عمر بن الخطاب ودرس في فن القرائة

أظن أن عمر بن الخطاب هو القائل أنه أو أنهم (أي إخوانه من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم) كان يحفظ سورة القران في شهور وأعوام، لسبب بسيط، أنه لا ينتقل لحفظ مجموعة تالية من الايات حتى يفهم ويعمل بما قام بحفظه من قبل.

تذكرت كم قرأت من كتب التطوير الذاتي، لا سيما بعد انتقالي إلى الولايات المتحدة، حيث تحظى هذه الكتب بشعبية كبيرة وتجد منها ما لذ للقلوب وطاب للعقول. والحق أنك تجد في هذه الكتب فكراَ ومعلومات شديدة النفع بالفعل، لكن لو عمل بها من يقرأها. أذكر أنني ذات حوار لي مع صديق عزيز مصري أمريكي يهوى مثلي هذه الفئة من الكتب قلت له أن هنالك خطر خفي أحياناً ما يكمن في قرائة هذه الكتب، إذ يستمتع القاريء بمشاعر الإيجابية التي تبثها هذه الأفكار في نفسه وهو يتخيل نفسه يعمل بها ويصلح من نفسه وحياته، ولكن الإنسان من طبعه البرود، فما يلبث القاريء أن تبرد مشاعره بعد أن يفارق كتابه، ولا يحاول العودة لما قرأ والعمل على هديه. فإذا أحب القاريء الاستزادة من مشاعر النشوة بأفكار النجاح والإنجاز، بحث عن كتاب جميل يتحدث عن هذه الأشياء وقرأ فيه، وتحمس وانتشى، ثم وضع كتابه ونسي!

ووافقني صديقي قائلاً أن قراءة هذه الكتب بالفعل تشعرك بالإنجاز فلا تسعى للانجاز الحقيقي في عالم الواقع. والمفارقة أن مثل هذه الكتب هي من أكثر الأدبيات عملية، فالقصة أو التاريخ ودراسات الفكر لا تعلم أو تحثك على اتخاذ فعل معين، أما هذه الكتب فموضوعها الأول هو ما يجدر بك أن تفعل وكيف تفعله.

كلنا يعلم الآية القرآنية التي يعلمنا فيها الله عز وجل أنه يمقت أن يقول المؤمنون ما لا يفعلون. كما نذكر كيف عبرت أم المؤمنين عائشة عن خلق نبي الإسلام بالوصف العبقري: “كان خلقه القرآن”، فالقرآن لم ينزل متفرقاً لغير حكمة، ولكنه يصنع نفس النبي وأخلاقه ونفوس وأخلاق من صحبه على مدار الأيام، والله يعلم أن الإنسان لا ينصلح كل حاله في يوم، ولكنه سعي متجدد ومتكرر.

هكذا تتبدى عبقرية درس عمر للقراء، في قرائتهم للقران أو لما علمه الرحمن للإنسان. أتمنى ألا أنتقل عن كتاب إلى غيره أو من مقال إلى آخر حتى أحاول التعلم والعمل بما قرأت، فتكون القراءة علماً نافعاً لا صاحبة للكسل وبقاء الحال على ما هو عليه، من يحاول معي؟