العالم الأجدد

إذا كانت أمريكا هي العالم الجديد، والذي مر على “اكتشافه” من قبل أهل العالم القديم بضعة قرون، فلم يعد عالماً جديداً تماماً.. فما هو العالم الأجدد؟

يكون العالم جديداً لأنه يقدم نموذجاً جديداً يختلف عما اعتدنا عليه في حياة الناس. يغير القوانين ويقلب الموازين.

العالم الأجدد هو عالم الإنترنت. لم يتم اكتشافه فجأة وإنما تم بناؤه طوبة فوق طوبة، ثم تم توصيله بعوالم أخرى مثل عالم التلفون المحمول، فنتج عن هذا الاتصال نسخاً أحدث من هذا العالم الجديد، ودخلنا في مرحلة النمو المتسارع التي لا نعلم معها تماماً كيف سيكون شكل هذا العالم بعد خمسة أو عشرة أعوام من الآن.

هذا العالم غير قوانين الاتصال والتجارة والأعمال، وقلب موازين الإعلام والمعارف والوصول إلى المعلومات، وزلزل الأرض التي تقف عليها الحكومات والسياسات.

ومع أن أكثر أهل العالم القديم قد سمعوا عن هذا العالم أو أصبحوا جزءاً منه بالفعل، إلا أنه لم يزل هنالك الملايين منهم تسمرت أقدامهم في العالم القديم بسبب الفقر والجهل فلا يعوا شيئاً عن هذا العالم الجديد دائم التجدد.

هذا هو العالم الأجدد. لقد غير حياتك بالفعل، ربما دون أن تدري! حاول تركه تماماً والعودة إلى العالم القديم عودة نهائية وسوف تدرك حجم المسافة التي تفصل بينك وبين عالم الماضي! إن العودة أصعب كثيراً من الذهاب!

هل غيرت هجرتك إلى هذا العالم الجديد من حياتك إيجاباً أم سلباً؟ أو لعله خليط من هذا وذاك!

لماذا يفنون أعمارهم من أجل ورقة؟!

الفساد في الدول غير الحرة يهيء مناخاً مواتياً لجمع ثروات هائلة لدى فئة لديها من أدوات النفاق واستسهال الكذب وغض البصر عن حقوق الآخرين ما يتيح لها فرصاً سانحة لجمع المال.

الباحثون عن المال بشتى الطرق يريدون إسعاد أنفسهم بلا شك، وعائلاتهم معهم. يعطيهم المال الكثير من المميزات وأسباب المتعة المادية والراحة والرفاهة. لكن ما يثير حيرة بقية الفئات التي فاتها نصيبها أو حقها في هذا المال هو ما يفعله كبراء البلاد ببقية الأموال المخزنة في البنوك. ماذا سيفعل السيد الحاكم أو السيد المسئول أو السيد “رجل الأعمال” بمليار دولار في حساب سري في سويسرا؟ هل يؤمن مستقبله؟ ألا تكفيه مائة مليون دولار مثلاً لتأمين مستقبله؟ هل سيعيش حياة بائسة لو تخلى عنه عرشه فجأة فوجد نفسه مضطراً للحياة بمائة مليون دولار فقط بقية عمره؟

لكن البعض لا تكفيه حتى المليار دولار. يواصل الجمع. يشتري القصور والعقارات في بلاد الله. وتزيد الأموال السائلة في الحسابات البنكية، خارج بلده بالطبع. وربما يعيش في بلد تحيا فيه عائلات بأسرها في شهر كامل على ثمن وجبة طعام واحدة فاخرة (أو فاجرة) في كرش سيادته.

لابد أن هؤلاء السادة يتمتعون أيضاً بقدرة عبقرية على إغلاق مسام الإحساس الإنساني لديهم حتى لا يزعجهم التفكير في الفقراء والبؤساء. لكن ما مقابل إغلاق هذه المسام الإنسانية في وعيهم؟ ما هي بالظبط قيمة الأموال المتراكمة في البنوك؟ ألا يتحول المال إلى مجرد ورقة حينما يرقد ساكناً في الأرصدة؟ هؤلاء الأكابر لا يحصلون من هذه الأموال الإضافية إلا على ورقة أخرى مكتوب عليها رصيدهم المنتفخ، وهو مجرد أرقام! لا يستطيعون حتى لمس الأوراق الدولارية الخضراء في بطون البنوك الأجنبية، لكن ذلك أفضل عندهم من خروج الورقة من بطن البنك لكي تضع طعاماً في بطن الجائع!

