عندما انشق ميدان التحرير وأغرق الفرعون

إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين” قرآن كريم

لا شك أن مبارك (الاسم الشخصي للفرعون الأخير) وهامان وجنودهما كانوا جميعاً خاطئين ومجرمين! ومن لطف الله أن الجيش المصري لم يكن جنداً خاطئاً من جنود هذا الفرعون، مثلما أخطأ وأجرم وجهل جند أخرون.

في يوم عيد مصر وفرحتها المبهجة، 11 فبراير 2011، أخبرني أصدقاء من بعض صوفية اليهود أن اليوم ذاته، يوم انهزم الفرعون بالضربة القاضية، هو يوم وفاة نبي الله موسى عليه السلام. وكأن ذكرى وفاة النبي العظيم في هذا اليوم إشارة أن المهمة الموسوية للقضاء على الفرعون قد آتت ثمارها، وآن لموسى أن يستريح! لا شك أن الطريق ما زال طويلاً، وغير ممهد، من أجل بناء ديمقراطية ما زالت هشة، طفلة، أو لعلها ما زالت في الرحم. لكن رحيل مبارك وضع جنين الديمقراطية والحرية في رحم مصر لأول مرة منذ عقود طويلة. وهو إنجاز رهيب بعد أن أجدب حكم مبارك مصر، وحرمها خصوبتها، حتى ظننا أننا لن نرى يوماً قريباً تستعيد فيه أم الدنيا أمومتها بعد أن أصبحت مجرد امرأة عجوز، قبيحة، وقاسية القلب! لم يكن هذا طبعها، لكنه انتهاك وامتهان دام عشرات السنين على أيدي نفر من أجهل، وأقسى، وأغبى، وأفسد، وأقبح خلق الله!

الفرعون الجديد وقع في أخطاء الفرعون القديم ذاتها. لقد رأى البحر ينشق أمام عينيه. فماذا فعل؟ فهم، وتعقل، وعاد إلى الوراء وترك موسى وقومه يعبرون بسلام إلى شاطيء الحياة الجديدة؟ لا! لقد صدأ عقله منذ زمن فأصبح وكأنه قطعة من الحجر! لو فهم وتراجع لأنقذ نفسه وعاد ببعض كرامته! كذلك أصر الفرعون الحديث على العبور وراء الشعب المستعبد، رغم أن العالم بأكمله رأى وعلم أنه هالك إن فعل. وقد فعل وهلك، ولله الحمد!

وابتلع بحر التحرير الفرعون مبارك إلى غيبة أبدية، بغير رجعة.

القهر كالماء والهواء

حدثتني صديقة أمريكية عن شعور انتابها وهي في بلد عربي “إسلامي”، أي يدعي نظامه تطبيق الشريعة الإسلامية، وأدهشني تعبيرها إذ ذكرني بمشاعري الشخصية إزاء مظاهر الفساد في بلدي، وهو أيضاً بلد عربي مسلم – وإن لم يكن “إسلامياً”! فقد قالت أنها كانت تشعر بحضور القهر في كل شيء حولها.

أذهلتني الكلمات للحظات. ربما كنت أظنه شعوراً شخصياً أو خاصاً بقاطني الأرض لا يحسه الغرباء، الزائرين العابرين. لكن لعله في الواقع شعوراً موضوعياً. أذكر والدتي رحمها الله وهي تقول لي أن الكون كله يتجاوب مع غلبة الظلم أو العدل في أرض بعينها، وأنها في بدايات عصور مختلفة عاشتها في مصر كانت تنظر في شكل الزرع فتحدثها فطرتها أن العصر الباديء عصر عدل أو عصر قهر!

وكأن غلبة الظلم تغطي الكون بعباءة كئيبة، تتخلل ظلمتها وكئآبتها الزرع والهواء والأحياء، من إنسان وحيوان. لا أنكر أنني شعرت بهذه العباءة الكئيبة في أرض مصر. إن القهر لا يأتي فقط من أعلى إلى أسفل. بل هو حاضر في كل مكان. في دكان صغير لحرفي يقهر طفلاً اضطره ضياع حقه في خير بلده أن يعمل من أجل رزق عائلته. في بيت مجهول تلغى فيه إرادة وعقل الزوجة والابنة والأخت، لأنها أمرأة! في فصل دراسي تتكدس فيه أجساد صغيرة وعقول نيئة ينضج وعيها على مدرس يتأسد عليهم بالصوت والعصا، ويصب فوق عقولهم كتباً ومناهج كالصلب، هي في ذاتها قهر الغباء والعبث فوق عقول مجبرة على اجترار علقم، مر في طعمه، عسير في هضمه!

