الدين بين الشيخ والشاعر

حينما كتب الدكتور مصطفى محمود كتابه الأول “الله والإنسان” اجتمع مجموعة من المشايخ وقرروا أنه ملحد وفكروا في كيفية تطبيق حد الردة عليه (نعم أرادوا قتله! والكلام على لسان أحدهم وهو شيخ معروف إلى حد ما). أما الشاعر كامل الشناوي فقد قال كلمته الشهيرة لمصطفى محمود: “أنت تلحد على سجادة صلاة”! فأيهما كان أقرب لفهم الحقيقة؟ وأيهما كان أنفع للإسلام لو كانت في يدية السلطة لقتل مصطفى محمود أو تركه وشأنه؟ الإجابة واضحة.

ولا تحسبن أن هذه القصص يسجلها لنا التاريخ عبثاً، بل إن في ذلك حكم ودلالات هامة لنا. لقد كان الشاعر أعمق فهماً ونفاذاً لروح مصطفى محمود خلف كلماته وأعمق فهماً لمعنى الدين من المشايخ. فهؤلاء المشايخ توقفوا عند الكلمات الجامدة ولم يستطيعوا رؤية ما وراءها من فكر وروح تبحث عن خالقها بصدق. أمثال هؤلاء أفسدوا الدين وفرغوه من روحه، ولذلك فقد الدين لدينا قدرته الأصيلة على تنقية الإنسان وتقويته، والارتفاع بالفرد والجماعة إلى ما يليق بالإنسان الذي كرمه الله في البر والبحر.

حذار من مشايخ إفراغ الدين من روحه أن نعطيهم سلطات لا يستحقونها، فلو حصلوا عليها لأفسدوا الدين والدنيا معاً! والحمد لله أنهم لم يكونوا أصحاب سلطة حينما كتب مصطفى محمود كتابه الأول!

تلبيس إبليس في مقاطعة ساويرس الخبيث!

يأتي تعليقي هذا على رأيي في هوجة مقاطعة ساويرس وشركاته المصرية متأخراً، وإن لم يكن في الواقع متأخراً لكوني لا أتحدث هنا عن قضية فردية هي مقاطعة إنسان بعينه ولكن لما تثيره من بعض المراجعات في طبيعة القيم الإسلامية التي تتبناها جماعات من أهلنا في هذا الزمن.

خلاصة الموضوع أن نجيب ساويرس نشر صورة كاريكاتورية لميكي ماوس بذقن طويلة وصديقته ميمي مرتدية النقاب. ثار نفر من المسلمين واتهموا نجيب بـ “إهانة الإسلام”. اعتذر نجيب ساويرس وحلف بأغلظ الإيمان أنه لم يقصد سوءاً. لم يقبل الغاضبون الاعتذار وقرروا مقاطعة شركاته حتى يودوا بها إلى الإفلاس. وحينما تفلس هذه الشركات بالطبع يكون المقاطعون قد حققوا انتصاراً عظيماً يؤكد على “عزة المسلمين”!

وجاءتني الدعوات لحملات المقاطعات الفيس بوكية. وسمعت الشباب المتحمس يأتي بأفكار مبدعة مثل عدم الرد على أي رقم موبينيل حتى يجبروا من لم يقاطع طوعاً أن يقاطع كرهاً، وإلا فما فائدة أن تحمل محمولاً لا يريد أحد من أصدقائك أن يحادثك فيه؟!

ولي ملاحظات وآراء على الأمر كله أوردها فيما يلي:

- لعل المقاطع الغيور على دينه يؤمن أن الإسلام دين تسامح ورحمة، والآية الكريمة تكاد تلخص مغزى الدين كله في الرحمة: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”. وفي قصص الصحابة أن جماعة من المسلمين خاضوا في عرض أم المؤمنين عائشة، فلما نزل قرآن يبرؤها قرر أبوها أبو بكر الصديق أن يقطع معونة مالية كان يقدمها لأحد الخائضين في عرض ابنته. فنزلت آية قرانية تحثنا على العفو والصفح، إن كنا نحب أن يغفر الله لنا. وأتساءل هل ذنب ساويرس بنشر صورة وهمية، لشخصيات غير موجودة في الواقع أساساً، أكبر من اتهام أم المؤمنين وزوجة نبينا بالخيانة الزوجية؟! لقد راجع الصديق نفسه ولم يقطع المعونة المالية عمن خاض في عرض ابنته. أما المتحمسون فلم يبالوا باعتذار رجل أخطأ وقرروا معاقبته حتى النهاية. ورأيي أن نقول ما نفعل ونفعل ما نقول حتى لا نكتب عند الله في زمرة المنافقين. إن أردت أن تواصل مقاطعة رجل عبر عن ندمه وكرر اعتذاره، فأرجو منك ألا تدير وجهك إلى اليمين فتخاصم وتقاطع ولا تقبل اعتذاراً ولا تفكر في مغفرة، ثم تديره لليسار فتقول أن الإسلام دين رحمة وتسامح ومغفرة! إن آمنت أن الإسلام دين تسامح فسامح وتقبل الاعتذار. وإن آمنت أن الإسلام دين انتقام وتدمير فواصل المقاطعة، وأنت حر!

- في جدال مع بعض أصدقاء الفيس بوك حول هذا الموضوع ذكرني صديق بلمحات من تاريخ المسلمين مثل “وامعتصماه” ومثل الحرب التي قامت بين المسلمين في المدينة وإحدى قبائل اليهود لأن تاجراً يهودياً ربط ثوب امرأة مسلمة حتى تتعرى أمام سوق بأكمله، نتج عنه مقتل التاجر على يد مسلم عابر ثم مقتل المسلم على يد نفر من اليهود. ولعل الكثير من شبابنا يستمع إلى هذه القصص ويحاول استرداد بعض مظاهر العزة لقومه. لكن العقل يتطلب بعض الدقة في إجراء المقارنات. لو كان ساويرس قد دخل على إحدى موظفاته المسلمات مثلاً ثم قام بخلع الحجاب من فوق رأسها بالقوة ثم كشف عن جسدها، لكنت أول من ناديت بالمقاطعة! كيف نقارن بين إهانة إنسان أدت إلى قتل إنسان آخر بصورة كاريكاتير لا تمس أحداً بعينه ولا تؤذي رجلاً أو أمرأة في عرضهم أو رزقهم أو كرامتهم؟!