هؤلاء البائسين يقتلون أرواحهم من أجل أوراق وأرقام نظرية لا يتسع لها جوف إنسان مهما كان حجم “كرشه”!

شدو المرئي – التوقيع أو الوقوع!

منذ فترة وأنا “أفكر” في التجريب مع التدوين المرئي كوسيلة مختلفة للتعبير عن الأفكار. لا غنى عن الكتابة والقراءة، غير أن تنوع الوسائل يتيح لرسائل مختلفة أن تتحرك وتتجسد وتعبر عن نفسها! ومن مزايا هذه الوسيلة أننا إن تأخرنا في الكتابة وجدنا منفذاً آخر للأفكار ييسر لها الخروج والتواصل. ولأنني من الذين قد يقضون عمرهم بأكمله “يفكرون” فلابد أن أقطع “حبل التفكير” بمقص الفعل! فإن أخرجنا الفكرة إلى الحياة تركناها لجدارتها، إما أن تحيا وإما أن تموت! ولذلك قررت فجأة ليلة أمس أن أتوقف عن التفكير وأن أجرب، دون انتظار لحسن الإعداد إلخ إلخ وبقية أعذار التأجيل.

وهذه تدوينتي المرئية الأولى عن بيان التغيير ولماذا يجب علينا توقيعه، بغض النظر عن موقفنا من البرادعي. هذا رأيي في عشر دقائق. إذا رأيت أن الأفضل لشدو الاكتفاء بالكتابة والاختفاء خلف الكلمات فلا تخجل أو تتردد في التعبير عن رأيك!

القهر كالماء والهواء

حدثتني صديقة أمريكية عن شعور انتابها وهي في بلد عربي “إسلامي”، أي يدعي نظامه تطبيق الشريعة الإسلامية، وأدهشني تعبيرها إذ ذكرني بمشاعري الشخصية إزاء مظاهر الفساد في بلدي، وهو أيضاً بلد عربي مسلم – وإن لم يكن “إسلامياً”! فقد قالت أنها كانت تشعر بحضور القهر في كل شيء حولها.

أذهلتني الكلمات للحظات. ربما كنت أظنه شعوراً شخصياً أو خاصاً بقاطني الأرض لا يحسه الغرباء، الزائرين العابرين. لكن لعله في الواقع شعوراً موضوعياً. أذكر والدتي رحمها الله وهي تقول لي أن الكون كله يتجاوب مع غلبة الظلم أو العدل في أرض بعينها، وأنها في بدايات عصور مختلفة عاشتها في مصر كانت تنظر في شكل الزرع فتحدثها فطرتها أن العصر الباديء عصر عدل أو عصر قهر!

وكأن غلبة الظلم تغطي الكون بعباءة كئيبة، تتخلل ظلمتها وكئآبتها الزرع والهواء والأحياء، من إنسان وحيوان. لا أنكر أنني شعرت بهذه العباءة الكئيبة في أرض مصر. إن القهر لا يأتي فقط من أعلى إلى أسفل. بل هو حاضر في كل مكان. في دكان صغير لحرفي يقهر طفلاً اضطره ضياع حقه في خير بلده أن يعمل من أجل رزق عائلته. في بيت مجهول تلغى فيه إرادة وعقل الزوجة والابنة والأخت، لأنها أمرأة! في فصل دراسي تتكدس فيه أجساد صغيرة وعقول نيئة ينضج وعيها على مدرس يتأسد عليهم بالصوت والعصا، ويصب فوق عقولهم كتباً ومناهج كالصلب، هي في ذاتها قهر الغباء والعبث فوق عقول مجبرة على اجترار علقم، مر في طعمه، عسير في هضمه!

أما الأدهى والأعجب فهو أن ينام الناس ويتغطون بالملاءة الكئيبة، فلا تزكم أنوفهم عفانتها، ولا يخنق أنفاسهم امتصاصها لمعظم نصيبهم من الهواء، ولا يوقظهم انزعاج من غلبة الكوابيس!

كيف يمكن للمهاجر أن ينفع وطنه؟

لا تعني الهجرة أن ينجو الإنسان بنفسه مما يكره ثم يعيش ناعم البال وكأنه ولد من جديد في أرض جديدة! لا أتحدث عن متاعب المهاجر في أرض المهجر فطبيعة الحياة ألا تخلو من عقبات ولا تنجو من منغصات، أياً كان موقعك في الأرض. فالهجرة هي تحرك من أرض إلى أرض وليست تحرك من كوكب إلى كوكب آخر، أو من حياة دنيا إلى جنات النعيم! وإن كنت لا أنكر أن البلدان تختلف اختلاف عالم عن عالم وحياة عن حياة، لكل عالم منطقه وقوانينه وطبيعته. وأياً كان الأمر فالخلاصة أن مهاجر الجيل الأول لا يستطيع الانغماس التام في عالمه الجديد والانفصال عن بلده الأول.

لعلك تذكر ما كتبته هنا من قبل من مقارنات وتحسرات على ما يغيب في بلدى الأم مما أراه في بلد مهجري من حسنات. ولقد أشرت من قبل أيضاً أن المهاجر يظل في مقارنة دائمة، لا أظنها تهدأ مهما طال عمر المرء في مهجره. وفي مقابل رؤية بعض محاسن الحياة في المهجر والغائبة عن بلداننا تأتي خبرة أكثر إيلاماً، ألا وهي الاطلاع على تدرج الوطن في مهابط سوء الحال من سيء إلى أسوأ! فقد كان الحال في مصر منذ سبعة سنوات، زمن هجرتي، أفضل منه الآن، على الرغم من أنني كنت ضائقاً بسوء الحال أيما ضيق في ذلك الوقت. إن ما يصلني الآن من ارتفاع الأسعار وسرعة الانحدار يكاد أن يتمثل في ذهني كمشاهد عبثية سيريالية لا يمكن أن تنتمي إلى الواقع! كيف يمكن أن يعيش محدود الدخل في ظل هذه الأسعار؟! إن عائلات بأكملها لابد أنها تبيت لا تدري أنى لها بقوت يومها؟! لقد وصل الأمر بنا إلى الشك في قدرة قطاع عريض من الناس على توفير أدنى احتياجاتهم الحياتية كبشر!

في حضور هذه الصورة الكئيبة، أتساءل أحياناً كما يتساءل أي إنسان طبيعي أمام مصائب البشر: وماذا أستطيع أن أفعل؟!!! وهذه مصيبة غير بعيدة، فالناس كثيراً ما ينظرون بقليل من المبالاة إلى المصائب البعيدة، لكن وطنك قريب مهما ابتعدت عنك أرضه! نعم أنا أكره أشياءً كثيرة في مصر ولذلك تركتها، لكن هؤلاء الذين لا يستطيعون حتى أن يجدوا طعامهم بيسر ما ذنبهم؟ أن الإنسان حينما يضعف أمام احتياجاته شديدة الأساسية لا يمكن أن تطلب منه خيراً كثيراً أو تغييراً لفساد أو أن تحاسبه على خراب يطغى على كل ما حوله! هؤلاء بشر يحتاجون أولاً لأياد تنتشلهم وتتيح لهم أن يتنفسوا بعض نفسات الهواء لحياة طبيعية!

والسؤال الذي خطر لي هو: وهل يستطيع الذين هاجروا أن يقدموا شيئاً لأوطانهم التي تعرضت لكوارث إفسادية؟! والسؤال عام وشخصي، فهو للمهاجرين على اختلاف مواقعهم وظروفهم، ولي أنا أطرحه على نفسي كمهاجر، لعلني أعلم إن كان في قدرتي أن أساهم بأي قدر من إصلاح، كبير أو حقير!

إن أول ما قد يتبادر إلى الذهن حين التفكير في مساهمات المهاجرين هو تحويل الأموال إلى عائلاتهم. ومنذ سنوات قرأت أن تحويلات المصريين العاملين في الخارج هي المصدر الأول للدخل القومي! ولم أر في ذلك إلا فضيحة قومية! ففي ذلك إشارة فجة أن من تركوا البلاد هم أكبر عناصر الوطن مساهمة في اقتصاده! وليس في ذلك إقلال ممن لم يهاجروا بالطبع، لكنه يوضح إلى أي درجات التعطيل للطاقات وصلت أحوال الداخل.

ولكن ألا يستطيع المهاجرون المساهمة في إصلاح أوطانهم الأم بأشكال أخرى أيضاً؟ الحق أن إرسال الأموال لعائلاتهم لا يدخل تحت بند “الإصلاح” بأي حال، لكنه في واقع الأمر إنقاذ لما يمكن إنقاذه، أو جرعات من معونات خارجية لجسد مريض غير قادر على إقامة نفسه والقيام بوظائفه الحيوية بشكل طبيعي!

إن أقصى ما استطعته أنا شخصياً حتى الان كمهاجر هو الهم بمعاناة الناس في بلادي. لكن، وكما يقول الكاتب الأمريكي د. وين داير، فإنه مهما زادت أحزاننا وهمنا لمعاناة الآخرين فإن ذلك لن يحقق أي قدر من التخفيف لمعاناتهم. إن الهم بمشاكل الوطن لا يهدف في حد ذاته لتخفيف أو معالجة أياً منها، لكن العلم والرصد لما يحدث خطوة ضرورية نحو فرصة مستقبيلة قد يتيحها القدر للمساهمة في التغيير. ومن ثم فإن الاستمرار في المتابعة ومحاولة الفهم، وإن بدا سلبياً غير مؤثر، فإنه ضرورة، على كل آمل في انصلاح الحال ألا يتخلى عنها قدر الإمكان.

الوسيلة الأخرى التي يستطيع المهاجر بها أن يقدم شيئاً محدوداً هي تقديم خبرته في الهجرة للمهاجرين الجدد من أبناء وطنه، أو الذين لا يزالون في مرحلة التفكير في الهجرة. إن أمراض العروبة من تنافر وصد عن التعاون والوحدة ترحل مع كثير من المهاجرين إلى عالمهم الجديد وتصاحبهم في معاملاتهم مع إخوانهم. وأنا أقول أن كثيراً منا في إعراضه عن المساهمة في تقوية مجتمعه في المهجر بشكل عام، وإيثاره أن يركز جهده على أموره الخاصة إنما يتغافل عن حقيقة مهمة هي أن قوة الجزء من قوة الكل، قوة الفرد من قوة ما ينتمي إليه من جماعة أو وطن أو فكر. والمهاجرون الذين لا يحاولون المساهمة في تعزيز مجتمعاتهم الصغيرة في المهجر إنما يحكمون على أبنائهم أن يشبوا في هذه الأوطان مثل فرع شجرة مقطوع، لا حول له إلا طاقته ولا معين إلا ما تجود به الأقدار والأحوال، بينما يحقق الانتماء إلى جماعات قوية دفعات قوية تعين الفرد الضعيف على الإنجاز الأسرع في الاتجاه الأصلح. ولذلك فعلى المهاجر ألا يبخل بالنصح والتوجيه لمن يريد الهجرة حتى يأتي مهاجراً على بينة ولا يبدد سنواته الأولى في الهجرة في ظلمات من الجهل وقلة الخبرة. كذلك على المهاجرين بقدر الإمكان العمل على تعزيز مجتمعهم في الهجرة، فإن هؤلاء المغتربين أنفسهم إن تزايدت قوتهم وتعززت مواردهم كانوا بعدها أقدر على تقديم أشياء ذات قيمة لمن تركوا خلفهم في أوطان بائسة دمرتها السرقات ونهب الحريات والخيرات.

أما آخر وسائل المساعدة التي تحضرني هي مساهمة المهاجر صاحب الخبرة والتخصص في أي مجال من مجالات العلم والعمل في نقل ما ينفع إلى أبناء وطنه. وقد يتعذر في أكثر الأحوال أن يستطيع المهاجر المساهمة على نطاق واسع أو بشكل رسمي، لكن عليه أن يحاول توصيل هذه الخبرات ولو بشكل فردي ولعناصر فردية قليلة في بلده. فالطبيب المهاجر قد يحاول مساعدة طبيب واحد في وطنه بالعلم والخبرة. وكذلك المهندس أو خبير الإدارة، إلخ.

بل وقد يستطيع جماعة من المتخصصين في مجال واحد في المهجر أن يجتمعوا على تقديم شيء ولو لعدد محدود، مثلاً قد يجتمع عدد من المهندسين المصريين أو العرب في الخارج ويقوموا بتمويل منحة دراسية لطالب متميز في وطنهم، فهذه الجماعة قد تسهم بذلك في تحويل حياة إنسان وأسرة كاملة تحويلاً كاملاً. وكل خير يأتي لفرد قد ينتج بعده خيراً كثيراً يعود على جماعات وأوطان. والتغيير والإصلاح قد يبدأ فرادى قبل أن يبدأ على نطاق أوسع وأجمع. والوحدة على هدف أو عمل أكثر خيراً وأوفر ثمراً وأكبر أثراً من عمل فرد واحد، يعيش عمراً ثم يرحل إلى قبره صفراً من إنجاز لخير أو تعمير في أرض!

الرقابة المصرية والصفحات الضائعة!

لست متابعاً جيداً لكل ما يحدث في مصر الآن، غير أن متابعتي الكسولة لبعض المدونات المصرية أحاطتني علماً بمشروع حجب المواقع الإباحية في مصر. وبالطبع يخشى الكثيرون – ومعهم حق – من أن يمتد حرص المسئولين على أخلاق الشباب المصري من حمايتهم من المواقع الإباحية إلى حمايتهم من غياهب السياسية وتعقيدات المعتقلات. فالشباب الثائر لا يجني إلا البهدلة، ومن ثم فإنه من المنطقي أن نحميه من كل ما يؤجج ثورته!

ولقد ذكرني ذلك بأحد فصول تجاربي الشخصية مع إبداعات رجال الرقابة في مصر. فذات يوم منذ ما يقرب من عقد كامل من الزمان، دخلت مكتبة فرنسية في مصر الجديدة تلبية لنداء إدماني القديم لتصفح الكتب، وشراء الكثير منها، ثم قراءة القليل مما أشتريه! وبينما أنا أقلب بصري بين المجلات وجدت عنواناً شدني على غلاف إحدى المجلات، إذ يحوي العدد ملفاً كاملاً عن تجارة البغاء واستعباد النساء في العالم، فقررت فوراً شراء المجلة. ويعلم الله أنني لست قديساً لم تر عيناه ما لا يجب أن تراه، غير أنه علم أيضاً أن شرائي للمجلة كان تلبية للنداء الطفولي بضرورة القضاء على مظاهر الظلم والفساد في العالم، وهو ما لا يمكن تحقيقه بداهة إلا بالعلم والإحاطة بما يحدث. فلا يمكن لمحبي العدل أن يحاربوا ما يكرهوا دون إدراك كامل لوسائل وقدرات المفسدين. وهكذا خرجت بالمجلة وذهبت فوراً لأجلس في الشارع وأبدأ رحلة تغيير العالم في خيالي. فإذا بي أفتح المجلة لأجد أن هنالك إحدى عشر صفحة كاملة مقطوعة بفعل فاعل، هي تماماً ذات الصفحات التي تحتوي على ملف تجارة الرقيق الأبيض! عدت إلى المكتبة وقلت للسيدة التي باعتني المجلة أن هنالك صفحات ناقصة، فقالت لي أنها هكذا تأتي بعد المرور على الرقابة، وأن لي أن أبحث بين النسخ الأخرى للمجلة إن شئت. بحثت في كل نسخ العدد فوجدت بالطبع أن الصفحات ذاتها مقطوعة. فأعدت المطبوعة وأنا حانق على هذا الغباء، فالمجلة هي في النهاية مجلة ثقافية محترمة وليست مجلة جنسية. بل وقالت لي نفسي الخبيثة لعل من قطع هذه الصفحات يبيع ما فيها من صور للمراهقين على أبواب المدارس!

بعد أن تذكرت هذه الحادثة أردت أن أفكر في الوسائل الحقيقية التي يمكن بالفعل أن تحمي الشباب من تبديد الوقت والطاقة في مشاهدة العري والجنس. وأنت تعلم مثلما أعلم أن حجب المواقع لن يحقق خطوات عملاقة ولا خطوات قزمة نحو هذا الهدف. وإذا كانت الرقابة قد قطعت إحدى عشر صفحة من هذه المجلة القديمة، فدعني إذن أخرج الصفحات الحقيقية التي لها بالفعل أن تحمي الشباب من المواقع الفاسدة إلى النور، وأعلنها على الملأ، وجميعها كما سترى صفحات مقطوعة – بفعل فاعل – من واقع الشباب المصري! ولقد رأيت أن أبحث عن 11 صفحة أيضاً، صفحة ضائعة ذات أثر حقيقي مقابل كل صفحة وهمية قطعتها يد الرقابة العبثية من المجلة المذكورة:

1- الأمل: لن يضع الزارع بذرة في طين الأرض، وينفق الجهد والماء يرويها ويعتني بها، وهو يعلم بداية أن تربته عقيمة لا أمل فيها، وأن البذرة لن تجني من الماء والجهد نمواً ولا إثمارا. فإن ذهب المزارع إلى أرض علم من خبراته السابقة ومن تجارب الآخرين المتكررة أنها لا تصلح للزراعة، فإنه سوف يستكين إلى الكسل واليأس طالما بقي في حدود هذه الأرض الجرداء. وسوف تضيع أيام المسكين وعمره في محاولات لقتل الوقت وتغييب العقل. فالأمل هو المحرك الأول للعمل، ومن يعمل لن يجد وقتاً لمشاهدة الأفلام الإباحية أو تدخين البانجو!

2- الثقة: لن يستغني الشباب عن مشاهدة المواقع الإباحية والسقوط في الزواج السري المسرحي (المشهور بالعرفي) وهو فاقد للثقة في المسئولين عن أمور بلده وإدارتها. ففقد الثقة ينتج شعوراً بعدم الأمان يقتل طاقة العمل لدى الإنسان.

3- التعليم: لو كانت سنوات التعليم الأساسي والجامعي أكثر فعالية في إقناع الشباب بجدواها، ولو كان نظام التعليم في مصر يسمح بتنمية قدرات الإنسان المصري العقلية والعملية لوجد كثير من الشباب منافذ لطاقتهم وبواعث لنشاطهم تجنبهم الإفراط في ما يبدد الوقت بغير نفع.

4- الاقتصاد: لو كان الزواج ميسوراً لانتهت علاقة أكثر الشباب بالمنتجات الإباحية بمجرد الزواج!

5- المنافع العامة للشباب: أين يجد شباب مصر ملاعب مهيئة للعب كرة القدم؟ وكم يوجد لدينا من ملاعب تنس، وحمامات سباحة وصالات رياضية متاحة بعيداً عن نوادي العاصمة، ويستطيع الشباب من الأحوال الاجتماعية والاقتصادية المختلفة استعمالها!

6- ثقافة الزواج الصحيحة: صعوبة الزواج مشكلة مزدوجة، فالشباب بين اقتصاد صعب وثقافة زواج مادية فاشلة لا يجد أقرب ولا أيسر من فيلم جنسي أو زواج عرفي!

7- توفر الفرص: أصبحت مصر ومنذ عقود طويلة بلداً مغلق الآفاق مسدود الطرقات! ففي بلد مثل الولايات المتحدة على سبيل المثال يشعر الإنسان أن الفرص تأتي لأصحاب النشاط والعمل والذكاء، وأن من لديه الاستعداد والطاقة على العمل والمخاطرة يمكنه أن يغير ظروفه ويطور حياته، أما في البلدان المخنوقة فإن الفرصة تكاد ألا تتهيأ إلا لأصحاب المال أو السلطة. والفرص المتاحة للجميع محدودة العدد ومحدودة الآفاق كذلك. ناهيك عن عدم المساواة الصارخ بين العاصمة والأقاليم، ومحو ما يربو على نصف السكان – وربما أكثر – من خريطة الفرص أساساً (الأمية).

8- مناخ سياسي صحي: يتصل ذلك اتصالاً وثيقاً بمناخ الثقة. كما أنه من دواعي قتل الأمل في نفوس الشباب، وقد تمت الإشارة إلى أدوار الثقة والأمل.

9- المشاركة وثقافة الأعمال التطوعية: لو نظرت إلى المجتمعات الغربية الأكثر تقدماً لوجدت شيوع النشاطات التطوعية بما يتعدى بمراحل حجم تواجدها لدينا. والنشاط التطوعي ذو منافع متعددة للمشاركين فيها ذاتهم وللمستفيدين منها سواءً بسواء. ومعلوم أنه لن يتطوع بوقته وجهده من لا يجد متسعاً في الوقت والرزق لينظر خارج ذاته ومشاكله. والأعمال التطوعية تختلف تماماً عن مجرد إخراج صدقة أو زكاة، فهي إنفاق للوقت والجهد وخبرة مباشرة بأحوال من هم أقل منا في الحظ والرزق. غير أن هنالك نسبة من شبابنا تعاني الفراغ وتنعم بسعة في الوقت والرزق، لو وجهوا بعضاً من ذلك في نشاطات تطوعية منظمة لانتفعوا ونفعوا.

