هل تتوضأ الأرض!؟

على المسلم فرض الصلاة، خمس كل يوم. ولا تصلح الصلاة قبل التقديم لها بفريضة أخرى، إذ يتوضأ بالماء وينظف به أطرافه وما ظهر من جسده. فإن كان الجسد نظيفاً لم يزل مما سبقه من وضوء، زاده الماء وضاءة!

وتمتد “فروض النظافة” في حياة المسلمين لتشمل توجيهات نبوية للعناية الفائقة بالأسنان، وحسن تصفيف الشعر ونظافته “من كان له شعر فليكرمه”، وتهذيب اللحية لمن أطلقها. هذه شئون تختلط فيها النظافة مع التجمل. وهل هناك جمال بلا نظافة؟! لا جمال في جسد غير نظيف، ولا جمال لمدينة لا تخجل طرقاتها من استعراض أنواع القذارة والقمامة! بل إن جمال الروح والقلب في نظافتهما من الشوائب ومن نجاسات الخلق والفكر!

يتوضأ ملايين المسلمين كل يوم. يغسل كل منهم جسده ويضمن طهارته ونظافته. الوضوء فريضة إلهية. يغسل الإنسان جسده وهو مدرك أنه ممتثل لأمر الله ممارس لطاعاته.

ثم يحدث شيء غريب من بعد! تمشي في مدينة أكثر سكانها مسلمين، يتوضأون ويصلون، فتجد القذارة والنجاسة تلطخ كل شيء حولك! أين ذهب المتوضئون؟! غسلوا أيديهم وأرجلهم وصلوا ثم نفضوا عن فكرهم فروض النظافة فيما وراء ذلك! أهذه مدينة تتوضأ وتصلي؟ إن الكون كله يسجد لله، لذلك دعني أخبرك: إن المدينة المسلمة لا تستطيع الصلاة لأن أهلها ملأوها بالقذارة وحرموها الوضوء! هذا ذنبهم وليس ذنبها! وسوف تشكو الأرض الإنسان في المحكمة الإلهية إذ لم يراعي الله فيها ولم يقم نحوها بفريضة الوضوء!

أنا لا أمزح! إن الكون مسير ونحن مخيرون. أنت مسؤول عن وضوئك. لكن تشريفك بميزة الاختيار جعلك مسئول أيضاً عن وضوء هذه الأرض المسيرة!

لنعد إلى لحظات الوضوء بالماء، فوق هذا الحوض الذي يشهد على تسخير الأرض للإنسان. تدخل مساحة في عقر دارك فتجد الماء طوع يديك. لا تشغل نفسك بالإتيان به أو تصريفه. مئات الملايين من البشر محرومون في هذه اللحظة من هذه النعمة والرفاهة! تغتسل وتقول لنفسك هذه طاعة لله. هذا عمل له معنى وقيمة. ثم تمضي إلى صلاتك. قد تدوس بقدميك فوق بعض التراب تركته يمرح في بيتك دهراً! ثم ترتدي ملابسك وتخرج. تنظر بتعود على التراب الذي غير لون سلالم البيت وحوائطه. تخرج إلى الشارع وتتفادى بتأفف أكواماً من قمامة أو تراب تتربص بك في كل ركن. لو كنت صالحاً فقد تصلي العصر في المسجد. تدخل وتتوضأ وتصلي! وتقول لنفسك هذه طاعة، هذا عمل له معنى وقيمة! تخرج من المسجد وتنظر بتعود إلى الشارع القبيح والأركان القذرة والقمامة.

لعلهم تركوا أكوام القمامة هاهنا رحمة بالذباب والحشرات لعلهم يجدون رزقهم وطعامهم دون حاجة لترك المدينة والذهاب بعيداً عن أرض تتوضأ؟

في مدح التلوث الرقمي

عندي أكثر من حساب إيميل، أكثرهم يتم تحميل الوارد إليه من رسائل على الجهاز مباشرة، يعني تأتيني هي دون الحاجة أن أذهب أنا إليها وأتصفحها على صحفات السيرفر. والأدهى أن جميع الرسائل تصب في مكان واحد، يعني جميع الحسابات يتم تحميلها في Inbox واحد، ولذلك في كل يوم أجد عشرات الرسائل الجديدة، أكثرها طبعاً إعلانات فارغة لن أنظر فيها، يعني هي تنزل عندي لكي يتم مسحها فوراً. ولو حدث ولم أحمل الرسائل ليوم واحد فقد أجد مئات الرسائل في انتظاري لتمييز الغث، وهو الغالب، من السمين، وهو الأقل (أليس هذا حال الكثير مما ينتج بني آدم؟!).
ومع ضيقي بهذا، إلا أنني أرى فيه بعضاً من رحمة ومن أمل.

