هذا الحديث؟! قلت: انظروا كيف تكلم الخطيب قبل ذكر هذا المعنى عن فكرة الخلاص وسخر منها، ثم ها هو بعد ذلك بدقائق يبشر بنفس المعنى في دينه مرحباً به ومفتخراً!!! قال صديقي إنما هو يقصد المسلم الحقيقي، أنه سوف يخرج من النار حتى ولو تعذب فيها قليلاً لقاء ذنوبه. قلت له أعلم، ولكن الخطيب وهو يتكلم لم يذكر المسلم الحقيقي أو غير الحقيقي، ولكنه ذكر القصة كحق للمسلمين جميعاً. فحديثه يقول أنه يقصد بالمسلم محمداً، وبالمسيحي جورج. لكن الحق أن هنالك مسلمين – اسماً – سوف يخلدون في النار. والخطيب – إن شاء الدقة وحسن الحديث – يجب أن يوضح هذا المعنى، فالإسلام ليس إرثاً إسمياً ولكنه حالة وموقف إنساني وقلبي. وأكثر ما فجعني في الأمر هو أنه أتبع هذا المعنى بهذا الشكل بعد قاذع نقده لفكرة الخلاص، فأي تناقض!

طالت مني التدوينة، لذلك أرجيء البقية لتدوينة أخرى إن شاء الله.

فإلى اللقاء في الجزء الثاني!