البحث عن الجمال

من سلامة الفطرة أن يضيق الإنسان بالقبح إذا أحاط به ويسعى لمواطن الجمال. يكاد طلب الجمال أن يكون فريضة على كل ذي فطرة سليمة. (من مقال لي بعنوان عيد ميلاد إعلان الحلم)

استكمالاً لحديثي عن بذور هجرتي، أحدثكم عن جانب من داوفعي للهجرة. وهو شأن قد يراه البعض هيناً، غير أنه عندي عظيم. وظني أنه كذلك، أو يجب أن يكون كذلك، إذا أردنا أن نطهر فطرتنا، ونحيا كما أراد الله لنا أن نحيا.

وأنا في مصر كنت أضيق أشد الضيق بغلبة القبح، وندرة مواطن الجمال، وتواضع وجود الشجر والزرع والخضرة في مدننا. أما الأدهي والأمر فهو ندرة الخضرة حتى في الريف. نعم في الريف! وأنا أتحدث عن بيوت وشوارع أهل الريف لا عن زرعهم. ففي زياراتي لقرى مصر لم أجد غير نموذج أشد قبحاً لحال المدينة المصرية. أذكر أنني كلما مررت على موضع من مواضع القبح في القاهرة كنت أحدث نفسي قائلاً: هاك مثال نموذجي لمعنى الإفساد في الأرض. هنالك الكثير من أشكال الإفساد، غير أن قبح المدن والقرى شكل واضح تراه بالعين المجردة. والمسؤولون عن هذا القبح هم رجال أقاموا للإفساد معالم، يحيا فيها الناس ليلاً ونهارا!

لا شك أن هنالك أماكن في مصر تشرح النفس، وترضي نزعات فطرة الإنسان لما بث الله من جمال في أرضه. ولكنني كنت أبحث عنها فلا أجدها إلا كالواحة في غياهب صحراء جرداء. كان الجمال استثناء تبحث عنه في مظانه، وأحياناً أو كثيراً ما تكون هذه المظان قصراً على من يملك الثروة والسلطان. أما في بلدان أخرى فإنك تجد الجمال متاحاً لا باب له ولا سور، ما أيسر أن تجده في شارعك وفي الطريق لعملك أو لهوك يوماً بعد يوم. وتجد فيها القبح أضحى استثناء، أجمل به من استثناء! والجمال فيها غير خاضع للمال، قد يهيء منه المال فرصاً أكثر وأوفر ولا شك، غير أن قدراً وفيراً منه يظل متاحاً للجميع ويظل جزءاً من حياة الناس اليومية
.
أذكر أنني حين كنت أسير في شوارع القاهرة، فتتجهم لي المناظر، وترفع لي المدينة عيناً حزينة، من وجه يعلوه التراب، وجسد أسقمه المرض والظلم والإهمال، كانت نفسي تقول لي مالك تقبل أن ترضى بالضيم ومالك منهوب وحقك مسلوب؟! لو كانت بلدي فقيرة لما تركتها، ولكان جهدي أولى بها وبمستقبلها، ولكن ما معنى وما جدوى أن أرضى بكل هذا القبح، لكي يتمتع بمالي بعض أشباه البشر، من لصوص اعتلوا أكتافنا وركبوا ظهورنا! هل أعاني من أجلهم؟ وكأني أعمل من أجل أن يستزيدون هم من المال! لا إن هذا لا يكون. بل إن الله لا يرضى لعباده أن يقبلون ذلك راضين مستسلمين (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها!). هذه يا أصدقائي أحد بذور الهجرة!

إضافة تعليق