أما الأدهى والأعجب فهو أن ينام الناس ويتغطون بالملاءة الكئيبة، فلا تزكم أنوفهم عفانتها، ولا يخنق أنفاسهم امتصاصها لمعظم نصيبهم من الهواء، ولا يوقظهم انزعاج من غلبة الكوابيس!

ما بعد الخطبة

في تدوينة سابقة تحدثت عن خطبة الجمعة التى حاولت خنقي ووعدت بالبقية في جزء ثان. وقد شاء الله أن يمن علينا بمواصلة القصة اليوم.

توقفت في المرة السابقة عند محاولة شرحي لأصدقائي المسلمين والعرب أسباب ضيقي الشديد بالخطبة التي ألقاها أستاذ مصري في جامعة كورنل (ودهشة أكثرهم لكراهتي ما سمعت). وكنت أود بداية مواصلة الحديث النقدي عن هذه الخطبة وعن أشياء أخرى ذات صلة بها تخص جماعة المسلمين في موقعي الجغرافي الحالي، غير أنني رأيت أن أقف بالنقد المفصل عند ما سبق ذكره، حتى لا يكون قذعاً في أشخاص بعينهم، وهو ما لا أريده. والأمر يتلخص في كون ثلة من المسلمين يتحركون في الأرض محملين بفكر “الجاهلية الدينية” أو “الجاهلية الإسلامية” كما خطر لي أن أسميها. وهي جاهلية فكرية في كثير من الأحيان، وأخلاقية في غير قليل منها أيضاً! فإلى جانب ضحالة ما يذيعه المتكلمون في الإسلام بل ومخالفته لحقيقة هذا الدين، فإن نفراً منهم يتعاملون مع أمور الخطابة وشئون المساجد في أرض المهجر بمنظور شخصي مظهري مصلحي. وقد رأيت ذلك وسمعت عنه في الولايات المختلفة التي أقمت فيها خلال سنواتي الست في الولايات المتحدة. أحب فقط أن أهمس بهذا الكلام في آذان من يظنون أننا شعب الله المختار، وأن بلاءنا إنما هو من مؤامرات الأمريكان، وأشباههم من أعوان الشيطان! وهذا التوجه الفكري الخرافي، إن كنت لا تعلم، ما زال شائعاً ورائجاً لدينا. وأود أن يكون لذلك حديث منفصل بإذن الله، لكنني سألخصه وأختمه فقط بحقيقة علمية مؤكدة: أن المرض حين يهاجم جسماً من الأجسام، فلك أولاً أن تصب اللوم على مناعة الجسم، وليس على المرض ذاته. فهذه وظيفة المرض التي خلقه الله لها: البحث عن الضحايا، المؤهلين للعب دور الضحية!

أما الخطبة التي أدت بنا لهذه الأحاديث، فأحب أن أذكر جانباً مما حدث بعدها. فقد أنهيت حديثي مع أصدقائي ثم نظرت إلى “الدكة الخشبية” باحثاً عن ذاك الشاب الجالس عليها، فوجدته قد ذهب (اقرأ الجزء الأول حتى يتضح لك ما أعنيه)، فأدركت أن حديثي طال وأنساني شأن قراري الذي اتخذته أثناء الصلاة. ثم نظرت باحثاً عن صاحبي في الرحلة إلى المسجد والعودة منها، صديقي العزيز أحمد علي، فوجدته يتحدث مع أحب الخطباء إلى قلبي، وكان أحمد يريده أن يتحدث مع زوجته الأمريكية عن الإسلام، لعجزه عن التوصيل الجيد لغير المسلمين.