- شركة موبينيل ليست هي ساويرس فقط. الشركة يعمل بها آلاف المصريين من مسلمين ومسيحيين. لو كانت هذه الشركة ترفض تعيين المسلمين مثلاً لقلنا أنها شركة تفرق بين الناس على أساس الدين ولا تستحق البقاء. هل يفكر المقاطع في آلاف قد تفقد عملها ورزقها بسبب هذه المقاطعة؟ إن خسارة إحدى شركات ساويرس سوف تكلفه فقط بعض “الخسارة”، أي أنه سوف يخسر أرباحاً كانت ستأتيه لولا المقاطعة، لكنه لن يفقد مصدر رزقه الوحيد ولن يسهر الليل بعد إغلاق الشركة يفكر ويفكر كيف يطعم أبناءه ويفي بمطالب الحياة بعد انقطاع رزقه! لكن هذا قد يكون حال الكثيرين من إخواننا العاملين في الشركة إذا ما تم الاستغناء عنهم بسبب المقاطعة. لو لم تكن تبالي بشبهة قطع أرزاق هؤلاء فواصل المقاطعة، وواصل معها القيام والصيام في رمضان أيضاً إن شئت!!!

- إن السخرية من ممارسة بعينها لا يمكن أن تحسب كإهانة لدين بأكمله! النقاب مختلف عليه، واللحية يضعها على وجهه الصالح والطالح. لو سخر ساخر من الصلاة مثلاً لكان بالفعل ساخراً من الإسلام. لو أهان أحدهم نبي الإسلام أو القران لقلنا صادقين أنه قد أهان الإسلام. بل إن مشركي مكة أهانوا شخص النبي محمداً ذاته بالقول والفعل، فقد قالوا عنه مجنوناً وساحراً وكاذباً، وتعرضوا له بما يكره، وعذبوا وقتلوا نساءاً كريمات ورجالاً نبلاء من صحابته. فلما دخل النبي عليهم منتصراً لم ينتقم بل صفح وغفر! بل وأثبت القران في آيات خالدة كل تهم المشركين للنبي الأمين، ومعنى ذلك أن الإهانة الكلامية يتقبلها القوي الواثق بالنظر في وجهها والرد عليها بمثلها: بالحجة والعقل! وليس بالتشنج والصراخ. الصوت العالي في أمور الفكر والدين والرأي هو سلاح الضعفاء!

وبعد، قد يقول قائل أني بذلت اللحظات والكلمات دفاعاً عن ساويرس. وأقول للعقلاء أنني لا أدافع هاهنا عن شخص أو شركة، وإنما أدافع عن أخلاق الإسلام!

حكمة تويتر!

هذه تغريدات  شدوية مختارة خرجت من قلمي في النصف الأول من العام الحالي. وطبيعة تويتر – كما تعلم – هي التلقائية الشديدة واختصار الجمل إلى ما لا يزيد عن 140 حرف. وبما أن أغلب تدويناتي على تويتر بالانجليزية، فسوف تجد على مدونتي الانجليزية الكثير من مختارات تويتر الشدوية باللغة الانجليزية!

- لا ينتهي عجبي من التساؤل لماذا يفضل كثير من المسلمين تقاليدهم على دينهم!

- عندما يتعرض قبطي للظلم من مسلم واحد في مجتمع مسلم ولا يجد عشرة مسلمين يدافعون عنه ويدفعون الظلم، فلسنا في مجتمع مسلم أساساً.

- لن يحصل على الحرية فرد أو شعب لا يحب أن يدفع ثمنها.

- تحيا مصر ويسقط مبارك وحاشيته وزبانيته وجنودهم، إنهم كانوا خاطئين!

- نحن المصريون نحب أحمد زويل لأننا نشعر أنه رجل كفء ومخلص، ونكره رموز الحكومة لأننا نشعر أنهم غير أكفاء وغير مخلصين، مشاعرنا ذكية في هذا الصدد!

- الوضع في مصر وصل إلى مرحلة إما تغيير سلمي جذري أو حرب معلنة بين الشعب والعصابة.. على الشعب والعصابة أن يختاروا معاً نوع العلاقة!

فإذا آثر المصريون السلامة وبقاء الحال على ما هو عليه فسوف تصحو مصر ذات يوم على المبنى وهو ينهار والعصابة تهرب بأموالها وتترك البلد لفوضى أو لمحتل!

- في الماضي كنا نظن أن جمال مبارك طموحاته سياسية فقط لكن تأكد لي من عدة مصادر انه يوازن بكفاءة بين السياسة والبيزنس – بالمليارات كالعادة.

- الله يلعنك يا قذافي أنت وأمثالك، وسختوا الكرة الأرضية.

- حسناً، سوف يتم هدم الأقصى وبناء الهيكل، وستكون هذه بداية النهاية للدولة العبرية والدول العربية معاً، فهم جميعاً كيانات لا تستحق البقاء.

- شوية هتافات من نفسي: يا مبارك يا سجان.. أنا هتكلم أنا إنسان.. يا مبارك يا جبان.. بعت بلدنا بالمجان.

- لو كان النفاق رجلاً لقتلته، ولو كان الغباء رجلاً لسجنته! يعني كان زمان الحزن – قصدي الحزب – الوطني كله ما بين سجين وقتيل!

- مشكلة مبارك و”الحزن” الوطني انهم يتعاملون مع الجيل الحالي بنفس منطق التعامل مع الاجيال السابقة من المصريين. هذا جيل ادواته واولوياته مختلفة.

- يوماً سوف نسقط الحدود ويتحرك العرب جميعاً بين بلدانهم بدون تأشيرات بعد أن نتخلص من اللصوص من ملوك ورؤساء.

- وطني حبيبي الوطن الأغبر.. يوم ورا يوم رؤساؤه بتكبر.. وانتخاباته.. مالية حياته بحكم العسكر.

- الانتخابات “شفافة” سوف تكشف ما وراءها من عورات!

- زعلانين عشان الفلوتيلا يا مصريين؟ ما انتوا بتموتوا في بلدكم بيد احتلال من بني جلدتكم!

- إذا الشعب يوماً أراد الحياة، فلابد أن يطيح بالغجر.

- إذا الشعب يوماً أراد الحياة.. فلابد ألا يحكمه البقر.. ولابد لمبارك أن ينجلى.. ولابد للعصابة أن تنتحر.

الدليل الدامغ على صلاح حكامنا

كنت أتمشى مع صديقي ذات ظهيرة على رصيف من أرصفة شيكاغو وسط البلد. مرت سيدة محجبة، فعلق صديقي أن هناك عدد كبير من المحجبات – نسبياً – في مدينة كهذه.
قلت له: نعم المسلمون يتكاثرون في كل مكان.

