كيف يمكن للمهاجر أن ينفع وطنه؟

لا تعني الهجرة أن ينجو الإنسان بنفسه مما يكره ثم يعيش ناعم البال وكأنه ولد من جديد في أرض جديدة! لا أتحدث عن متاعب المهاجر في أرض المهجر فطبيعة الحياة ألا تخلو من عقبات ولا تنجو من منغصات، أياً كان موقعك في الأرض. فالهجرة هي تحرك من أرض إلى أرض وليست تحرك من كوكب إلى كوكب آخر، أو من حياة دنيا إلى جنات النعيم! وإن كنت لا أنكر أن البلدان تختلف اختلاف عالم عن عالم وحياة عن حياة، لكل عالم منطقه وقوانينه وطبيعته. وأياً كان الأمر فالخلاصة أن مهاجر الجيل الأول لا يستطيع الانغماس التام في عالمه الجديد والانفصال عن بلده الأول.

لعلك تذكر ما كتبته هنا من قبل من مقارنات وتحسرات على ما يغيب في بلدى الأم مما أراه في بلد مهجري من حسنات. ولقد أشرت من قبل أيضاً أن المهاجر يظل في مقارنة دائمة، لا أظنها تهدأ مهما طال عمر المرء في مهجره. وفي مقابل رؤية بعض محاسن الحياة في المهجر والغائبة عن بلداننا تأتي خبرة أكثر إيلاماً، ألا وهي الاطلاع على تدرج الوطن في مهابط سوء الحال من سيء إلى أسوأ! فقد كان الحال في مصر منذ سبعة سنوات، زمن هجرتي، أفضل منه الآن، على الرغم من أنني كنت ضائقاً بسوء الحال أيما ضيق في ذلك الوقت. إن ما يصلني الآن من ارتفاع الأسعار وسرعة الانحدار يكاد أن يتمثل في ذهني كمشاهد عبثية سيريالية لا يمكن أن تنتمي إلى الواقع! كيف يمكن أن يعيش محدود الدخل في ظل هذه الأسعار؟! إن عائلات بأكملها لابد أنها تبيت لا تدري أنى لها بقوت يومها؟! لقد وصل الأمر بنا إلى الشك في قدرة قطاع عريض من الناس على توفير أدنى احتياجاتهم الحياتية كبشر!

في حضور هذه الصورة الكئيبة، أتساءل أحياناً كما يتساءل أي إنسان طبيعي أمام مصائب البشر: وماذا أستطيع أن أفعل؟!!! وهذه مصيبة غير بعيدة، فالناس كثيراً ما ينظرون بقليل من المبالاة إلى المصائب البعيدة، لكن وطنك قريب مهما ابتعدت عنك أرضه! نعم أنا أكره أشياءً كثيرة في مصر ولذلك تركتها، لكن هؤلاء الذين لا يستطيعون حتى أن يجدوا طعامهم بيسر ما ذنبهم؟ أن الإنسان حينما يضعف أمام احتياجاته شديدة الأساسية لا يمكن أن تطلب منه خيراً كثيراً أو تغييراً لفساد أو أن تحاسبه على خراب يطغى على كل ما حوله! هؤلاء بشر يحتاجون أولاً لأياد تنتشلهم وتتيح لهم أن يتنفسوا بعض نفسات الهواء لحياة طبيعية!

والسؤال الذي خطر لي هو: وهل يستطيع الذين هاجروا أن يقدموا شيئاً لأوطانهم التي تعرضت لكوارث إفسادية؟! والسؤال عام وشخصي، فهو للمهاجرين على اختلاف مواقعهم وظروفهم، ولي أنا أطرحه على نفسي كمهاجر، لعلني أعلم إن كان في قدرتي أن أساهم بأي قدر من إصلاح، كبير أو حقير!

إن أول ما قد يتبادر إلى الذهن حين التفكير في مساهمات المهاجرين هو تحويل الأموال إلى عائلاتهم. ومنذ سنوات قرأت أن تحويلات المصريين العاملين في الخارج هي المصدر الأول للدخل القومي! ولم أر في ذلك إلا فضيحة قومية! ففي ذلك إشارة فجة أن من تركوا البلاد هم أكبر عناصر الوطن مساهمة في اقتصاده! وليس في ذلك إقلال ممن لم يهاجروا بالطبع، لكنه يوضح إلى أي درجات التعطيل للطاقات وصلت أحوال الداخل.