منذ فترة عبرت في تدوينة أخرى لي-في مدونتي الانجليزية-عن أفضلية أن تتحول جميع الإعلانات الفارغة المطبوعة على الورق إلى رسائل تأتينا على الإيميل، فنقوم بمسحها وينتهي الضرر بضياع دقائق معدودة من وقتنا الثمين. أما إعلانات الورق التي غالباً ما لا ننظر فيها ولا تنفعنا فالضرر منها يمتد في الماضي والحاضر، فقد أتانا الورق من قطع شجرة، ثم ضاع الورق مع المخلفات وذهب أكثره دون أن نعطيه حياة جديدة بإعادة تدويره، وساهم في تلويث الأرض والهواء. لذلك أنا لا أشتكي من رسائل الإعلانات الفارغة Spam حين تأتيني على الإيميل، فأقوم بمسحها وأنا مسامح لتطفلها، عرفاناً بفضلها!

التدوير والتقصير والتدمير والتزوير والأمر الخطير

أقيم في شقة مع أربعة آخرين من العرب، ابراهيم ابن أختي الذي يصغرني بعام ونصف العام، واثنين آخرين من المغرب. المهم أنني اليوم سوف أتحدث عن قضية بيتية، ألا وهي قضية، ولا مؤاخذة، الزبالة! المفترض أن هنالك مكان مخصص لما يصلح لإعادة التدوير، ومكان آخر للمخلفات العادية، يعني كل بيت عليه التميير بين النوعين ثم فصلهم حين إخراجهم. ولأنني أنا الوحيد المهتم بالموضوع في شقتنا العزابية فأنا دائما ما أجهز كيساً خاصا لنضع فيه ما يخص إعادة التدوير وأضعه بجانب صفيحة المخلفات العادية. وحتى الآن لم يتوقف كفاحي اليومي. فالكلام في البداية لم يكفي، لذلك طبعت ورقة على الكمبيوتر ووضعتها فوق مكان إعادة التدوير مكتوب عليها خاص بإعادة التدوير مع سهم يشير للكيس. ولم تفلح الورقة وواصلت تحريك الأشياء ما بين الكيسين بعد أن يضعها الواضعون في المكان الخطأ. بالظبط هذا ما أعنيه، تجدني أخرج البلاستيك والزجاج وما شابه من صفيحة المخلفات لأضعها في إعادة التدوير، وأحيانا العكس! ليست مهمة لطيفة بالطبع، والحق يقال أحياناً ما أطنش على أشياء إذا ما كانت شديدة القذارة.

قلت أضيف على الورقة المعلقة توضيح لماهية ما يوضع في إعادة التدوير، فأضفت ذلك باللغة العربية. نفس النتيجة. حينما أجد منهم من يهم بوضع شيء في المكان الخاطيء أمامي أنبهه. وأحيانا ما أقوم بعملية النقل أمام المشاهدين كنوع من التوضيح بالقدوة. لم يفلح أي من ذلك!!! ما زالوا يشربون زجاجة الصودا ويرمونها في القمامة، وبجانبها على بعد سنتيمترات قليلة مكاناً مخصصاً لإعادة التدوير. واضح أن ذلك سوف يستمر، حتى يمن الله علي وأسكن في مكان خاص وأديره كما أحب. غير أن ما جعلني أكتب عن ذلك اليوم هو أنني في ذلك الصباح كالعادة رأيت زجاجة وعلية بلاستيك في القمامة، وكالعادة أيضاً مددت يدي داخل القمامة لأخرج الزجاجة وتركت العلبة البلاستيك لاتساخها ثم غسلت يدي. عادي، أصبح ذلك جزءا من روتين الحياة. ولكن رآني إبراهيم ابن أختي، وقد اعتاد هو الاخر تماما على هذا المشهد، مشهد خاله وهو ينقل الأشياء بين أكياس الزبالة، غير أنه أبدى استغرابه وعدم اقتناعه بما أفعل. ما اسيب الحاجة وخلاص. هو لم يحب تماما فكرة إخراج الأشياء من الزبالة. فكرت بيني وبين نفسي، يا ترى هل أبالغ فعلا؟ طبيعي أن ما أنقذه مما يمكن إعادة تدويره قليل، ولكنني لا أشعر بالراحة لو تركته للمصير الخاطيء. أعلم أنني لن أكف عن ذلك حتى ولو ساورني الشك للحظات أمام استياء الآخرين!