10- إخراج مصباح الدين من قمقم الصلاة والصوم والحجاب: هذا حديث طويل. فالدين قد يكون أفيونةً معطلة أو إكسيراً منشطاً. وحينما يحصر الفكر الجماعي جوهر الدين في طقوس حركية وفروض مظهرية فإن الدين لا ينقذ ولا يغني من فقر وجهل ومرض.

11- الحرية: الحرية – حرية النفس – هي محصلة كل ذلك. فالفقر وانعدام الأمل وانسداد الآفاق وعدم القدرة على الزواج، كل هذه أسباب يشعر معها الإنسان أنه فاقد لحريته، عاجز عن التأثير في نفسه وفي الحياة من حوله. والشعور بالعجز يطفيء روح الإنسان ويحوله إلى عقل ثقيل وبدن عليل. وما الثورة أو الهوجة إلا اندفاعة نفاد القدرة النفسية للفرد على تحمل سجن العجز.

ولو كانت في نفوس القائمين على شباب مصر رحمة حقيقية بهذا الشباب ووقته وطاقاته لأعادوا له هذه الصفحات المقطوعة، بدلاً من قطع مواقع وصفحات تافهة، لا يهتم لها إلا التافهون!

رسالة في حلم

فيما يرى النائم، رأيتني متخذاً مجلسي على الأرض وسط نفر قليل من الرجال، في جو يوحي بالتواضع والبساطة الشديدة. يلتف الجمع الصغير حول قطعة قماش على الأرض وفوقها بعض من طعام، في إحدى ليالي العيد. على يميني هيئة غير واضحة المعالم لرجل يرتدي جلباباً أبيض، أعلم في الحلم أنه رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم. وعن يساري رجلان أو ثلاثة لا أعرفهم. كنا نهم بالأكل، فإذا بالرسول يلفت انتباهنا لرجل غير ظاهر، يبدو أنه جالس في الخلف، ويأمرنا أن نطعمه فهو الأولى، كونه فقير. مددت يدي إلى حافظة نقودي أبحث عن بعض مال من حق هذا الفقير كي أؤديه إليه، وأخذتني به الرحمة فانخرطت في بكاء غزير، ثم انتهى الحلم على هذا البكاء.

لا أذكر تماماً متى كان هذا الحلم، ولكنه من تلك الأحلام التي تبقى في الذاكرة لا تبرحها، مع بساطة أحداثه وقلتها. أثبته هنا تدبراً لرسالته، ومحاولة لتذكرها والعمل بها. وقد يرى فيه غيري ما لم أستطع أنا رؤيته.

ما أكثر ما ينسى الإنسان نفسه إذ تستولي عليه تفاصيل حياته اليومية، ومشاكله الذاتية، ورزقه وأمانيه. ولا نحسبن أن ذلك من تذكر الإنسان لنفسه، بل العكس تماماً هو الأصح. فالإنسان كلما أحاطت به أنانيته ذهل عن ذاته وانفصل عن نفسه. ولا يعود المرء للتواصل مع ذاته والتصالح معها إلا بالنظر في الكون والهم بأحوال الدنيا والناس. قد يكون ذلك أن من صلب رسالة الإنسان على الأرض وأسباب زيارته لها كونه مستخلفاً فيها. والخليفة مطالب، بحكم الوظيفة، بالاهتمام بأحوال رعيته. والكل راع ومسؤل عن رعيته كما أخبر نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم.

هاكذا كان بكائي في الحلم بكاء التائه، الذي انتبه فجأة لحقيقة ما غفل عنه من تيه نفسه. فعادت النفس من ضلالها وأفاقت على وجود مثل هذا الفقير الذي هو إنسان مثلنا له نفس مثل ما أن لنا نفس. ومن ظلم النفس أن نحفل بآمالانا وآلامانا ونعرض عن حق المحرومين في خيرات الأرض وضرورات العيش. ما أقبح غفلتنا عن حقوق الخلق.

ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين…