هل أصبح الإسلام “أكثر غربة” مما بدأ؟

أكثرنا يعلم هذا الحديث الوارد عن نبي الإسلام: “سوف يعود الإسلام غريباً كما بدأ”. وقد ننظر حولنا فنقرر أن هذا زمن تحققت فيه هذه النبوءة. قد يرتفع صوت قائلاً: لا لا، الإسلام بخير إلى أبد الآبدين، والمسلمون أكثر من مليار نفس تدب فوق أكثر، إن لم يكن كل جنبات الأرض. لكن هذه الكثرة ذاتها تذكر بحديث آخر: “بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم كغثاء السيل!”. فإن أردت أن تتهمني بالادعاء على الدين، أحلتك إلى قول النبي هذا، ثم أدعك لتصديقك. أي خير في غثاء؟ إنها كلمة توحي بانعدام القيمة. نعم وربي! وما فعلت هذه المليارات الغفيرة؟ لن ننظر في رفاهات الحرية والعلم وأشياء من هذا القبيل، لكن هلم بنا فقط لا نغض أبصارنا عن واقع آخر، كم بطن من هذه البطون تريح صاحبها من قرصة الجوع لكي يستطيع ممارسة أحواله الإنسانية التي لا تستقيم على بطن خاو؟ هل انتفعت هذه الحشود بعددها؟ هل ضمنت قوتها، وأعانت ضعيفها، وأطعمت جائعها، وكفت فقيرها؟ لو كانت الإجابة بلا فلا يحدثني أحد عن أمة بخير أو نصف خير. ولا ربع خير، ولا أقل! انس هذه الكلمة – “خير” – الآن!

بل إن هذه كثرة تحولت إلى نقمة! إن هذا السيل من البشر قد تحول لفيضان يهلك ويغرق، بعد أن كان ماء بالخير يغدق! إن إنساناً واحداً يعيش البؤس يثقل على قلب الأرض، فما بالك بمئات الملايين! وبطن جائع عار على جاره، فما بالك بملايين! ورجال محرومون ونساء من البيات آمنين على أنفسهم، يعتصر لهم قلب الإنسانية، تزداد أعدادهم كل يوم وكأن الجور يلد في كل يوم أولاداً له يواصلون قبيح سيرته، وظلمة هيئته! وتأتي الكثرة فتزيد الصعب صعوبة، والفقر فقراً، بدلاً من أن نفرح بما يأتي معها من حياة جديدة.

لقد بدأ الإسلام غريباً يكرمه أهله ويعاديه كارهوه. فما بالك بغربة يهينه فيها أهله! لقد كان له في غربته الأولى رجال ونساء يأوي إليهم إذا اشتدت ظلمات غربته، فيجد في قربهم راحة وريحانا. أما اليوم فقد صبغه أهله بالسواد، وأصبح كابن السبيل لا بيت له، يدور في الأرض فيبيت ليلة هنا وليلة هناك، عند نفر قليل من أهل محبين ومخلصين. ولقد ينعق بعض من حملوا اسمه: تعال هنا في بيتك وبين ناسك وأهلك. فما أن يستجيب للدعوة ويذهب مستبشراً بالأرض والعزوة، حتى يعود مذعوراً من حيث أتى، يتخفى منهم حتى لا يعرفوه فيمسكوا به، خشية أن يهلك بين أيديهم فتزهق روحه للأبد! بل وكثيراً ما لبى دعوات، فذهب فأنكروه، وكادوا أن يفتكوا به! ويقابل في طريقه بشراً نظيفي الفطرة والعقل، فيحبهم وهم له كارهون! ولو عرفوا هويته لصادقوه وأحبوه، لكن أنى له أن ينكر أولاده، فالقصة طويلة وشرحها معقد! ومنهم من يهيء له القدر التعرف عليه في هدوء، بعيداً عن الغثاء الكثير من أهله، فيجدون في قربه راحة، ويعرفون في جواره صدقاً ورحمة، فيقولون له ما أبعد سيرتك عن حقيقتك! أو صورتك عن سيرتك! لشدما ظلمك أهلك، وجعلوك في الأرض غريباً!