ما كادت هذه الكلمات تغادر فمي حتى استوقفني عقلي وهمس في أذني: “وكيف تكاثر المسلمون هكذا إلا بسبب هجرتهم من بلدانهم! ألا ترى ما في ذلك من دلالة بينة…؟”

برق المعنى الغائب والحكمة المخفية في ذهني! هتفت لصديقي:
- لقد ظلمنا حكامنا المباركين وأسأنا بهم الظنون!
قال لي دون أن يرى سبباً لما قلته: وكيف ذلك؟!

قلت له: نعم لقد هدتني كلماتك العابرة لحقيقة غابت عنا جميعاً في جهالتنا وغفلتنا عن حكمة الحكام الحاكمين، حكمة لا يفقهها الغوغاء الجاهلين! ألا ترى ما أراه الآن بجلاء ووضوح! إن حكامنا يعملون لنشر الإسلام في ربوع الأرض! وقد هداهم إخلاصهم العميق للرسالة لأفضل السبل وأعظمها أثراً!

فالمسلمون ما كان لهم أن يتركوا بلدانهم لو كانت تصلح لحياة الإنسان، وما كان لهم في مثل هذا الوضع البائس في أوطان غير طاردة – لا قدر الله – أن يتركوا أوطانهم ويتناثروا في أرجاء المعمورة. أنى لهم نشر الدين لو بقوا في أرضهم ورضوا بأوطانهم؟!!! لقد دفعهم حكامهم دفعاً لحمل لواء الرسالة في بقاع الأرض.

بل إن من تجليات فهمهم الأعمق، الذى لا يدركه الأحمق، علمهم أن الرسالة لا تقتصر على البشر بل تمتد لمخلوقات الله جميعاً، ومن ثم تضمنت الخطة المباركة إفساح الطريق للشباب المسلم أن يذهب لأعماق البحار – حياً أو ميتاً! – لتبليغ الرسالة لمخلوقات البحر. وما كان لهؤلاء الشباب أن يقدموا أرواحهم لهذا الهدف النبيل لو لم تدفعهم ظروفهم دفعاً لتفضيل الركوب في مركبة مهددة بالغرق على الحياة فوق الأرض. فلو شاء القدر أن يعبروا البحر سالمين وصلوا لأرض أوربا ونشروا الرسالة للناس! يعني لا مفر أمامهم من نشر الرسالة فوق الأرض أو تحت البحر!

ومن ثم تأكد لنا جميعاً بالدليل الدامغ الذي لا يقبل الشك أن حكامنا مؤمنون صالحون لا يبغون فيما يفعلون إلا مرضاة الله وإجبار رعاياهم على الهجرة ونشر الرسالة. أما سلوك الرعايا في بلاد المهجر وسوء تمثيل أنفار منهم للرسالة فهذا مما لا يتحمل وزره الحكام. لقد قاموا بتصديرك من أجل أداء الرسالة والبقية مسئوليتك أنت وحدك!

ومن ثم أيضاً يتضح لنا أن الخروج على هؤلاء الحكام ومعارضتهم ومحاولة إنزالهم عن عروشهم هو فسق وصد عن سبيل الله!

هل تتوضأ الأرض!؟

على المسلم فرض الصلاة، خمس كل يوم. ولا تصلح الصلاة قبل التقديم لها بفريضة أخرى، إذ يتوضأ بالماء وينظف به أطرافه وما ظهر من جسده. فإن كان الجسد نظيفاً لم يزل مما سبقه من وضوء، زاده الماء وضاءة!

وتمتد “فروض النظافة” في حياة المسلمين لتشمل توجيهات نبوية للعناية الفائقة بالأسنان، وحسن تصفيف الشعر ونظافته “من كان له شعر فليكرمه”، وتهذيب اللحية لمن أطلقها. هذه شئون تختلط فيها النظافة مع التجمل. وهل هناك جمال بلا نظافة؟! لا جمال في جسد غير نظيف، ولا جمال لمدينة لا تخجل طرقاتها من استعراض أنواع القذارة والقمامة! بل إن جمال الروح والقلب في نظافتهما من الشوائب ومن نجاسات الخلق والفكر!

يتوضأ ملايين المسلمين كل يوم. يغسل كل منهم جسده ويضمن طهارته ونظافته. الوضوء فريضة إلهية. يغسل الإنسان جسده وهو مدرك أنه ممتثل لأمر الله ممارس لطاعاته.

ثم يحدث شيء غريب من بعد! تمشي في مدينة أكثر سكانها مسلمين، يتوضأون ويصلون، فتجد القذارة والنجاسة تلطخ كل شيء حولك! أين ذهب المتوضئون؟! غسلوا أيديهم وأرجلهم وصلوا ثم نفضوا عن فكرهم فروض النظافة فيما وراء ذلك! أهذه مدينة تتوضأ وتصلي؟ إن الكون كله يسجد لله، لذلك دعني أخبرك: إن المدينة المسلمة لا تستطيع الصلاة لأن أهلها ملأوها بالقذارة وحرموها الوضوء! هذا ذنبهم وليس ذنبها! وسوف تشكو الأرض الإنسان في المحكمة الإلهية إذ لم يراعي الله فيها ولم يقم نحوها بفريضة الوضوء!

أنا لا أمزح! إن الكون مسير ونحن مخيرون. أنت مسؤول عن وضوئك. لكن تشريفك بميزة الاختيار جعلك مسئول أيضاً عن وضوء هذه الأرض المسيرة!

لنعد إلى لحظات الوضوء بالماء، فوق هذا الحوض الذي يشهد على تسخير الأرض للإنسان. تدخل مساحة في عقر دارك فتجد الماء طوع يديك. لا تشغل نفسك بالإتيان به أو تصريفه. مئات الملايين من البشر محرومون في هذه اللحظة من هذه النعمة والرفاهة! تغتسل وتقول لنفسك هذه طاعة لله. هذا عمل له معنى وقيمة. ثم تمضي إلى صلاتك. قد تدوس بقدميك فوق بعض التراب تركته يمرح في بيتك دهراً! ثم ترتدي ملابسك وتخرج. تنظر بتعود على التراب الذي غير لون سلالم البيت وحوائطه. تخرج إلى الشارع وتتفادى بتأفف أكواماً من قمامة أو تراب تتربص بك في كل ركن. لو كنت صالحاً فقد تصلي العصر في المسجد. تدخل وتتوضأ وتصلي! وتقول لنفسك هذه طاعة، هذا عمل له معنى وقيمة! تخرج من المسجد وتنظر بتعود إلى الشارع القبيح والأركان القذرة والقمامة.

لعلهم تركوا أكوام القمامة هاهنا رحمة بالذباب والحشرات لعلهم يجدون رزقهم وطعامهم دون حاجة لترك المدينة والذهاب بعيداً عن أرض تتوضأ؟

العقول المخروقة واختراق المواقع!

تجربة حديثة مررت بها أو مرت بي، هي خبرتي الشخصية الأولى في أمور الهاك أو اختراق المواقع. أرجو أن تكون قد عرفتني بما فيه الكفاية من خلال ما أكتبه هاهنا لكي تدرك أنني لم أقم بالطبع باختراق أي موقع كان، إذ أفتقر للخبرة الفنية الكافية للقيام بهذه المهمة كما أفتقر كذلك للدوافع الكافية لبذل الوقت والجهد في اختراق المواقع المجهولة. ربما أحب أن أخترق موقعاً لإحدى الحكومات الفاسدة مثلاً وأضع لها رسالة تفضح حقيقة أنها مفضوحة أمام الجميع! لكن حتى هذا قد لا أجد له دافعاً كافياً يساوي الوقت والجهد المطلوب.

أما الاختراق فقد قام به أحدهم ضد موقع مدونتي الانجليزية الجديد الذي أحاول إنشاؤه! وقد أشرت باختصار لعملي على إنشاء هذا الموقع في هذه المدونة، ويبدو أن مجهولاً رأى أن هذه المدونة الجديدة سوف تكون معولاً هداماً يجب القضاء عليه في المهد! والعجيب أن المخترق أصر على القيام بالعملية ثلاثة مرات متتابعة. في المرة الأولى وضع المخترق خلفية موسيقية عن أننا “خير أمة أخرجت للناس”. ثم ذيل جهده الجليل برسالة مفادها أنني، ياللأسف، قمت بتمثيلنا بالشكل الخاطيء! يبدو أنه يقصد بنون الجمع نحن المسلمين، بدليل الخلفية الموسيقية الدينية، واسم المخترق الذي كتب بالانجليزية “…الاسلامي”. أي أنه اختراق إسلامي سوف يحسب في ميزان حسناته بالطبع!

لا أنكر أنني سمعت الأغنية فقلت في نفسي: “هذا دليل أنكم الآن قد أصبحتم أسوأ أمة أخرجت للناس!”.

قمت بإعادة الموقع فتم اختراقه من جديد. هذه المرة كانت الرسالة هي اختراق من “قراصنة الجزائر” رداً على اختراق جريدة الشروق الجزائرية! مرحى بمجاهدي الإسلام ومجاهدي العروبة، وفقكم الله يا إخواني! ما أروع وأفيد ما تبذلون فيه وقتكم وجهدكم!

الواقع أنني لم أنظر للأمر بشكل شخصي وحسب ولكنه حلقة صغيرة في سلسلة الفشل الثقافي والعقلي الذي تتمتع به أمتنا والذي يفسر بشكل واضح أسباب ما وصل إليه حالنا! والحق أنني أشفقت أيضاً على من بذلوا هذا الجهد، فالموقع الذي يقومون باختراقه هو في النهاية موقع شبه مجهول ولا يتابعه سوى عدد قليل، فلم تضيعون وقتكم مع موقع صغير مجهول؟ والواضح أن الداء متأصل في جميع مساعي أصحاب العقول المخروقة. فهاهنا شاب لديه علم وموهبة في مجال ما، ففيم يستخدم ذلك؟ يضيع جهده ووقته من أجل هدف ساذج لا خير فيه، وفي ذات الوقت يستهدف أشياء صغيرة لا تأثير لها! يعني فشل مزدوج.

هداك الله يا مخترق وشفى عقلك وقلبك مما فيهما من خروق فكرية وخلقية سوف تدمرك أنت وأمتك إذا لم تفيقوا!

القهر كالماء والهواء

حدثتني صديقة أمريكية عن شعور انتابها وهي في بلد عربي “إسلامي”، أي يدعي نظامه تطبيق الشريعة الإسلامية، وأدهشني تعبيرها إذ ذكرني بمشاعري الشخصية إزاء مظاهر الفساد في بلدي، وهو أيضاً بلد عربي مسلم – وإن لم يكن “إسلامياً”! فقد قالت أنها كانت تشعر بحضور القهر في كل شيء حولها.

أذهلتني الكلمات للحظات. ربما كنت أظنه شعوراً شخصياً أو خاصاً بقاطني الأرض لا يحسه الغرباء، الزائرين العابرين. لكن لعله في الواقع شعوراً موضوعياً. أذكر والدتي رحمها الله وهي تقول لي أن الكون كله يتجاوب مع غلبة الظلم أو العدل في أرض بعينها، وأنها في بدايات عصور مختلفة عاشتها في مصر كانت تنظر في شكل الزرع فتحدثها فطرتها أن العصر الباديء عصر عدل أو عصر قهر!

وكأن غلبة الظلم تغطي الكون بعباءة كئيبة، تتخلل ظلمتها وكئآبتها الزرع والهواء والأحياء، من إنسان وحيوان. لا أنكر أنني شعرت بهذه العباءة الكئيبة في أرض مصر. إن القهر لا يأتي فقط من أعلى إلى أسفل. بل هو حاضر في كل مكان. في دكان صغير لحرفي يقهر طفلاً اضطره ضياع حقه في خير بلده أن يعمل من أجل رزق عائلته. في بيت مجهول تلغى فيه إرادة وعقل الزوجة والابنة والأخت، لأنها أمرأة! في فصل دراسي تتكدس فيه أجساد صغيرة وعقول نيئة ينضج وعيها على مدرس يتأسد عليهم بالصوت والعصا، ويصب فوق عقولهم كتباً ومناهج كالصلب، هي في ذاتها قهر الغباء والعبث فوق عقول مجبرة على اجترار علقم، مر في طعمه، عسير في هضمه!

أما الأدهى والأعجب فهو أن ينام الناس ويتغطون بالملاءة الكئيبة، فلا تزكم أنوفهم عفانتها، ولا يخنق أنفاسهم امتصاصها لمعظم نصيبهم من الهواء، ولا يوقظهم انزعاج من غلبة الكوابيس!

هل أصبح الإسلام “أكثر غربة” مما بدأ؟

أكثرنا يعلم هذا الحديث الوارد عن نبي الإسلام: “سوف يعود الإسلام غريباً كما بدأ”. وقد ننظر حولنا فنقرر أن هذا زمن تحققت فيه هذه النبوءة. قد يرتفع صوت قائلاً: لا لا، الإسلام بخير إلى أبد الآبدين، والمسلمون أكثر من مليار نفس تدب فوق أكثر، إن لم يكن كل جنبات الأرض. لكن هذه الكثرة ذاتها تذكر بحديث آخر: “بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم كغثاء السيل!”. فإن أردت أن تتهمني بالادعاء على الدين، أحلتك إلى قول النبي هذا، ثم أدعك لتصديقك. أي خير في غثاء؟ إنها كلمة توحي بانعدام القيمة. نعم وربي! وما فعلت هذه المليارات الغفيرة؟ لن ننظر في رفاهات الحرية والعلم وأشياء من هذا القبيل، لكن هلم بنا فقط لا نغض أبصارنا عن واقع آخر، كم بطن من هذه البطون تريح صاحبها من قرصة الجوع لكي يستطيع ممارسة أحواله الإنسانية التي لا تستقيم على بطن خاو؟ هل انتفعت هذه الحشود بعددها؟ هل ضمنت قوتها، وأعانت ضعيفها، وأطعمت جائعها، وكفت فقيرها؟ لو كانت الإجابة بلا فلا يحدثني أحد عن أمة بخير أو نصف خير. ولا ربع خير، ولا أقل! انس هذه الكلمة – “خير” – الآن!

بل إن هذه كثرة تحولت إلى نقمة! إن هذا السيل من البشر قد تحول لفيضان يهلك ويغرق، بعد أن كان ماء بالخير يغدق! إن إنساناً واحداً يعيش البؤس يثقل على قلب الأرض، فما بالك بمئات الملايين! وبطن جائع عار على جاره، فما بالك بملايين! ورجال محرومون ونساء من البيات آمنين على أنفسهم، يعتصر لهم قلب الإنسانية، تزداد أعدادهم كل يوم وكأن الجور يلد في كل يوم أولاداً له يواصلون قبيح سيرته، وظلمة هيئته! وتأتي الكثرة فتزيد الصعب صعوبة، والفقر فقراً، بدلاً من أن نفرح بما يأتي معها من حياة جديدة.

لقد بدأ الإسلام غريباً يكرمه أهله ويعاديه كارهوه. فما بالك بغربة يهينه فيها أهله! لقد كان له في غربته الأولى رجال ونساء يأوي إليهم إذا اشتدت ظلمات غربته، فيجد في قربهم راحة وريحانا. أما اليوم فقد صبغه أهله بالسواد، وأصبح كابن السبيل لا بيت له، يدور في الأرض فيبيت ليلة هنا وليلة هناك، عند نفر قليل من أهل محبين ومخلصين. ولقد ينعق بعض من حملوا اسمه: تعال هنا في بيتك وبين ناسك وأهلك. فما أن يستجيب للدعوة ويذهب مستبشراً بالأرض والعزوة، حتى يعود مذعوراً من حيث أتى، يتخفى منهم حتى لا يعرفوه فيمسكوا به، خشية أن يهلك بين أيديهم فتزهق روحه للأبد! بل وكثيراً ما لبى دعوات، فذهب فأنكروه، وكادوا أن يفتكوا به! ويقابل في طريقه بشراً نظيفي الفطرة والعقل، فيحبهم وهم له كارهون! ولو عرفوا هويته لصادقوه وأحبوه، لكن أنى له أن ينكر أولاده، فالقصة طويلة وشرحها معقد! ومنهم من يهيء له القدر التعرف عليه في هدوء، بعيداً عن الغثاء الكثير من أهله، فيجدون في قربه راحة، ويعرفون في جواره صدقاً ورحمة، فيقولون له ما أبعد سيرتك عن حقيقتك! أو صورتك عن سيرتك! لشدما ظلمك أهلك، وجعلوك في الأرض غريباً!

فيفكر في نفسه: ما أبعد غربة اليوم عن غربة الأمس وما أغربها من غربة. لقد كنت بالأمس غريباً لكني كنت واثقاً، مستريح القلب والبال. فظلم العدو أهون على النفس من جور القريب وجهله. والله لا أبالي أن يكثر أعدائي أو يشتدوا، فهم إنما يحاربون بسلاح وعدة، وأنا أحارب برب كل ذلك. لكن ما أفعل في كثرة أصدقاء جهله، وأقرباء خائنين، وأهل غائبين! لله ما أشد غربة اليوم، وأطول ليلها، وأعسر كسرها. ما يفعل الفاعل في أهل خذلوه؟ أيتبراً منهم؟ أيعاديهم؟ فما بالهم حتى لا يتركوني لحالي، أسير في الأرض على سجيتي وأعامل الناس بسيرتي وسريرتي! ما بالهم يحجرون علي أن أصادق من هو أهل لصداقتي، حتى لو لم ينتمي إلى هويتي، وأعادي من هو أهل بعدائي، حتى لو حمل اسمي وادعى محبتي! ولم يظنون أنهم يعرفونني أكثر من معرفتي بنفسي، وهم أبناء عمر قصير، وأنا عمري عمر الأزل! ولم يمسكون يدي أن أصلح في الأرض، مهما كان من دب فوقها كافراً بي أو مؤمناً! ويحجرون علي أن أنفق من رحمة وسعت كل شيء! يرمون على جسدي قاذوراتهم، فأمشي في الأرض لا أدري كيف أنظفها وجسدي يثقله ما ألقوه عليه! وأريد أن أتكلم حتى يراني الخلق، فإذا بصوتهم يعلو بقوة عددهم وعدتهم فلا يسمع لي حس! وأصرخ فلا يصل صوتي لأحد، ويظن السامع أن قولهم هو قولي، وهذيهم هو ما في قلبي!

ألم أقل لكم أن غربة اليوم أشد وطئاً من غربة الأمس!

خلف الستار

لو لم تكن أنت، لكان أجدر بالمرء قتل نفسه، ولكان الموت خيراً من الحياة، والانتحار فضيلة لا يستطيعها إلا أتباع الحقيقة.

ربما غفلت لأني لم أر، وقابلت عطاءً ممتداً بطول عمري بكفر يمتد بعرض حياتي. ربما تجاهلت ما لا أسمع، وجهلت تحت بصر محجوب عن بصري إبصاره.

رأيت أن أتبع ذلك حين وصلني أنه أحق أن يتبع. غير أنه كثيراً ما يثقل الأمر، ثقل الغيب في خفائه. فأقول لنفسي، لأتبعنه طالما لم أجد ما هو أحق.

أقسم بالوجود والعدم، إني إن وجدت أفضل من ذلك لاتبعته لفوري!