ولكن ألا يستطيع المهاجرون المساهمة في إصلاح أوطانهم الأم بأشكال أخرى أيضاً؟ الحق أن إرسال الأموال لعائلاتهم لا يدخل تحت بند “الإصلاح” بأي حال، لكنه في واقع الأمر إنقاذ لما يمكن إنقاذه، أو جرعات من معونات خارجية لجسد مريض غير قادر على إقامة نفسه والقيام بوظائفه الحيوية بشكل طبيعي!

إن أقصى ما استطعته أنا شخصياً حتى الان كمهاجر هو الهم بمعاناة الناس في بلادي. لكن، وكما يقول الكاتب الأمريكي د. وين داير، فإنه مهما زادت أحزاننا وهمنا لمعاناة الآخرين فإن ذلك لن يحقق أي قدر من التخفيف لمعاناتهم. إن الهم بمشاكل الوطن لا يهدف في حد ذاته لتخفيف أو معالجة أياً منها، لكن العلم والرصد لما يحدث خطوة ضرورية نحو فرصة مستقبيلة قد يتيحها القدر للمساهمة في التغيير. ومن ثم فإن الاستمرار في المتابعة ومحاولة الفهم، وإن بدا سلبياً غير مؤثر، فإنه ضرورة، على كل آمل في انصلاح الحال ألا يتخلى عنها قدر الإمكان.

الوسيلة الأخرى التي يستطيع المهاجر بها أن يقدم شيئاً محدوداً هي تقديم خبرته في الهجرة للمهاجرين الجدد من أبناء وطنه، أو الذين لا يزالون في مرحلة التفكير في الهجرة. إن أمراض العروبة من تنافر وصد عن التعاون والوحدة ترحل مع كثير من المهاجرين إلى عالمهم الجديد وتصاحبهم في معاملاتهم مع إخوانهم. وأنا أقول أن كثيراً منا في إعراضه عن المساهمة في تقوية مجتمعه في المهجر بشكل عام، وإيثاره أن يركز جهده على أموره الخاصة إنما يتغافل عن حقيقة مهمة هي أن قوة الجزء من قوة الكل، قوة الفرد من قوة ما ينتمي إليه من جماعة أو وطن أو فكر. والمهاجرون الذين لا يحاولون المساهمة في تعزيز مجتمعاتهم الصغيرة في المهجر إنما يحكمون على أبنائهم أن يشبوا في هذه الأوطان مثل فرع شجرة مقطوع، لا حول له إلا طاقته ولا معين إلا ما تجود به الأقدار والأحوال، بينما يحقق الانتماء إلى جماعات قوية دفعات قوية تعين الفرد الضعيف على الإنجاز الأسرع في الاتجاه الأصلح. ولذلك فعلى المهاجر ألا يبخل بالنصح والتوجيه لمن يريد الهجرة حتى يأتي مهاجراً على بينة ولا يبدد سنواته الأولى في الهجرة في ظلمات من الجهل وقلة الخبرة. كذلك على المهاجرين بقدر الإمكان العمل على تعزيز مجتمعهم في الهجرة، فإن هؤلاء المغتربين أنفسهم إن تزايدت قوتهم وتعززت مواردهم كانوا بعدها أقدر على تقديم أشياء ذات قيمة لمن تركوا خلفهم في أوطان بائسة دمرتها السرقات ونهب الحريات والخيرات.

أما آخر وسائل المساعدة التي تحضرني هي مساهمة المهاجر صاحب الخبرة والتخصص في أي مجال من مجالات العلم والعمل في نقل ما ينفع إلى أبناء وطنه. وقد يتعذر في أكثر الأحوال أن يستطيع المهاجر المساهمة على نطاق واسع أو بشكل رسمي، لكن عليه أن يحاول توصيل هذه الخبرات ولو بشكل فردي ولعناصر فردية قليلة في بلده. فالطبيب المهاجر قد يحاول مساعدة طبيب واحد في وطنه بالعلم والخبرة. وكذلك المهندس أو خبير الإدارة، إلخ.

بل وقد يستطيع جماعة من المتخصصين في مجال واحد في المهجر أن يجتمعوا على تقديم شيء ولو لعدد محدود، مثلاً قد يجتمع عدد من المهندسين المصريين أو العرب في الخارج ويقوموا بتمويل منحة دراسية لطالب متميز في وطنهم، فهذه الجماعة قد تسهم بذلك في تحويل حياة إنسان وأسرة كاملة تحويلاً كاملاً. وكل خير يأتي لفرد قد ينتج بعده خيراً كثيراً يعود على جماعات وأوطان. والتغيير والإصلاح قد يبدأ فرادى قبل أن يبدأ على نطاق أوسع وأجمع. والوحدة على هدف أو عمل أكثر خيراً وأوفر ثمراً وأكبر أثراً من عمل فرد واحد، يعيش عمراً ثم يرحل إلى قبره صفراً من إنجاز لخير أو تعمير في أرض!

قصة نجاح فاشلة

توقفنا في سيرتي الذاتية مع مرحلة التعليم العالي المصرية عند رفض المعهد العالي للغات أن ألتحق بقسم اللغة الفرنسية كما رغبت، واختياري الالتحاق بقسم اللغة الألمانية كبديل. وبالمناسبة لقد اخترت الألمانية لأني أردت تعلم لغة جديدة، ولم أود الالتحاق بقسم اللغة الانجليزية لأني ظننت أنني أعرف من الانجليزية ما يتيح لي مواصلة تعليم نفسي بنفسي إن شئت (والأهم طبعا إن شاء الله وإن أفسح لي كسلي المتأصل طريق الجهد والاجتهاد!).

التحقت فعلا بقسم اللغة الألمانية وبدأنا في دراستها من قواعدها وبداياتها المطلقة! ويبدو أنه في غضون أسبوع أو أسبوعين ظن الجميع أنني “أشطر واحد في الفصل”! وبدأت أكرر سيرتي مع نطق اللغة الفرنسية. لا أذكر من أسماء أساتذة الألمانية الذين علموني في هذه الفترة الوجيزة (سوف تعلم عما قليل لم أصفها بالوجيزة) غير اسم د. طارق عبد الباري، وهو أستاذ في كلية الألسن. أذكر أنه ذات محاضرة بدأ في التركيز على تعليمنا النطق الألماني السليم، فقال لي قرب نهاية المحاضرة: “لديك استعداد ممتاز في النطق”. وأذكر استاذاً آخر طلب منا محاولة حفظ مقطع حواري بسيط، وحين أتينا في المحاضرة التالية كنت واحداً ممن خرجوا لتمثيل الحوار، وحين انتهيت قال لي الأستاذ أنني أقترب من كوني ألماني بنسبة تسعين في المائة. قلت في نفسي ليس هذا سيئاً، بعد أسبوعين من الدراسة أقترب من النطق الألماني الأصلي بنسبة تسعين في المائة!

غير أن علاقتي باللغة الألمانية لم يقدر لها أن تطول! فقد اخترت اللغة الفرنسية كلغتي الثانية، وكان من حسن حظي أن تولى دفعتي الأستاذ العزيز د. ياسر شداد، وهو من أساتذة اللغة الفرنسية. كنت قد صرفت النظر عن الالتحاق بقسم اللغة الفرنسية، حتى حدث في أول محاضرة لنا مع د. ياسر أن طلب منا أن نعرف أنفسنا، بالعربية أو بالفرنسية لمن يستطيع. بعد أن تكلمت معرفاً نفسي بالفرنسية، مدح د. ياسر إجادتي للغة، وأضاف أن نطقي أفضل من زملائي خريجي المدارس الفرنسية. أثار ذلك في نفسي من جديد رغبتي في الالتحاق بالقسم الذي لم يرغب في وجودي بين جنباته! ذهبت لدكتور ياسر وأخبرته عن رغبتي، وكان أول رده أن رئيسة القسم وضعت شرطاً صارماً بعدم قبول أي طالب لم يدرس في مدارس فرنسية، حتى لا يعطل بقية الطلبة ولكي يستطيع الجميع متابعة المنهج دون صعوبات شديدة. لكنه اقترح علي أن أحاول مقابلتها والحديث معها.

أتوقف هنا لأقول أنه بعدما تم رفضي في قسم اللغة الفرنسية بداية، تصورت أن مستوى الطلبة الذين يلتحقون به لابد وأنه مرتفع للغاية. كنت قد تعرفت على بعض خريجي المدارس الفرنسية معي في قسم الألماني ووجدت أن مستواهم في اللغة متوسط، ووجدتهم أيضاً يعرضون عن الخوض في حديث طويل بالفرنسية. لكن فكرتي عن قسم اللغة الفرنسية أنهم ولابد مختلفون، لأنني أثناء التقديم وضحت مستواي حينها في اللغة ولم يتم قبولي مع ذلك.