فيفكر في نفسه: ما أبعد غربة اليوم عن غربة الأمس وما أغربها من غربة. لقد كنت بالأمس غريباً لكني كنت واثقاً، مستريح القلب والبال. فظلم العدو أهون على النفس من جور القريب وجهله. والله لا أبالي أن يكثر أعدائي أو يشتدوا، فهم إنما يحاربون بسلاح وعدة، وأنا أحارب برب كل ذلك. لكن ما أفعل في كثرة أصدقاء جهله، وأقرباء خائنين، وأهل غائبين! لله ما أشد غربة اليوم، وأطول ليلها، وأعسر كسرها. ما يفعل الفاعل في أهل خذلوه؟ أيتبراً منهم؟ أيعاديهم؟ فما بالهم حتى لا يتركوني لحالي، أسير في الأرض على سجيتي وأعامل الناس بسيرتي وسريرتي! ما بالهم يحجرون علي أن أصادق من هو أهل لصداقتي، حتى لو لم ينتمي إلى هويتي، وأعادي من هو أهل بعدائي، حتى لو حمل اسمي وادعى محبتي! ولم يظنون أنهم يعرفونني أكثر من معرفتي بنفسي، وهم أبناء عمر قصير، وأنا عمري عمر الأزل! ولم يمسكون يدي أن أصلح في الأرض، مهما كان من دب فوقها كافراً بي أو مؤمناً! ويحجرون علي أن أنفق من رحمة وسعت كل شيء! يرمون على جسدي قاذوراتهم، فأمشي في الأرض لا أدري كيف أنظفها وجسدي يثقله ما ألقوه عليه! وأريد أن أتكلم حتى يراني الخلق، فإذا بصوتهم يعلو بقوة عددهم وعدتهم فلا يسمع لي حس! وأصرخ فلا يصل صوتي لأحد، ويظن السامع أن قولهم هو قولي، وهذيهم هو ما في قلبي!

ألم أقل لكم أن غربة اليوم أشد وطئاً من غربة الأمس!

المطلوب والمرهوب

في تدوينتي الأخيرة عن أفلام السيرة الذاتية، اقترح صديقنا صاحب ثواب فيلماً من جزئين، عن الرجل الذي كرهه العالم، الجزء الأول عن بوش، والثاني عن بن لادن!

ذكرني التعليق الطريف بعادتي في تشبيه جورج بوش بأسامه بن لادن في حواراتي مع الأمريكان. ثم رأيت أن أعيد التفكير في مواضع الشبه فيما بينهما، وهل هنالك فعلاً ما يبرر ما كنت أقوله من أنهما وجهان لعملة واحدة؟

تذكرت ما كتبته منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام في منتدى أمريكي، حين أبدى المشاركون إعجابهم بجورج بوش. فدسست أنفي ودلوت بدلوي. فعددت عيوب جورج بوش، ثم انتهيت إلى خلاصة كونه وبن لادن وجهان لعملة واحدة.

هاكم بعض ما ذكرت في حق بوش، وسوف أرى ما يصح منه أيضاً على صديقه بن لادن.

1. قلت أن بوش يحاول كسب أصوات الناخبين عن طريق إشاعة الخوف (من بن لادن والقاعدة). ألا ترى أن بن لادن قد انتهج ذات الدرب؟ إشاعة الخوف في نفوس العالمين. من بين إبداعات بن لادن التلفزيونية دعوته للأمريكيين ذات مرة أن يتحولوا للإسلام، ثم تهديده لهم وتوعدهم بأيام سوادء في إطلالاته الأخرى على العالم. يعني هو رجل رسالته-أو وسيلته-الأساسية بث الخوف في نفوس الأمريكيين، تماماً مثلما فعل بوش قبل انتخابات الدورة الثانية. وأنا شخصياً تعجبت من أمر بن لادن، فقبل الانتخابات الرئاسية الثانية التي فاز بها بوش، خرج علينا بن لادن، بعد طول صمت، بتهديدات وتوعدات، ثم فاز بوش، وعاد بن لادن إلى صمته. قلت في نفسي إن الأمر ليبدو وكأن بن لادن ساهم مساهمة عظيمة في إنجاح بوش، وخرج في التوقيت المناسب تماماً، وكأنه ممثل يعمل لحساب بوش. فعندما ظهر قبل الانتخابات، خرج بوش وقال إن الأمن القومي يمر بمرحلة خطيرة، والاستعدادات على أقصاها تحسباً لهجوم محتمل من القاعدة.. الخ. ففاز بوش، وعاد بن لادن إلى مخبأه.