خطبة شدوية: التفاؤل و”قانون الجذب” في الإسلام

هذه ثاني خطبة أتيح لي أن ألقيها على مسامع جماعة المسلمين في مدينة إثاكا في شمال ولاية نيويورك. لم أخطط من قبل أو أتصور أن أقف موقف خطيب الجمعة. ولوقوفي هذا الموقف قصة يعلمها من تابع هذه المدونة. والحق أن تصاريف القدر لا تعبأ بما تتخيل أو تتصور – إلا بقدر معلوم (نعم: يعبأ القدر – كثيراً أو قليلاً – في بعض الأحيان بما تتخيل وتتصور، بكيفية سبق بها قول الخالق وتقديره). لن أخفي عليك أنني تخيلتني أتكلم في الناس، غير أن خطبة الجمعة كمناسبة للتحدث إلى الجماعات لم ترد لي على خاطر. فالقدر يعبأ بما تتصور، ثم يهيء لك منه أشياءً على غير توقع منك، وبكيفية لم تدر بخلدك. ويتصل هذا المعنى اتصالاً وثيقاً بموضوع خطبتي الثانية التي أعرضها عليك اليوم. سوف أقدم أولاً عرضاً بالعربية لمعانيها، ثم أورد في آخر هذه التدوينة وصلة لتحميل التسجيل الصوتي للخطبة بالانجليزية.

تحذير: سوف تكون هذه أطول تدوينة كتبتها. فلم أر من المناسب أن أقسمها على أكثر من تدوينة حتى تتماسك الفكرة. فإن مللت من تكملة القراءة فأرجو أن تقرأها على مراحل!

الخطبة: عن التفاؤل في الإسلام نتحدث

الإخوة والأخوات، أود أن أبدأ خطبتي اليوم بسؤال بسيط، وهو: هل سألتم أنفسكم من قبل لماذا ينجح بعض الناس في حياتهم، ويفشل آخرون؟ هل لاحظتم في وقت ما أن حياة المتفائلين والسعداء تبدو أيسر وأجمل، بينما تبدو المصائب وكأنها تستهدف المتشائمين دوناً عن غيرهم؟

لقد صدر كتاب يحاول أن يجيب على هذه الأسئلة، وكان عنوانه هو: “السر” The Secret! وقد لاقى نجاحاً كبيراً. ووفقاً لهذا الكتاب فإن السر في نجاح البعض وسعادتهم يكمن فيما يسمى: “قانون الجذب” The Law of Attraction.

فما هو “قانون الجذب”، وهل ورد ذكره بأي شكل في ديننا؟ سوف أطلعكم على السر وأخبركم عن ماهية هذا القانون، وسوف أبين أن هذا السر في الواقع، أو “قانون الجذب”، والذي تمت الإشارة إليه في القرآن وفي سيرة النبي وأحاديثه بأبسط العبارات، هذا القانون هو في الواقع ضرورة لحياة إسلامية حقيقية. هو لازم لحياة المسلم الداخلية، إن كان مسلماَ حقاً ومؤمناً بالله ورسوله.

علينا ألا ننسى أن المسلم لا يكون مسلماً فقط بمظهره، ولا حتى بأفعاله. نعم لا شك أن العمل بالغ الأهمية في الإسلام، غير أنه لا قيمة له دون أساس نفسي وروحي. ولهذا تحظى “النية” بمكانة بالغة الأهمية في تعاليم الإسلام. فالنية هي ما قد يباعد بين عملين متطابقين في الظاهر كبعد السماء عن الأرض. تأملوا مثلاً فعل الصلاة. ففعل الصلاة واحد بحركاته وأقواله. لكن الله يرفع من يصلي لوجهه، ويلعن من يصلي مراءاة للناس:
“ويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراءون.”
من أجل ذلك علينا أن نهتم لما في أنفسنا، لعالمنا الداخلي، فهو محك الإيمان. يحتوي عالمنا الداخلي هذا على أشياء كثيرة، ففيه معتقدات، ومشاعر، وصور وذكريات، وآمال وأحلام، وتوقعات، ومخاوف… هذا بعض ما تحويه هذه الحياة الداخلية، وهي أشياء يجب أن نوليها اهتمامنا وأن نحاول تطويعها لتعاليم ديننا. علينا أن نسلم لله حقاً، في باطننا وظاهرنا. ولن يتسنى لنا أن نلسم لله حتى نستطيع توجيه عالمنا الداخلي والتحكم فيه.

أود أن تتذكروا هذه المعاني وأنا أخبركم عن ماهية “قانون الجذب”. هو قانون في غاية البساطة، فهو يوضح أن الإنسان يجتذب ما يفكر فيه، ويحصل على ما يتوقعه. أي أن عالمك الخارجي يتشكل ويستجيب لعناصر عالمك الداخلي من أفكار وتوقعات. هذا هو السر في نجاح البعض وسعادتهم دوناً عن آخرين. وهذا المعنى وربي يتحدث به القرآن، ونجده في حديث النبي (ص) وسنته. فأنت إن تشاءمت، فلن تخيب ظنونك، وسوف تلقى من الحياة ما لا تحب! ومهما بذلت من جهد في إطار من التشاؤم واليأس، فلن يأتي عملك بأية ثمار طيبة.

فما قول تعاليم الإسلام في هذا القانون؟ لقد ورد عن نبي الإسلام (ص) أن الله يقول في حديث قدسي: “أنا عند ظن عبدي بي”. ورد ذلك في بداية حديث قدسي، وغالباً ما يهتم المعلقون ببقية الحديث ولا يولون هذه الكلمات ما تستحق من عناية، لكن هذه الكلمات تحديداً هي ما أريد أن نتوقف عندها. ففيها “قانون الجذب” بأكمله، في كلمات قليلة. غير أنها تشير لحقيقة هذا القانون بشكل أصدق. فما يستجيب لتوقعاتك ليس قوى كونية مجهولة الهوية، ولكنه قانون إلهي وضعه الله في الحياة. فحينما تأمل في الله خيراً، وتثق في كرم عطائه، فلا شك أنه تعالى سوف يعطيك عطاء الكريم وسوف يأتيك بالخير. أما لو يئست وتشاءمت، فلسان حالك يقول لله: أنا لا أثق فيك! فإن “الكريم” من أسماء الله وصفاته، ولو غاب في نفسك الرجاء في هذا الكرم، فلا يعني ذلك في واقع الأمر إلا ضعف ثقتك أنه حقاً “كريم”! هل تدركون خطورة هذه الحالة النفسية؟ والآن فلنتفكر قليلاً في معاني أسماء الله وصفاته، فإن الله هو “الغفور”.. “المعطي”.. “الرزاق”.. “النور”.. “الكريم”.. “الرحيم”.. “الفتاح”.. “العدل”.. “الصبور”.. “الشكور”.. “الودود”.. “المغني”.. “الهادي”. تذكر أنك إن خفت الفقر، فأنت في الواقع لا تؤمن أنه جل شأنه هو “المغني” و”الكريم” و”الرزاق”. وإن خفت ضياع جهدك دون المرجو من ثمار طيبة، فإيمانك ما زال زائفاً بأنه هو “الفتاح” و”الشكور”، فهو يفتح لك الأبواب والفرص، ويجزيك خيراً عن كل ما تحسن من عمل:
“إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً”
وإن خفت ظلم البشر وجورهم على حقك، فإنما تنسى أن الله هو “العدل”. وإن غلبت عليك الحيرة وضل عنك السبيل، فقد غابت عنك صفة الله “الهادي”.

منتصف الخطبة، الدعاء.

الإخوة والأخوات، لقد تحدثت إليكم حتى الآن عن “قانون الجذب”، ومعناه أنك تحصل على ما تتوقع، ويفسر بذلك سبب تعاسة المتشائم وسعادة المتفائل. وأشرت إلى بعض ما ورد في تعاليم الإسلام من إشارات إلى هذا القانون. وفيما يلي أحب أن أواصل عرض ما ورد في القرآن وفي سنة النبي (ص) من إشارات لـ “قانون التفاؤل”، كما أحب أن أسميه.

أرجو ألا تنسوا أن الهدف من هذا الحديث هو إثبات أن المسلم ينبغي أن يكون إيجابياً في الفكر والعمل، وأن يكون تركيزه على الجوانب الإيجابية دوناً عن السلبية. فهكذا يجدر بالمسلم أن يشكل عقله، وأن يبني عالمه الداخلي.

تأملوا هذه الآية الجميلة من سورة البقرة:
“إن الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا”
هل عقلتم هذه المعاني! هذه رسالة من الله إلينا: أن الفقر ليس إلا وعد من الشيطان، في حين أن وعد الله هو المغفرة والفضل والسعة. فأي الوعدين نصدق؟؟!! هل نصدق الله، أم نصدق الشيطان! لنتذكر جميعاً أن الفقر في حقيقته لا يعني قلة المال، فنقص المال ما هو إلا مظهر مادي. إن الفقر في جوهره ما هو إلا حالة عقلية ونفسية. وإن فقراء العقل والنفس المقيمون في هذه الحالة الوجدانية إنما يتبعون الشيطان ويضلون عن سبل الرحمن. وعقلية الفقر هي ما تؤدي إلى مرض البخل. فقد ترى رجلاً يملك الملايين، ولكن عالمه الداخلي بائس وفقير. بينما تجد أن المؤمنين بالله حقاً يحبون العطاء، ولو كان المال في أيديهم قليلاً، وذلك ليس إلا إشارة لكونهم لا يعيشون عقلية الفقر. وهو ما يفسر أيضاً مثل رسول الإسلام (ص) الذي كان يعطي عطاء جعل أصحابه يخبرون عنه أنه كان “يعطي عطاء من لا يخشى فقراً”. فهذا هو مثل النبي الذي لم يكن يملك من المال الكثير كما نعلم، لكنه كان يعيش في حالة أو عالم داخلي يفيض بالثراء والسعة.

دعنا ننظر في إشارات أخرى “لقانون التفاؤل” في الإسلام. لقد أشرت من قبل للحديث القدسي: “أنا عند ظن عبدي بي”. كذلك ورد عن النبي (ص) قوله: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة. والآن تخيلوا معي الحالة الوجدانية لإنسان يصدق تماماً هذا الحديث. تخيل أنك تدعو الله وتسأله حلالاً من طيبات رزقه، ثم تمضي في حياتك واثقاً أن كرم الله ورحمته سوف يحققان لك ما تبغي. تصور قدر ما يملأ نفسك في هذه الحالة من قوة وأمل وحماسة. لا شك أن الله لن يستجيب لدعائك بين عشية وضحاها، لكنك إذ تدرك ذلك توقن أيضاً أن الله قد سمع دعاءك وأجابه، ومن ثم تختفي مخاوفك. تخيل مثلاً، ولله المثل الأعلى، أن عندك مشكلة تؤرقك، ثم أتيح لك أن تقابل رئيس الجمهورية نفسه (نسيت أن أوضح في هذا المثل أن رئيس الجمهورية المعني ليس رئيساً عربياً!!)، ثم وعدك الرئيس (غير العربي!) وعوداً حسنة بحل مشاكلك. كيف لك أن تشعر وأنت ذاهب عنه، بعد هذا اللقاء الواعد؟ ألن تكون مستبشراً بالخير، بشراً يبث في نفسك الطاقة والحبور؟ قد يوضح لنا هذا المثل أن حالتنا الوجدانية لا ينبغي أن تكون أقل من ذلك بأي شكل بعد التوجه لله داعين سائلين للخير.

أحب أيضاً أن أحدثكم عن آية تدعو للتأمل والدهشة في سورة الإسراء، وهي:
“ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير، وكان الإنسان عجولا”
لقد لفتت هذه الآية نظري بشدة. هل نطلب نحن بني آدم الشر لأنفسنا تماماً كما نطلب الخير؟! إنني أعتقد أن هذه الآية تؤكد ما يذهب إليه “قانون الجذب”. وظني أن معنى الدعاء فيها قد يكون: التوقع. فالإنسان حينما يملأ نفسه التشاؤم وتوقع الشر فهو كالداعي بهما لنفسه. التوقع أو الظن هما حالة من الدعاء الخفي. تربط الآية أيضاً – في إشارة خطيرة الشأن – بين الدعاء بالشر والعجلة، “وكان الإنسان عجولا“. لاحظوا أن التشاؤم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنفاد الصبر. فالمتشائم يفقد الأمل بسرعة شديدة عند قدوم المشاكل والتحديات. بينما لا يمكن أن يتوطد الأمل دون صبر. فالمتفائل يدرك تماماً أن الحلول لا تأتي حال تمنيها بشكل فوري، هذا ما يدركه تماماً كل عاقل ذو نظرة إيجابية للحياة، ولذلك لا تصيب أمثال هؤلاء العجلة، ولا ينظرون تحقيق ما يرجونه بصبر نافد.

هنالك أيضاً عبرة نستطيع استنباطها من وقت عصيب مر به النبي وأصحابه، إبان معركة الخندق. فقد كانت جماعة المسلمين في المدينة في انتظار تحالف من الأعداء، كبير العدد والعدة، يسيرون نحوهم ولا يبغون إلا تدميرهم ودولتهم الوليدة. كان النبي وأصحابه هم الطرف الأضعف في ميزان واقعهم الصعب. حينها اقترح سلمان الفارسي شق خندق حول المدينة، ليحول بينهم وبين من لا قبل لهذه الجماعة به من أعداد غفيرة من المحاربين. اجتمع الرجال خلف الخندق، وتركوا وراءهم نساهم وأولادهم، وأوصوهم بالبقاء في المنازل والتحسب لدخول الأعداء إذا انهزم الرجال أمامهم وقتلوا. فلتبق النساء خلف الجدران ويتأهبن للدفاع عن أنفسهن إذا ما تمت إبادة رجالهن. يا له من حال شديد القسوة والصعوبة! لكن انظروا للفتة صغيرة صدرت عن النبي (ص). فقد كان يضرب بمعوله في الصخر، فانبثقت شرارة رأى فيها شيئاً وأخبر به أصحابه. ليس هذا الموقف الصغير في هذه الظروف بالذات محض عبث أو صدفة. فقد أخبر أصحابه، وهم في خضم هذا الغم والترقب، أنهم سوف يغزون فارس، أحد أقطاب العصر في القوة والنفوذ. في هذه الظروف! لقد يبدو ذلك كأمل مستحيل، ما كان هؤلاء الرجال يجرؤون حتى أن يحلمون به! لكن فكروا في أثر هذه النبوءة عليهم، فهم يصدقون النبي وأنه لا ينطق عن الهوى. إن من شأن هذه النبوءة أن تبث في أنفسهم آمالاً مشرقة، وترفع توقعهم للمستقبل إلى عنان السماء. لقد كانوا في أمس الحاجة إلى مثل هذا الأمل لكي يستطيعوا مواصلة العمل والاستمرار في المحاولة. إن في هذا مثال شديد الوضوح عن كيفية استغلال النبي (ص) لـ “قانون الجذب” أو “قانون التفاؤل”. فخلق الأمل والتوقع الحسن في نفس الإنسان يملأ قلبه بالقوة والقدرة على العمل.

والآن أحب أن أختم هذا الحديث بمثال جميل من قصة يعقوب عليه السلام في سورة يوسف، وفيها قصص يوضح كيف يحتفظ المؤمن بروح التفاؤل والأمل. لقد غاب يوسف عليه السلام عن أبيه ما لا يقل عن عشرين عاماً، وربما خمسة وعشرين أو حتى ثلاثين، من يدري. لكن انظروا في موقف يعقوب عليه السلام بعد غيبة ولده المحبب إلى قلبه يوسف كل هذه السنوات، وقد تقدم يعقوب في العمر، ثم ها هو الآن يفقد ولده الآخر المحبب إلى قلبه، الأخ الأصغر ليوسف! فما يقول يعقوب لبنيه في مواجهة هذه المصيبة الجديدة؟
“يا بني اذهبوا وتحسسوا من يوسف وأخيه، ولا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون”
في هذه الآيات نقرأ قصة التفاؤل في الإسلام كأتم ما تكون. تستطيع أن تأمل في أشياء تبدو مستحيلة، ولكن عليك أن تعمل على تحقيقها. فيعقوب هنا يطلب من أبنائه أن يذهبوا ويعملوا، ويبحثوا وهم في حالة من الأمل في رحمة الله، رغم أن البحث عن يوسف بعد كل هذه السنوات يبدو مستحيلاً ومنبت الصلة بأي منطق معقول. لكن هكذا يكون الأمل في نفوس المؤمنين الصادقين. هو أمل يصاحبه عمل إيجابي.

الإخوة والأخوات، دعوني أختم خطبة اليوم بتذكير نفسي وإياكم أن الأمل يحفز على العمل، بينما لا يؤدي التشاؤم إلا للكسل والقعود. نحن بحاجة أن نركز على هذه الحقيقة لكي نطبقها على المستويين الداخلي ثم الخارجي. علينا أن ندرب أنفسنا على الاحتفاظ بأمل لا يتزعزع في رحمة الله وكرم عطائه، أمل يحفزنا على الاستمرار في العمل لخير أنفسنا ولخير الإنسان في كل مكان، حتى نستطيع القيام بدور الإنسان كخليفة لله في أرضه.

ثم اخترت ما يلي من دعاء رسول الله (ص) لختم الخطبة قبل الصلاة:
اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن، ونعوذ بك من العجز والكسل، ونعوذ بك من الجبن والبخل، ونعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك.
اللَّهمَّ أَصْلِحْ لنا دِيننا الَّذي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنا، وأَصْلِحْ لِنا دُنْيَاناَ التي فِيهَا مَعَاشنا ، وَأَصْلِحْ لنا آخِرَتنا الَّتي فِيها معادنا، وَاجْعلِ الحيَاةَ زِيادَةً لنا في كُلِّ خَيْرٍ ، وَاجْعَلِ الموتَ راحَةً لنا مِنْ كُلِّ شَرٍ.

ملحوظات ختامية:

1. تستطيع الاستماع للتسجيل الصوتي لهذه الخطبة هنا. والتسجيل الصوتي يحتوي في النهاية على بعض الحديث المرتجل الذي لم أسجله هنا، فقد ترجمت النص المكتوب للخطبة فقط.

2. لمن استمع إلى الخطبة الأولى، أحب أن أعرف تقييم الإلقاء وهل هو أفضل في الخطبة الأولى، حيث سجلت نقاطاً وارتجلت الحديث، أم في هذه الخطبة حيث كتبت النص وقرأته. وما فعلت ذلك إلا لخوفي من عدم تمكني من اللغة.

3. بعد هذه الخطبة تراءت لي أشياء كثيرة تتصل بذات الموضوع، حتى تصورت أنه بحاجة إلى كتاب منفصل، لو أنعم الله علينا لشرعت فيه إن أذن. بل وفكرت أن أفعل على غرار عبد الله المهيري وأجرب عمل حلقات صوتية لمواصلة الحديث عن هذا الموضوع. عموماً سوف نرى، ولا يبخلن مقترح بمقترحه، ولا صاحب دلو بالإدلاء به!

4. لا يحسبن قاريء أن كاتب هذه الكلمات هو رجل يفيض تفاؤلاً وأملاً في الحياة! فلو عشت أنا مصداق هذا الحديث منذ عقد من الزمان لتغيرت قصة حياتي تغيراً تاماً، غير أن هذه معاني أؤمن تماماً في صحتها وأود أن أعمل على التخلق بها، وهو سعي غير يسير وجهاد متصل، لكن ثماره وفيرة وتستحق العمل لأجلها.