ومن هنا بالتحديد عادت إلي رغبتي في الالتحاق بهذا القسم. كان الدافع الجديد هو رغبتي في وضع نفسي في مناخ شديد التقدم يجبرني على بذل الجهد في الدراسة. كنت أتصور أنني لو التحقت بهذا القسم فسوف أجدني بين زملاء يجيدون اللغة كأهلها، وأنني سوف أجد صعوبة في مجرد مسايرتهم. وطنت نفسي أن التحدي أفضل من مناخ سهل، حتى لو اقتضى الأمر أن أرسب في عامي الأول حتى أستطيع الارتفاع بمستوياي إلى مستوى الدراسة في هذا القسم! كانت هذه الفكرة هي ما أوقد حماسي من جديد، فقد كنت طالباً كسولاً لزمن طويل. وفي دراستي في المراحل السابقة كنت قليل الجهد، قلما أعطي وقتاً للتحصيل. وقلما هنا تعني قلما فعلاً، يعني نادراً. ومع ذلك كان يدهشني أن الأساتذة والزملاء كانوا يعدونني من بين الطلبة المتميزين! بل أحياناً ما كان يضيرني ذلك! لم أكن أشعر أنني أستحقه، وأنا لا أبذل من الجهد ما يجعلني جديراً به. في قسم اللغة الألمانية شعرت أنني سوف أكرر سيرتي الماضية، فالدراسة تبدو يسيرة وفي غضون أسابيع قليلة أصبحت في المقدمة دون جهد.

مع وجود هذا الدافع الجديد، واصلت المحاولة. لم أستطع لقاء رئيسة القسم، فكنت ألتقي ببعض الأساتذة فيه وأحدثهم بأمري، ويتحدثون معي قليلاً تكشفاً لمستوى إجادتي للغة، فيستحسنون ما يسمعون، فأخبرهم أنني لا أستطيع مقابلة رئيسة القسم وأطلب منهم مساعدتي.

ثم ذهبت للعميد. قال لي لو أن أحد أساتذة القسم اختبرني وأقر أنني قادر على الالتحاق، فسوف يكون لي ذلك. ذهبت للتو باحثاً عن أحد فصول اللغة الفرنسية. فوجدت في أحدها د. ياسر شداد مرة أخرى، فطلبت الحديث إليه وأخبرته عما قاله لي عميد المعهد. فوافق على ترشيحي للالتحاق بالقسم، وبالفعل انتظرته حتى أنهى محاضرته، ثم ذهبت معه للعميد، وتم تحويلي لقسم اللغة الفرنسية!

كنت أعلم أن د. ياسر كان يساوره بعض القلق من هذه المسؤلية. فلو اتضح بعد ذلك أنني غير مؤهل لمتابعة الدراسة، فلسوف يكون هو المخطيء. غير أنه أقدم رغم ذلك على هذه المخاطرة! ومن فضل الله أنه لم يندم على ذلك من بعد! وما زلت حافضاً لجميله، وإن لم يتح لي القدر أن يصاحبنا كثيراً، إذ سافر للعمل في مقر الأمم المتحدة في نيويورك بعد العام الأول. ومن طرائف القدر أنني حينما أتيت للولايات المتحدة، كان هو قد انتقل إلى جنيف، وكنت أحب أن ألقاه في الولايات المتحدة. وما زلت على اتصال به على أحيان متباعدة، اتصالاً أرجو، على قلته، ألا ينقطع.

هذا جانب من جوانب النجاح في القصة. ومازلت هنالك جوانب أخرى للنجاح. لكنني أسميت التدوينة “قصة نجاح فاشلة” لأسباب سوف تعلمها حين أكمل القصة، إن شاء الله.