2. بوش يرى أن العالم “يا معانا يا علينا”. لو معنا، افعل كما نفعل، لو لم تكن معنا، فأنت من أبناء محور الشر. وبن لادن في عملياته التفجيرية ضد أفراد لا يعلم عنهم شيئاً ينتهج ذات التفكير التبسيطي الاختزالي للناس.

3. بوش أنفق مليارات الدولارات على الحروب. وبن لادن ولا شك ينفق الملايين هو الاخر في “جهاده” المسلح. والإنسان ذو الفطرة السليمة يرى في المال إمكانات أعظم وأكثر نفعاً للناس.

والخلاصة أنه لا يمكن أن يجتمع إيذاء الناس والإيمان بالله في قلب واحد. ولذلك فإن جورج بوش وبن لادن كلاهما يدعيان الإيمان بالله، وبهذا الإيمان المدعى يحصلان على صوت ودعم محبي الدين، ممن لم تتضح لديهم الرؤية. نحن نعلم تماماً كيف يتكلم بن لادن كلمات الإيمان، وبوش يفعل الشيء ذاته مع جمهور الأمريكيين، فهو يتكلم بلسان رجل مؤمن يعمل في إطار من قيم الدين. ولنا الحكم والنظر برؤية الله في الفعل لا في القول. وفعلهما راسب.

والله أعلم.

الجهاد ضد المجاهدين

الليلة سمعت شيئاً عجباً. حديثاً ظاهر حروفه الحكمة والإيمان، وباطنه الجهل والغباء وعمل الشيطان. على قناة الجزيرة خبر عن عملية انتحارية في مدينة جزائرية، قتل فيها ثلاثة أوروبيين. ثم تعليق من المتحدث باسم منظمة القاعدة، يعلن فيه مسؤلية المنظمة عن الحادث. ويمضي حديثه بعربية فصحى ولسان مبين، يذكر اسم “الشهيد” الذي فجر نفسه، ويحدد كم المتفجرات المستخدمة، و”يحمد الله” على نجاح العملية، والقضاء على أفراد من “الكفرة” و”هلاك جميع من في السيارة” التي تم تفجيرها. حديث بألفاظ الإيمان والشهادة. سمعت ولم أعرف كيف تستطيع نفسي أن تعبر عن تعجبها، وتحير عقلي في إيجاد وصف لما سمعت، هل هو الغباء أم الجهل أم قسوة القلب أم النفاق أم الكذب على الله، لا أعرف!

لطالما تفكرت في مصير من يفجرون أنفسهم ليفجرون نفوساً بريئة ويستبشرون بجزاء الشهداء. ومنطقهم حين يقتلون مدنيين أن هؤلاء المدنيين “قد” ينتمون إلى مجموعة أو دين معين. وما دامت هذه المجموعة تستحق الموت، فلا غبار أن يقتلون بالجملة، امرأة وطفلاً، وغريباً ليس له في الأمر كله شيئا. وأنا أتعجب من فتاوى بعض علماء الدين الأجلاء في إقرار أن مفجري أنفسهم شهداء عند الله، لا سيما في إسرائيل بالطبع. وأنا لم أر في سنة نبي الإسلام قتل الناس على غير بصيرة ولا تمييز. ولا أعرف كيف جرؤ أحدهم على الفتوى بأن الله يجزي قاتلي أنفسهم وقاتلي الآخرين الجنة ومقام الشهادة. أخشى ما أخشاه على هذا الشباب أن يخسروا الدنيا والآخرة وأنفسهم جميعاً، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

أما هذا المتلكم الحامد لله على مقتل الكفرة قتل غدر، فأنا أرى أنه يستحق السجن أو القتل بتهمة الكذب على الله وعلى دينه. ونحن المسلمون كما يجب علينا جهاد أنفسنا، وجهاد من يعتدي علينا، وجب علينا أيضاً أنواع أخرى من جهاد العصر الحديث، أخص من ذلك نوعين نضطر فيهما لجهاد أناس يحملون اسمنا ويتكلمون بلساننا. منهم من يفسد حياة الملايين حين يؤتيه الله قوة الحكم والسلطة، ومنهم من يكذبون على دين الله، ويفسدون في الأرض، ويقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق.