لماذا يفنون أعمارهم من أجل ورقة؟!

الفساد في الدول غير الحرة يهيء مناخاً مواتياً لجمع ثروات هائلة لدى فئة لديها من أدوات النفاق واستسهال الكذب وغض البصر عن حقوق الآخرين ما يتيح لها فرصاً سانحة لجمع المال.

الباحثون عن المال بشتى الطرق يريدون إسعاد أنفسهم بلا شك، وعائلاتهم معهم. يعطيهم المال الكثير من المميزات وأسباب المتعة المادية والراحة والرفاهة. لكن ما يثير حيرة بقية الفئات التي فاتها نصيبها أو حقها في هذا المال هو ما يفعله كبراء البلاد ببقية الأموال المخزنة في البنوك. ماذا سيفعل السيد الحاكم أو السيد المسئول أو السيد “رجل الأعمال” بمليار دولار في حساب سري في سويسرا؟ هل يؤمن مستقبله؟ ألا تكفيه مائة مليون دولار مثلاً لتأمين مستقبله؟ هل سيعيش حياة بائسة لو تخلى عنه عرشه فجأة فوجد نفسه مضطراً للحياة بمائة مليون دولار فقط بقية عمره؟

لكن البعض لا تكفيه حتى المليار دولار. يواصل الجمع. يشتري القصور والعقارات في بلاد الله. وتزيد الأموال السائلة في الحسابات البنكية، خارج بلده بالطبع. وربما يعيش في بلد تحيا فيه عائلات بأسرها في شهر كامل على ثمن وجبة طعام واحدة فاخرة (أو فاجرة) في كرش سيادته.

لابد أن هؤلاء السادة يتمتعون أيضاً بقدرة عبقرية على إغلاق مسام الإحساس الإنساني لديهم حتى لا يزعجهم التفكير في الفقراء والبؤساء. لكن ما مقابل إغلاق هذه المسام الإنسانية في وعيهم؟ ما هي بالظبط قيمة الأموال المتراكمة في البنوك؟ ألا يتحول المال إلى مجرد ورقة حينما يرقد ساكناً في الأرصدة؟ هؤلاء الأكابر لا يحصلون من هذه الأموال الإضافية إلا على ورقة أخرى مكتوب عليها رصيدهم المنتفخ، وهو مجرد أرقام! لا يستطيعون حتى لمس الأوراق الدولارية الخضراء في بطون البنوك الأجنبية، لكن ذلك أفضل عندهم من خروج الورقة من بطن البنك لكي تضع طعاماً في بطن الجائع!

هؤلاء البائسين يقتلون أرواحهم من أجل أوراق وأرقام نظرية لا يتسع لها جوف إنسان مهما كان حجم “كرشه”!

رأيتني طفلاً

بعض ما نراه ونحن نيام يظل قابعاً في مواقع مرئية من الذاكرة، ويظل هنالك ماثلاً أمامك لسنوات طويلة، ربما تمتد بطول عمر الإنسان. من هذه الصور حلم لا أذكر أحداثه، غير أني أذكر منه مشهداً مدهشاً، إذ أمشي في طرقات بيت، أو ربما كانت طرقات الزمن، وأمر على أحداث وأشخاص، ثم أرى طفلاً صغيراً، ربما في السابعة من عمره مثلا، وربما أصغر، وأدرك أن هذا الطفل هو أنا بعيني عندما كنت صغيراً، فأذهب إليه وأحمله كما يحمل الرجل منا طفلاً، و…بس كده!!! لا أذكر شيئاً بعد ذلك، وقد يكون الحلم قد انتهى ها هنا، أو تواصلت أحداثه ولم يبق في الذاكرة منها إلا هذا المشهد الغريب!

هل يمكن أن أحاول التحليل والتفسير؟ يتداعى إلى ذهني ما سمعته من كاتب ومفكر أمريكي اسمه وين داير، في حديث له عن إمكان تدريب الذاكرة حتى تستطيع إعادة استحضار جميع أيامك الماضية، بل وحتى زمن أن كنت رضيعاً وما قبله، يعني أن يرى المرء نفسه وهو في بطن أمه! فجميع ما مر بنا لم ينمحي، ولكنه باق هناك في مكان ما. ماشي، لكن أن أتحرك في الزمن ثم أحمل نفسي طفلاً كما يحمل المرء الطفل على يديه، فهذا أمر مختلف ولا شك. والله أعلم، يؤتي العلم من يشاء.

بين الثراء والتخمة

لقد أقسم الله بالقلم وبما يسطره به الإنسان. بل إن القلم-القراءة والكتابة-هو الوسيلة الوحيدة التي اختار الخالق أن يتواصل بها مع عباده، فالكتب السماوية هي، كما ترى، كتباً تقرأ وتتلى. والجاهل بالقراءة غير مستطيع للتواصل مباشرة مع كتاب الله، فهو بحاجة إلى من يقرأ له. هكذا جعل الله للقراءة والكتابة مكاناً خطيراً في حياة الإنسان منذ بداية الخلق.

وفي عصرنا الحالي تمتليء حياة الناس بآلاف مؤلفة من الصحائف المكتوبة، ما بين كتب ومجلات وصحف ومواقع على الإنترنت. والناس حتى في البلاد الفقيرة ما زالت تقبل على قراءة الصحف وغيرها، إذ يهيء لهم ذلك نوعاً من الاتصال بالحياة ورؤية عالمهم من نافذة مفتوحة، أو شبه مفتوحة. ومهما كان ما يطلون عليه من هذه النافذة، فإن الإنسان يفضل وجود النافذة على عدمه. بل إنه لو لم تتاح له نافذة حقيقية تراه يدفع ماله لقاء لوحة يعلقها على الحائط، مرسوم عليها نافذة مفتوحة على الدنيا، ثم يجلس إليها كل يوم. وفي جلسته يلعن النافذة المزيفة ويسخر منها بما في نفسه من مرارة القهر وحسرة الحرمان!

في خضم هذا البحر اللجي الذي لا يرى الفرد له أولاً من آخر، قد يقف المرء ذات مرة ليفكر ويحاول الاستيعاب والرؤية. ليس الاستيعاب وليست الرؤية لتلك الأعداد التي لا تحصى مما يقرأ، ولكن لموقف الإنسان منها ومنهجه في التعامل معها!

الميت الحي

نعلم أن الموت انتقال إلى عالم آخر وليس نهاية للوجود الإنساني، غير أنني أقصد بالميت، في العنوان أعلاه، من انعدم وجوده فشعوره، من قبيل البيت المشهور ما لجرح بميت إيلام. قد تكمل البيت قائلاً، مثلا: ولا ينتفع من شراب أو طعام، فتكون صادقاً أيضاً. يعني الميت مش فارق معاه الحلو أو الوحش. لا هو يستمتع بما هو جميل ولا هو يتألم لشيء فيدرك أن هنالك من يظلمه. فقد غادر جسده الدنيا، ورحلت روحه وحدها لتستأنف حياتها في مكان آخر!

على كل، ليس حديثي عن الموت، ولكن عن الحياة. أو عن كيف نحيا نحن الأحياء في الأرض-حتى حين. أردت بداية أن أعنون التدوينة بسؤال: هل تشعر بنفسك؟ أنا لا أشعر بنفسي. أعلم أن معظم الناس معي في الهوا سوا، معلقين بين الوعي والغيبة أو الغيبوبة. معلقين بين الإدراك والجهل العميق بأنفسنا وبالعالم وبالآخرين، وفوق كل ذلك بالله علا شأنه. تخيل أو جرب أنك تمشي مغمض العينين وقد تعودت أن ترى بهما، هكذا في الحقيقة نمشي في الحياة. لست أعني هنا تشاؤمات الأغاني الحزينة أو فلسفات العدم والعبث، ولكنني أشير في الواقع إلى كنوز الحياة الظاهرة المخفية. إلى النور!

الأمر لا يتطلب سوى قرار وجهد واعي يحاول ألا ينقطع إلا ليتصل. جهد واجتهاد لكي نعيش يومنا محاولين أن ندرك ونرى ما حولنا، ألا نترك مشاعرنا الخفية والقوية دون انتباه منا، دون أن نسميها لأنفسنا.

نحاول أن نلاحظ هؤلاء الذين نعاشرهم كل يوم معاشرة تكاد وربي أن تكون معاشرة جماد لجماد. أن نفهمهم وننظر إلى وجوههم ونعرف ماذا يريدون.

لو فعلنا وعملنا على الخروج من هذه الغيبوبة المتصلة التي نرضى بها لأصبح كل منا “شخصاً آخر”، هذا الشخص الذي تتوهمه، هذا الظل الذي يطوف أحيانا بذهنك في نور إنسان بعيد في الداخل، لا تراه واضحاً تماما ولا ترى ملامحه ولكنك تشعر أنه أجمل وأعظم وأكثر إنسانية. هو أنت كما ستكون حين تشعر بنفسك وبالكون وبالآخرين، فإن فعلت اصطفاك الله لكي تراه هو أيضاً، فتدرك أنك لم تر كل ذلك من قبل إلا في نوره الذي نشره لك وترك لك القرار، هل ترى في النور أم تغمض عينيك في كسل وخيبة وجهل، وتواصل المسيرة!

ليلة رمضانية

أفطرت منذ قليل، إفطار رمضان يعني. كنت أطبخ ثم جاءني إبراهيم ابن أختي بوجبة من المطعم، فتركت ما أطبخه للسحور وهجمت على ما آتاني الله من طعام عن طريق عبده ابراهيم عرابي! غير أنني لم أكمله، بالكاد أكلت نصف الأكل أو أقل. ليس هذا بالأمر الغريب طبعا، ومن يعرفني يعرف ذلك جيدا.

المهم، غدا وبعد الغد أجازة من العمل، أي أنني حر ليومين قادمين، بدءا من الليلة بالطبع. ولكن ليس المهم هو أنني حر، فالمهم حقا هو كيف سوف أستخدم حريتي هذه على مدار اليومين القادمين؟ ما أسهل أن يضيع الوقت في لا شيء. المزعج أن حياة الانسان قد يضيع معظمها في لا شيء!