الفرنسية في الثانوية

توقفت في قصتي مع التعليم العالي في مصر عند انتهاء مرحلة الثانوية العامة والالتحاق بالمعهد العالي للغات في القاهرة. واليوم أكمل القصة وأواصل النظر فيما مضى. والرؤية من على بعد-في المسافة أو في الزمن-أوضح كما تعلم. وحينما تنظر في الماضي بعد أن مضى، قد تقول لذاتك ليته يعود فأفعل كذا ولا أفعل كذا. غير أن الحق أن الزمن لو عاد بنا لفعلنا ذات فعلنا ووقعنا فيما وقعنا فيه من أخطاء. ولن ننتفع بالعودة إلى الماضي إلا لو عدنا إليه حاملين خبرة الحاضر ورؤيته! لكننا لن نكون بشراً لو هيأ الله لنا ذلك!

استلزم التحاقي بالمعهد انتقالي للحياة في القاهرة. ويبدو أن قدري مع الهجرة كان بذلك قد بدأ! حينما التحقت بالمعهد كانت نيتي وتصوري أنني سوف أدرس اللغة الفرنسية، ولا شيء غيرها. ومن هنا تبدأ التفاصيل المثيرة في الحكاية! (يا سلام يا سلام)

وقصتي مع اللغة الفرنسية بدأت في العام الأول من المرحلة الثانوية، فقد كانت هي لغتي الأجنبية الثانية بعد الانجليزية. وهنا نطالع الدرس الأول في القصة: قد يغير المدرس في مدرسته مستقبل طلبته! فلننظر في حال المدرسة وحال المدرسين في ديارنا ونخمن أي مستقبل يمهدون لنا! فقد شاء الله أن يكون أول مدرس يعلمني الفرنسية هو الأستاذ جمعة عبد المعز (سوف أذكر أسماء كثيرة لأنني أحمل لها تقديراً كبيراً، وذكريات حلوة، واحتراماً لن ينفد، وصداقة متواصلة مع بعض منها). كان الأستاذ جمعة من الأساتذة القلائل في التعليم الثانوي المصري-والوحيد في حدود خبرتي الشخصية-الذي يحسن الحديث ونطق اللغة الفرنسية بوجه خاص. لأن أغلب مدرسي هذه اللغة في مصر-إن لم تكن يعلم-يجيدونها قراءة وكتابة، لكنهم منفصلون عن اللغة الحقيقية كما يتحدثها أهلها. لذلك تجد كثيراً منهم يلقنون الطلبة الكلمات بغض النظر عن كيفية نطقها، بغرض النجاح في الامتحان ودمتم. حينما بدأ أستاذ جمعة في الشرح، لاحظ فوراً أنني الوحيد من بين الطلبة الذي أقلد نطقه وأحسن التقليد. فانتبه لي وانتبهت له. ثم أصبح صديقاً من بعد، خارج حدود المدرسة والدراسة (وسوف يكون ذلك طابع الكثير من صداقاتي فيما بعد، إذ سيكون أكثر الأصدقاء وأقربهم أكبر مني سناً). لكن بقية الطلبة كانوا يتخذون موقفاً فيه شيء من السخرية إزاء هذه المحاولات للحديث باللغة حديثاً سليماً. ولم آبه كثيراً لهذه السخرية، ربما لكوني أدركت في نفسي أن وراء السخرية إعجاباً، وربما شعوراً بعدم القدرة على ما منه يسخرون. ورأيي أن عدم القدرة يرجع أولاً لحواجز نفسية لا لقدرات طبيعية. وقد يكون الطلبة مثلاً قد وضعوا لأنفسهم قانوناً خفياً أن نطق الفرنسية السليم لا يجمل بالرجال، أو شيء من هذا القبيل!

المهم أنني في هذه المرحلة تمكنت من اللغة وأحسنت نطقها بما يفوق ببعيد أي من قرنائي، بل وكان في الإمكان إبهار بعض أساتذة اللغة أيضاً لو شاءت الظروف! وحديثي بالطبع ينحصر في أساتذة المدارس الثانوية الحكومية. ولذلك حينما التحقت بالمعهد تصورت أن الطبيعي أن أواصل دراسة الفرنسية.

غير أنني فوجئت بما لم يكن في الحسبان. فقد اتضح لي وأنا أختار القسم الذي أود الالتحاق به أن قسم اللغة الفرنسية بالذات، دوناً عن بقية أقسام المعهد، مقصور على الطلبة الذين تخرجوا من مدارس فرنسية. فهم لا يدرسون مباديء اللغة ولكنهم يدرسون في العام الأول أدب القرن السابع عشر، مع الترجمة وأشياء أخرى تستلزم مستوى متقدم في اللغة. ولذلك لم يتم قبولي في قسم اللغة الفرنسية، فالتحقت بقسم اللغة الألمانية! وللقصة بقية إن شاء الله.

قصتي مع الثانوية العامة

كنت أنوي أساساً ذكر هذه القصة مع ما سبق من دوافعي للهجرة. غير أن لها جانباً آخر ودروساً أجدى وأشمل. وهي على كل جانب من تأملي في سيرتي الماضية وتعلمي مما مضى من أخطاء. وهي كذلك لا تخلو من طرافة ومن غرابة.

أما القصة فهي قصتي مع مرحلة التعليم العالي في مصر. وما قبلها يمهد لها ولا شك، لكنني لن أعرض لما قبلها الآن، عدا مرحلة الثانوية العامة، وهي-كما يعلم المصريون، أولهم وآخرهم، صغيرهم وكبيرهم-باب المرحلة الجامعية والدراسات العليا وبوابتها.

أما أن الثانوية العامة تقرر مصير تعليمنا الجامعي، فذلك واقع لا شك فيه وحقيقة مصرية لا جدال عليها. أما شخصي الضعيف-والعنيد أحياناً واللامبالي بالتقاليد كثيراً-فلم أرى أنه علي السير في القافلة التي ظلت طريقها. ولم أدرك بوضوح أن الخروج عن القافلة الضالة قد يجلب متاعب أكبر وضلال أصعب. تصور مثلاً أنك تمشي في الصحراء مع قافلتك وقد ضللتم الطريق. أسلم لك حينها أن تستمر مع الضالين فتضمن الصحبة والونس..إلخ، من أن تغادر وتسير وحدك إلى حيث لا تعلم!

حين رست بي سفينة التعليم في ميناء الثانوية العامة، رفضت في العام الأول أن أندمج مع الحياة في ميناء يغلب عليه القبح والغباء وغياب المعنى على وجه الخصوص. لقد تلكعت في الثانوية العامة ثلاثة أعوام كاملة! نعم، فرد “اتهمه” البعض بالعبقرية، ظل ثلاثة أعوام كاملة في الثانوية العامة المصرية! ولكيلا أطيل، فالذي حدث أنني قررت في بدايات العام الأول عدم دخول الامتحان من أساسه. ولم يستطع أحد إثنائي عن قراري! وفي العام الثاني دخلت الامتحان على مضض ورسبت. في العام الثالث لم أغير سيرتي: لم أنظر في كتاب ولم أحضر مدرسة ولا درساً خصوصيا، وفي منتصف الامتحانات كنت على وشك تركها نهائياً لولا توسلات أمي أن أذهب. فذهبت ونجحت بالكاد.

ثم جاءت النتيجة بمجموع باهت لا يغني ولا يدخلك أي جامعة تريد! قلت للعائلة أنني لن أدخل الجامعة، ولا معنى لدخول الجامعة أساساً لمجرد الحصول على شهادة. ما هذا الجنون، أبدد أربعة أعوام من عمري في دراسة شيء لا أحبه من أجل الحصول على ورقة! وقلت أيضاً أنني لو لم أجد موضعاً في دراسة مجال أهتم به، فسوف أواصل تعليم نفسي بنفسي ولا حاجة لي بالجامعات المصرية! لكن الحق أنه كان يقلقني شيء واحد، وهو قانون آخر من قوانين العبث في مصر. فأنا لو لم أحصل على شهادة جامعية فسوف أدخل الجيش ثلاثة أعوام كاملة، وتتم معاملتي بالطبع على هذا الأساس. ومع أن ضعف نظري يعفيني قانوناً من الخدمة، فإن ذلك لا يضمن لك شيئاً في بلاد تحتاج فيها لواسطة تتوسط لك لكي تحصل على حقك! وكانت عائلتي في ذلك الوقت قد بدأت تفقد كثيراً من نصيبها في “طبق الكوسة” المصري بعد أن تعثر نشاطها الصناعي، ومن ثم لم أكن أضمن الحصول على “حقي” في الإعفاء. والله وحده يعلم ما يمكن أن يحدث لو قمت بالخدمة! ماذا أفعل وأنا لا أطيق القيود، واختياري ينحصر بين قيدين؟! قيد دراسة عبثية من أجل الشهادة، وقيد خدمة مهينة لا معنى لها! لم أعرف. ولكنني لم أريد أن أدخل الجامعة باختياري من أجل هدف زائف.

