صواب مصر

بعد أن تمكن المرض المباركي وتوغل في جسد مصر وخلاياها لعقود طويلة، تحاول مصر الآن أن تتماثل للشفاء وتعبر مرحلة النقاهة الحرجة على خير، في الطريق نحو الشفاء الكامل والصحة الدائمة بإذن الله.

نعلم جميعاً أن هذا المرض العضال قد طال كل أعضاء الجسد المصري الكبير ونالها بالأذى. غير أن هذا التشعب لا يمنع أن نضع خطوطاً عريضة وعناوين كبيرة بهدف توضيح الرؤية وإضاءة خريطة العمل المطلوب بنظرة بانورامية أو “فوقية” للصورة العامة دون التفاصيل.

وقد فكرت في كلمة واحدة تجمع تحتها هذه الخطوط العريضة أو الخريطة العامة لمجالات العمل المطلوب لتنقية مصر من بقايا وأعراض هذا السرطان. وأردتها أن تكون كلمة سهلة التذكر، ذات معنى قائم بذاته وفي الوقت نفسه يشير كل حرف من حروفها إلى واحد من الخطوط العريضة التي يندرج تحتها العديد من المشاريع المختلفة.

فنحن نريد أن نخرج بمصر من العجز إلى الإنجاز، ومن الفشل إلى الإعجاز، وكثير منا نحن المصريون نظن في أنفسنا التفوق والتفرد والعبقرية، ولا بأس بذلك، فهذا أفضل من أن نظن بأنفسنا الفشل وعدم القدرة على التقدم. لنؤمن أننا شعب عظيم متعدد المواهب معجز القدرات، على أن نجعل من هذه الصورة محفز للعمل لا ذريعة للكسل.

ونحن نؤمن كذلك أن مصر لم تأخذ حقها من التقدم بسبب شرذمة من الفاسدين الأغبياء تمكنوا من أمرها لعقود طويلة. أي أن هذا الفشل يرجع لأخطاء وانحراف عن المسار الطبيعي، ومن ثم لو عادت الأمور إلى طبيعتها، والدفة إلى وجهتها، وتولى أمورنا خيارنا، فسوف يصحح ذلك المسار المصري ويحول وجهته من التقهقر المزمن للوراء ولأسفل، إلى التقدم المطرد للأمام ولأعلى. نحن نريد “تصويب” المسار وتصحيحه. نريد “صواب” مصر، ومن محاسن الصدف اللغوية أن هذا الـ “صواب” يضم تحته حروف يعبر كل واحد منها عن أحد عناوين التقدم الرئيسية:

- صاد الصواب: “صحة” المواطن. ونحن نعلم الواقع المخيف لصحة المصريين الذي خرجنا به من عهد مبارك. ما بين سوء التغذية المفروض فرضاً على الفقراء، إلى تلوث الطعام والشراب الذي لا يسلم منه قادر ولا معدم. وما دام تقدم الوطن هو محصلة تنمية كل مواطن، فإن صحة مصر لا تزال في خطر. وكما نعلم فإن العقل السليم في الجسم السليم، لذلك فإننا نظلم الفقراء والمعدمين إذا طلبنا منهم عقلاً واعياً ومشاركة سياسية إيجابية في أي عمل ديمقراطي. نحن جميعاً بشر. والإنسان عليل الجسد هو غالباً مريض العقل وبطيء الفهم وثقيل الهم. وعلاج صحة مصر ينطوي على مشاريع ذات طابع “إغاثي” عاجل يتعامل مع الحالات الأصعب من المرض وعدم القدرة على الحصول على الغذاء الأساسي، ومشاريع أخرى ذات أمد أطول تعالج مشاكل التلوث الغذائي والمائي والهوائي.

- واو الصواب: “وعي” المواطن. يتشكل أكثر الوعي من خلال التعليم والإعلام. ولعلنا لا نختلف أن وجود الإعلام البديل المتمثل في الانترنت كان له بالغ الأثر في إشعال الثورة بما أتاحه من اطلاع حر وتواصل بين الأفراد الذين تجمعهم رؤى متقاربة وآمال مشتركة. غير أن هذا الإعلام لا يصل إلا لنسبة ما زالت محدودة. ومع ارتفاع نسبة الأمية لدرجات مخيفة يظل الإعلام المرئي هو أقوى وسائل التأثير وأكثرها انتشاراً.

ومن ثم فإن أي عمل مجدي في صالح هذا البلد لابد وأن يبذل جهداً وفيراً لحل مشكلة الأمية بالتوازي مع ابتكار وسائل سهلة – غير مقروءة – لتوعية عشرات الملايين من الفقراء والأميين، الذين يشكلون قنبلة موقوتة لو تم تجاهلهم أو الغفلة عما يدور في عالمهم.

أما التعليم الرسمي فلا مفر من هدمه رأساً على عقب وإعادة بنائه “على نظافة”! وهو جهد مؤسسي ضروري وإن كان طويل الأمد وبعيد الثمرة.

- ألف الصواب: اقتصاد. لا مفر من التعامل مع الاقتصاد أيضاً في خطين متوازيين، أولها سريع وإغاثي في طبيعته، والثاني متوسط وطويل الأمد. ولا يجب أن ننسى الأهمية القصوى للجهد الإغاثي في خضم انشغالنا بالتخطيط البعيد والبناء للمستقبل. فهناك عشرات الملايين من النفوس البشرية تعيش تحت خط الفقر منذ عقود، في ظروف غير إنسانية بل وغير حيوانية في كثير من الأحيان!

- باء الصواب: بحث علمي. لا يقتصر البحث العلمي بالضرورة على التكنولوجيا وأبحاث تجري في المختبرات العلمية. البحث العلمي هو كل جهد عقلي منظم من أجل إيجاد حلول لمشكلات قائمة، أو خلق آليات جديدة – في أي مجال – تؤدي إلى تحسين نوعية الحياة. البحث العلمي هو أداة لإيجاد الحلول لمشاكل مادية بحتة مثل تلوث البيئة، ومشاكل اجتماعية إنسانية لا يمكن وضعها في مختبر مثل الأمية والفقر. ولا يوجد مجتمع يتحرك للأمام دون بحث متصل عن وجهات وآليات وأدوات هذا التحرك. وبدون هذا البحث المتواصل والمنهج العلمي تنتهي جماعات البشر إلى التحرك للخلف أو نحو الهاوية وهي تظن أنها تتحرك للأمام. فأحياناً ما يكون السكون والوقوف محلك سر خير وأكثر أمناً من التحرك على غير هدى!

هذا عرض متعجل للعناوين العريضة للعمل من أجل مصر، لا سيما وأن الكثير من المصريين الآن يشعرون أن الوقت قد حان لمشاركة إيجابية. فهذه مجالات العمل المدني وليس الحكومي فقط، وكل مؤسسة خيرية أو جمعية لا تهدف للربح قد تختار أحد هذه الحاجات الملحة لكي تعمل عليها وتركز جهدها.

وهكذا يتحقق “صواب” مصر بالتركيز على كل جزء مفرد من هذا الصواب وحروفه: الصحة والوعي والاقتصاد والبحث العلمي.

إضافة تعليق