انضممت إليهم، وكان معهم رجل أمريكي كنت قد رأيته جالساً بين صفوف المصلين، فظننت بداية أنه أمريكي مسلم. هٌييء لي أنهم يتحدثون عن الخطبة، فتدخلت معبراً عن سخطي وضيقي بما سمعت (من جديد! يا لي من ثرثار لا يمل من التكرار!). سألني الرجل الأمريكي مندهشاً ومبتهجاً: “أتقول ذلك وأنت مسلم؟” فأكدت أن نعم، وأن هذا الهراء (أخشى أنك إن وضعت خاءً مكان الهاء فلن أعترض كثيراً!) لا يمت للإسلام – كما أعرفه – من بعيد أو من قريب. ثم عرفت منه أنه مسيحي ينظر في الأديان، وأنه حالياً بصدد دراسة الإسلام.
___________________

فاصل خيالي:
تصادف أن حضر هذا الموقف أحد المسلمين الذين يضربون في الأرض حاملين فكراً إسلامياً يمشي على رأسه – الأولويات في الأرض والأقدام ترفرف في السماء! – فأدرك المسلم الشجاع لفوره أن هذا الرجل الأمريكي جلس بين المصلين وهو غير مسلم، يعني غير طاهر، وأنه بذلك خالف قاعدة شرعية مهمة. فرأى أن يحق الحق وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فتوجه بحديثه لإدوين Edwin قائلاً:
- عندي فقط ملحوظة، وهو أنك أخطات بالجلوس بين المصلين. هل ترى هذه الدكة الخشبية؟ يمكنك الجلوس عليها إذا أردت الاستماع إلى الخطبة، لكن لا يحق لك الجلوس بين المصلين ما لم تكن مسلماً.
- حقاً؟ لم أكن أعلم ذلك. أنا آسف. لكن ما الحكمة من ذلك؟ (لا يوجد مقابل لهذا المفهوم في ثقافة الرجل).
- الحكمة في ذلك… الحقيقة… أنك غير نظيف you are not pure، لذلك لا يحق لك الجلوس بين المصلين. (لاحظ أن مفهوم الطهارة والنجاسة كما نعرفه غريب على هذا الأجنبي، لذلك فإنني أحاول ترجمة “وقع الكلمة” لا حرفيتها).
- ؟؟؟!!! عفواً، لا أفهم ما تعنيه.
- (يحاول المسلم أن يجد لفظاً آخر) Because you are not clean.
- (الرجل بدأ يشعر بالإهانة) ما زلت لا أفهم.
- (يفكر في نفسه: سوف أقول الحق حتى لو أحرجته، فلا يجب أن أخشى في الحق لومة لائم) الحقيقة أن غير المسلم “غير نظيف” حتى يسلم، والمسجد هو بيت الله ولا يصح أن يدخله غير المسلم حتى ينظف نفسه.
- حقاً، هذه معلومة جديدة لم أكن أعرفها! (بعد سماعه للخطبة ثم هذه الإفادة أن الإسلام يعتبر غير المسلمين أنجاساً قذرين، يقرر إدوين أن يوفر جهد النظر في هذا الدين الغريب، على الأقل الآن، ويبحث في أفكار أخرى وأديان لها قيمة!).
انتهي الفاصل الخيالي!
___________________

بعد أن علم إدوين أنني مسلم ومع ذلك كاره لما سمعت، قرر أن يعبر عن نفسه بحرية، فقال أنه وهو يستمع كان يحدث نفسه أن هذا الكلام “غير طبيعي” this is not normal. قررت أنني سوف أحدث بذلك أصدقائي المستغربين من كراهتي للخطبة، لأدلل لهم كيف أن أي إنسان عاقل ومحايد لن يختلف رد فعله. ثم تواصل الحديث بيننا جميعاً عن المسلمين وأحوالهم. وأعطاني إدوين بريده الالكتروني بعد أن علم أنني تركت دين آبائي ما يقرب من عامين كاملين حتى عدت إليه على بينة. فسعدت لهذه الصداقة الجديدة. وحدثت نفسي أن هذا الحديث والتعارف على إدوين المسيحي الأمريكي وعمر الباكستاني المسلم هو أفضل ثمار هذه الخطبة عديمة الثمر، عقيمة التربة، والتي لا تأتي بخير هي وأمثالها، أينما حلوا.

حفيد حسن البنا في أوروبا

هل تعرف طارق رمضان؟ قد لا يعرفه كثير من المصريين، مع أنه مصري الدم، غير أنه قد ولد في سويسرا بعد أن تم نفي والده فأصبح سويسرياً، وربما كان ذلك أفضل له على كل حال. طارق رمضان معروف في سويسرا وفرنسا كمفكر إسلامي، وهو يدعو لاندماج المسلمين في مجتمعاتهم الأوروبية كمواطنين. أشهر حكاياته هو رفض الولايات المتحدة إدخاله أمريكا لأنه تبرع ببعض من المال لمنظمة فلسطينية، قبل أن تضع أمريكا هذه المنظمات على قائمتهم السوداء لممولي الإرهاب.

طارق رمضان هو حفيد حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين، وكان أبوه أيضاً من أبناء الحركة، تم نفيه من مصر في عصر الثورة، وهكذا وجد طارق نفسه أوروبياً بالميلاد واللسان. غير أنه درس في الأزهر في مصر، وهو بذلك قد عاد إلى أرض آبائه وعاش فيها زمناً ليعرفها معرفة الخبرة لا معرفة السمع.

من أكثر نشاطات طارق رمضان تشويقاً وإثاره حواراته أو مناظراته، على شاشات التلفزيون الفرنسي، مع المثقفين الفرنسيين الذين يعلنون موقفاً معادياً للإسلام، أو وصماً له جملة كدين معاد للحضارة داع للعنف، وما من قبيل هذا الهراء الفكري.

هذه واحدة من هذه المناظرات، ولكنها هادئة ، سوف تحتاج لبعض معرفة بالفرنسية كي تستطيع المتابعة، ولكن حتى لو لم تكن تعرف الفرنسية، تستطيع إلقاء نظرة وأخذ فكرة. ما لفت نظري في الحوار هو أن المذيع الفرنسي يبدو وكأنه أكثر تعاطفاً مع فكر طارق رمضان منه مع فكر الكاتب الفرنسي.


Alexandre del Valle, Ramadan, Ardisson by droitelibre

أزهري عبقري

هذه حكاية واعظ مسيحي أمريكي تحول للإسلام، وما لفت نظري في قصته شخصية مصرية مجهولة ولكن عبقرية. دعني أولاً ألخص لك القصة كما حكاها الشيخ يوسف إستس.

لم يتغير نشاط يوسف إستس كثيراً، فهو في جوهره دعوة إلى الخالق. كان هو ووالده يعملان بالدعوة، وكان لهما أعمال تجارية أخرى بجوار ذلك. ذات مرة قال له والده أنهم سوف يعملون مع رجل مصري أزهري، ومسلم. لم يستسغ يوسف فكرة العمل مع مسلم. قال له والده ألا يتعجل حتى يتعرف على الرجل، فهو رجل دمث لطيف. في لقائه الأول مع محمد المصري الأزهري، كانت مفاجأة يوسف الأولى أنه وجد رجلاً عادياً يرتدي ملابس إفرنجية لا توحي أنه شيخ مسلم. حين جلس إليه، ابتدأه بالحديث في الدين، وهل يؤمن بالله وبأنبياء العهد القديم والجديد. كانت الإجابة بنعم، ثم سأله إن كان يؤمن بعيسى، وكانت الإجابة بنعم كما تعلم. كانت الإجابات مفاجأة للواعظ المسيحي، وقال في قرارة نفسه سوف يكون أمر تحويل هذا الرجل عن دينه أمراً يسيراً، وقبل العمل معه.

ثم أتى عليهم شهر رمضان، فعلم يوسف من محمد أنه سوف يقيم في المسجد. يقول يوسف أنه ظن حينها أن الرجل لا يجد مأوى يبيت فيه، ولذلك يبيت في المسجد، فعرض عليه أن يضيفوه في بيتهم. في البداية رفض محمد العرض قائلاً أنه يريد أن يقيم في المسجد. ألح يوسف، وعرض على محمد أن يدفع ثمناً زهيداً لقاء الإقامة معهم على أن تشمل الإقامة وجبات الطعام أيضاً، فعل ذلك ليجنب الرجل حرج الإقامة مجاناً وفي ذات الوقت ليغريه بالسعر القليل وبالطعام المجاني. تنازل محمد عن فكرة الاعتكاف وقبل الإقامة مع يوسف وعائلته. ظن يوسف وقتها أنه نجح في إغراء الرجل، ولم يكن يدرك أن الرجل الذكي يريد أن يعيش مع العائلة في بيتها كي يفهم ثقافتهم وحياتهم.

وأقام معهم محمد. يقول يوسف أنه طيلة هذا الوقت كان يكلم محمد ويحاول اجتذابه لدينه، وكان هو المتكلم أغلب الوقت، وكان محمد المستمع، إلا قليلاً. حين عرض عليه يوسف التحول عن دينه، لم يرفض محمد الفكرة، وقال ليوسف أنه سوف يتحول لدينه لو اقتنع أن ما لدى يوسف أقوى حجة. كان رد يوسف أن الدين إيمان لا برهان عقلي، فكان تعقيب محمد أن الإسلام برهان عقلي وإيمان، كليهما معاً.

أثناء إقامة محمد، أتى يوسف بقس أجنبي كان يدعو لله ثم ساءت ظروفه ودخل المستشفى ثم أحيل إلى مأوى من لا مأوى لهم، وكان يوسف قد قابله في المستشفى، فبحث عنه حتى أنقذه من ويلات المأوى وأتى به إلى بيته. وكان محمد يقيم معهم في تلك الفترة، ويرى أحاديثهم وخلافاتهم فيما بينهم حول أي نسخة من الكتاب المقدس هي الأولى بالتصديق، فيعلق تعليقاً بسيطاً أن في الإسلام كتاب واحد لا خلاف عليه، وأنه باللغة الأصلية التي نزل بها. وكانوا يحاولون إقناعه بدينهم، فيستمع إليهم كثيراً ويتكلم قليلاً. المهم، انتهى الأمر بتحول القس الغريب إلى الإسلام، ثم زوجة يوسف وأبيه. ثم يوسف ذاته في نهاية الأمر. وتحول يوسف استس بعدها إلى داعية نشط، يذهب للسجون، ويتحدث في الكنائس كي يعلم أهل الكتاب أن الإسلام دين قريب مما يعتقدون وأن نواحي الاختلاف أقل من نواحي التشابه والتقارب، فيختار الإسلام منهم من أراد.

هذه هي القصة، لا أهدف منها لحديث ساذج سطحي عن قصة إسلام واعظ مسيحي أمريكي، ولكني أريد أن ألفت النظر إلى خلق وتصرف هذا المصري الأزهري، وكيفية تعامله مع المختلفين عنه في الثقافة والدين، وكيفية دعوته إلى ما يرى أنه الحق. ثم أسألك أن تقارن ذلك بمنهج من يظنون أنهم يحسنون صنعاً ويدعون إلى الله. هل رأيت كيف تنازل محمد عن الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، وقدم على ذلك أن يقيم مع أصدقائه المسيحيين الأمريكيين في بيتهم؟ ثم هل رأيت كيف أنه لم يأنف من هذا الاختلاط الشديد بهم، والعيش في بيتهم والأكل من طعامهم. ثم تأمل معي سعة صدره إذ يستمع إليهم مهما طال حديثهم عن عقيدة هو يعلم تمام العلم أنه لن يتحول إليها، فهو يعلم ما يقولون وما يعتقدون، ومع ذلك يترك لهم الحديث، ويعلق بين الحين والآخر ويقول رأيه، ويترك لهم الحكم دون فرض لرأيه أو تسفيه لما يعتقدون.

أحببت أن أعرض هذه القصة لرجل غير مشهور، ولكن أنعم الله عليه بالصبر، وحسن الاستماع، وقبول الاخر وحبه والاختلاط به، وعرض رأيه في هدوء ودون إلحاح، وحسن تقدير الأولويات وإدراك أن هنالك أحياناً ما هو أفضل وأحب إلى الله من الاعتكاف في أواخر رمضان العشر.

 أليس في ذلك دروس لقوم كثيرين من دعاة العصر المعممين والحافظين للقرآن في تعاملهم مع “الضالين” من أبناء دينهم ومع أتباع المذاهب الأخرى؟