ثم شاءت عناية الله أن يقدم لي حلاً وسطاً. فقد أتيح لي أن ألتحق بمعهد خاص للغات يعطي شهادة الليسانس. وكنت أحب دراسة اللغات الأجنبية، “فوافقت” على ذلك وتم لي الالتحاق بهذا المعهد. وهنا تبدأ القصة التي أردت قصها بداية. ولأن طاقتي في الكتابة أضعف من أن تعينني على المواصلة، فسوف أجعل ذلك في تدوينة قادمة بمشيئة الله ومعونته!

انت بتحب المدرسة؟

حين نتحدث مع الأطفال فإننا غالباً ما نحصر الحديث في مواضيع قليلة، ظناً منا أننا بذلك ننزل إلى مستوى تفكيرهم حتى يفهموننا. ومن ذلك مثلاً سؤالنا لهم إن كانوا يحبون الذهاب إلى المدرسة. أما هذا السؤال بعينه، وهو محور حديثي الان، فلا تعرف حقيقة معناه حين نطرحه على أطفالنا في مصر، هل نطرحه بصيغة استفهامية حقاً؟ أم نطرحه عابثين ليقيننا أن الإجابة بـ”لا طبعاً”؟ وهل يشك السائل مثلاً أن الأمور ربما قد تحولت وأصبح الجيل الجديد يحب المدرسة؟ بل إن السؤال أحياناً ما قد يبطن شيئاً من السادية، إذ تذكر إنساناً بما تعلم أنه يكره!

هكذا الحال في بلدنا. وحين وجدت نفسي في الولايات المتحدة وقابلت بعض الأطفال من أبناء المصريين المقيمين هنا، رأيت أن أسألهم السؤال ذاته: “بتحب المدرسة؟”. والحقيقة أنني لا أسأله ظناً أنني أعلم الإجابة مقدماً، بل أسأله بعقل متفتح لمعرفة حقيقة المدرسة في هذا البلد. غير أن الإجابة تكون مفاجأة لي ومدهشة، إن الأطفال يحبون الذهاب إلى المدرسة! ولو كنت سألت السؤال مرة أو اثتنين بنفسي، فإنه يصلني من المهاجرين الآخرين على كبر نفس الدهشة، ربما لأنهم طرحوا السؤال أو سمعوا تعبيرات الأطفال عرضاً. فإجازة الصيف قد تكون مملة لهم، وهم في الصيف يتمنون عودة المدرسة، والأدهى من ذلك أنك قد تجد طفلاً يبكي لأنه يريد الذهاب إلى المدرسة!

أما التعليم في أمريكا فهو لا يعد نموذجياً وأهله يرون فيه نواقص كثيرة. وما زلت أذكر ما كتبه أنيس منصور وردده أكثر من مرة عن تقرير “أمه في خطر” الذي كان نتاج بحث أمريكي للكشف عن مواطن الضعف في نظام التعليم في بلدهم. وللأسف يبدو أننا لا ندرك مدى تأخر التعليم لدينا وانفصاله عن الحياة وعمن ينخرطوا فيه. نعم نعلم أنه تعليم سيء ولكن أجراس الخطر والعار لا تدق في الوعي الجماعي وتقلق الرؤوس. إن تعليماً مثل هذا يبدد عمر الناس، ويأكل سنين طويلة، ويستهلك فترات من عمر الإنسان المصري هي ذروة الخصوبة والحاجة للرعاية والتعلم. إن أطفالنا يستحقون الحزن ونحن نراهم يعانون هذا السوء، كما نستحق نحن أيضاً الحزن على زمن ضاع في مثل ذلك. والتعليم من المشاكل التي لا يمكن حلها على المستوى الفردي، فما تفعل أنت يا فرد لتصلح نظاماً كاملاً ومدارس تغوص في مستنقع منظومة الفوضى والإهمال، ولكن فرد بجانب فرد بجانب فرد يستطيعون. إن المصريين شعب ذكي وفيهم مواهب كثيرة، تصور حالهم لو صلح حال تعليمهم.

ولكي نقيس جودة التعليم فأقترح أن يكون المعيار هو هذا السؤال: “إنت بتحب المدرسة؟”

فلو كانت الإجابة بأي شيء غير: “طبعاً بحبها”، يكون معنى ذلك أن النقص موجود وأن الجودة تحت المعدل الجدير بالرضا!!