الأزهر بين الشيخوخة والعراقة

في البداية كنت أود الكتابة عن مصري أزهري عبقري، لا أعرف غير اسمه الأول، ولكن أعرف عنه حكاية ذات دروس وعبر، ودلالة على ذكائه وحسن إدراكه وتصرفه. ثم تداعت الأفكار، والأفكار كما تعلم يدعو بعضها بعضاً، ويتولد بعضها من بعض. وكذلك حضر إلى ذهني مشهد آخر قديم، مرت عليه سنوات. كنت في المركز الثقافي الفرنسي بالمنيرة أيام كنت أقيم بالقاهرة للدراسة ثم للعمل، وكانت هنالك محاضرة يلقيها كاتب جزائري يقيم في فرنسا. وكانت الصدف قد شاءت أن أتعرف عليه قبل دعوته إلى مصر إذ رأيته ضيفاً، بين ضيوف عدة، في برنامج معروف في التلفزيون الفرنسي. حين جاء إلى مصر، كان مالك شبل يتحدث اساساً عن كتابه الصادر حديثاً في ذلك الوقت: موسوعة الحب في الإسلام، قدم فيه جانباً من الإسلام لا يعلم عنه أهل الغرب الكثير. في سياق حديثه، ذكر مالك طرفاً من خبرته بمبعوثي الأزهر للديار الأوروبية، وهم قوم تم تعيينهم كدعاة أو أئمة مساجد من قبل الأزهر. قال مالك أن الأزهر يرسل رجالاً علمهم وخبرتهم بالحضارة الذاهبين إليها قليلة أو معدومة، وقال أنه ومعه مسلمي أوروبا يتمنون من الأزهر أن يسدي لهم وللإسلام خدمة جليلة ويترك أمر أوروبا لهم، وهم يعيشون فيها ويعلمون كيف يتعاملون مع العقلية الأوروبية، أما الأزهري الذي يظن أنه من الممكن أن يتحدث مع الغربي بنفس اللغة العقلية التي يتحدث بها مع المسلم فهو لا ينقل عن نفسه ودينه غير فكر سطحي وبالتالي منفر. وهو المتوقع ممن درس الدين حفظاً لا تذوقاً شخصياً وإدراكاً مباشراً.

هذا ما تذكرته قبل أن أهم بالكتابة عن الأزهري الآخر العبقري. ولكن دعني أكمل لك باقي خبرتي مع محاضرة مالك شبل. فقد هبطت علي بعدها فرصة من تدبير القدر لم أتوقعها أو آمل فيها. فقد تبعت المستمعين والكاتب إلى مقهى المركز، حيث العادة أن يتبع المحاضرات تجمع للناس وتضييفهم ببعض الأكلات الخفيفة والمشاريب. وأنا واقف وحدي أتاني شاب وقدم نفسه لي قائلاً أنه صحفي يريد أن يجري حواراً مع الكاتب، غير أن الكاتب قال له أنه لا يستطيع إجراء الحوار بالعربية فقط، فهو بحاجة إلى مترجم لأن المفردات العربية أحياناً ما لا تسعفه في الفهم أو في التعبير. وقد رآني الصحفي الشاب أستمع للمحاضرة دون وضع سماعات الترجمة الفورية، فظن أنني من الممكن أن أتطوع كمترجم حتى يقبل الكاتب إجراء الحوار. وبالفعل تم لنا الجلوس مع الكاتب وحدنا بعد رحيل الجميع. تناول الحديث مواضيع مختلفة، ورأيت في مالك شبل كاتباً يفيض بالحيوية وخفة الدم والعقلانية. ومن الأشياء ذات الدلالة التي سمعتها قبل جلوسي مع الكاتب حديثاً جانبياً، ولكنه لم يكن خافض الصوت، فقد سمعته دون تسمع أو تنصت، دار بين صحفي مصري لا أعرفه وبين شاب فرنسي يبدو أنه كان يعمل في المركز وكان يجيد العربية. سمعت الصحفي المصري ينقد الكاتب، فماذا كان نقده؟ قال: هو ابن للغرب. رد عليه الشاب الفرنسي وهو لا يفهم تماماً وجه النقص أو النقيصة في هذا النقد، فقال للصحفي: انا أيضاً ابن الغرب، فرد الصحفي البليغ: أنت ابن شرعي للغرب، أما هو فابن غير شرعي!!! الحقيقة لم أستمع لباقي الحوار، ولكني لم أسمع في محاضرة الرجل شيئاً يوحي من قريب أو بعيد أن الرجل عميل عقلي للغرب، على العكس، كان يقدم صورة للإسلام صادقة نقية يستطيع الغربي وغير الغربي فهمها واحترامها. وتأكد لي ذلك في حوار الكاتب الخاص مع الصحفي المصري، فالرجل مسلم يؤمن بالعلم ويعرف للغرب نقائصه وجوانبه المشرقة.

هذا ما تذكرته حين أردت الكتابة عن الأزهري المصري العبقري، وهو محور حديث قادم بإذن الله.

الحوار مع الآخر

من كتب مصطفى محمود الشهيرة “حوار مع صديقي الملحد”. قرأته منذ سنين طويلة، والكتاب في حد ذاته لم يترك في نفسي أثراً باقياً، غير أن ما علق منه بذاكرتي دائما هو عنوانه. في الكتاب يحاور مصطفى محمود نفسه، أو تفكيره الماضي، ويرد على ماضيه بفكره الأحدث وقت كتابة الكتاب. كنت أود أنا حواراً حقيقياً مع ملحد “آخر” غير ذات المحاور، من وحي ظني أن العقلاء من الناس لابد وأنهم قادرين على الاتفاق على أساسيات معينة مهما اختلفت مذاهبهم.

كانت أول فرصة فعلية أتيحت لي حين حصلت بالصدفة البحتة على عمل في المركز الثقافي الفرنسي بالمنيرة بعد تخرجي. كان من عينني رجلاً فرنسياً من أصل إيطالي. بعد أن عملت معه لفترة وجيزة أصبحنا أصدقاء. كان “ألان” ملحداً، ولكني كنت أشعر أنه ملحد مؤمن، ربما لما شعرت به من طيبته ومن حبه لمساعدة الناس أيضاً. كانت له معي أنا شخصياً مواقف أحفظ له جميله فيها، حيث لم تكن له أي مصلحة شخصية تذكر. كان ألان زورزوتي، هذا اسمه، ملحداً إذن، وكانت لنا في بعض الأحيان حوارات طويلة في الدين، أطولها كان حين زرته في بيته حينها وقضيت معظم اليوم معه، وكان جل حديثنا حينها عن الدين، لا سيما الدين الإسلامي.

كانت نتيجة الحوار وما ذكرته له من رؤيتي للدين الإسلامي مدعماً بما أعرف من آيات وخلافه قوله أنه قد عاش في بلاد إسلامية لسنوات، ولم ير أي مصداق لما أقول. سألني وكيف أفسر إذن أنه لا يوجد بلد إسلامي واحد، بلد واحد، فيه ديموقراطية حقيقية أو عدل. قلت له أنني أتكلم عن الإسلام النظرية، عن المنهج وليس عن تطبيق الناس له. ولكن رأيه كان أنه ينظر إلى النتائج، وهو لم ير أي مصداق لذلك في أخلاق المسلمين حين عاش في بلدان مسلمة مختلفة، أما ما أقوله فهو في رأيه راجع لاختلافي أنا شخصياً: “أنت تعلم تماما أنك إنسان مختلف، لذلك لن أقتنع أن ما تقول هو الإسلام حقاً، ولكن ما تقول هو أنت، أما الإسلام فهو ما أراه في غالبية المسلمين وفي حال البلاد المسلمة”. هكذا أنهى حديثه.

لم أكن في حواري معه بصدد محاولة ساذجة لهدايته إلى الإسلام مثلا، ولكنها محاولة إحقاق للحق وكشف له على قدر المستطاع. غير أنني كنت متفهماً تماما لوجهة نظره، وهو أن النتيجة العملية هي ما يعول عليه فعلا عند اتخاذ الأحكام. ولن نستطيع مطالبة جميع من يتأمل حال مئات الملايين من المسلمين أن يفترض أنهم يخالفون في الواقع حقيقة ما يؤمنون به!

كانت تلك إذن أولى تجاربي في حوار حقيقي مع الآخر المختلف، ولكني والله يشهد في هذه التجربة وما يليها لم أشعر أنني بالفعل أمام آخر مختلف، بل دائما ما شعرت بما يربطنا ويوحدنا كبشر، لا سيما حين كنت أرى التوافق الكامن تحت الاختلاف الظاهر.

كانت لي بعدها تجارب أخرى غير كثيرة. قبل أن أترك مدينة إثاكا الصغيرة في شمال ولاية نيويورك وأنتقل إلى ولاية فلوريدا في أقصى الجنوب، حيث لا أعرف إلا عددا محدودا من الأصدقاء، قررت إجراء حوار حقيقي مع من أستطيع. وقمت بالفعل بإجراء حوار وسجلته مع ميكيلا، الشابة الأمريكية التي تحدثت عنها من قبل في مدونتي. قريبا بإذن الله قد أنشر هذا الحوار هنا، وقد أحاول نشر ما أذكر من حوارات أخرى ذات دلالة من الذاكرة.