بذور أنبتت هجرة

للهجرة بذور. وهل من شيء يبدأ وجوده في هذه الأرض فجأة، أو من ولادة لحظة؟ ولأن البذر في مبدأه صغير الحجم هين الشأن، فهو يتخذ مخصبه في نفس الإنسان-كما في بطن الأرض-في بقعة صغيرة، لا يفصح عن نفسه لكل عابر أو ناظر.

والبذرة لا تحمل في طياتها كل أسرار وأحوال كيانها الذي سينمو مع مرور الأيام والأعوام. فالماء، بكثرته أو وفرته، و التربة وما تحويه من هموم وسموم، ولقاح وأفراح، تعطي مما فيها للكيان الجديد النامي. فتخرج لنا خلاصة التكوين الفطري والاكتساب الظرفي.

ولهجرتي التي أعيشها الآن دوافع وبذور، تمتد في الماضي الداخلي سنوات وجذور. والإنسان غالباً ما يحيا يومه مفصولاً عن أمسه وغده، والفصل إهلاك لليوم، وللماضي وللآتي جميعاً. ولإن وصلتهم فقد أعطيتهم حياة جديدة وألبستهم حُلة من الفهم والمعنى، تضفي على صاحبها بهاء وضياء، وتقيم في الأنفس ما اعوج من رجاء. (قد يستحق “اعوجاج الرجاء” -أو الأمل- موضوعاً وحده وتفسيراً)

ومن إحسان المرء لنفسه أن يتدبر ماضيه، ويتعقب فيه أسباب ما يعيشه في يومه الحاضر. وهو ما أنا بصدده الآن من محاولة لتفسير أو تعقب بدايات الهجرة في نفسي. وأنا أؤمن إيماناً لا يتزعزع بمسؤلية المرء عن جل ما يحدث له، ولا يصيبني هم أو مكروه إلا قالت لي نفسي، أو قلت لها، هذا من سوء عملك ومما سبق من جهلك. ولن يعدم المرء أخطاءً وجهلاً في ماضيه فلا يأسى على نفسه ولا يظن أنه ضحية لفعل غيره فيه، إلا في أمور وأحوال يكون الظلم فيها بين، والاعتداء بلاء. غير أن أكثر ما يمر بالناس من هم أو من خير هو محض بضاعتهم ردت إليهم: “ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض”.

فما الذي دفعني لترك أهلي والهجرة في بلاد الغرب؟ هنالك الملايين من الشباب يطمح في الهجرة، وهناك غيرهم لا تروق لهم الفكرة ولا يفكرون فيها أو يسعون إليها. ولكل فكره الخاص وطموحه، وكل طامح للهجرة له أسبابه النابعة من رؤيته للحياة وما يرجوه منها.

الواقع أن الرغبة في الهجرة كانت تراودني منذ كنت في سن المراهقة، وأنا في المرحلة الدراسية الإعدادية. لا أذكر ولا أظن أنها بدأت قبل ذلك. غير أن ما يجدر بالذكر أنني بداية كنت أود أن أهاجر لعدد محدود ومعدود من السنين، لكي أرى ما لدى المتقدمين وأتعلم منهم، ثم أعود لبلدي كي أنفعه بخبرات وعلوم السفر. ولكن هذه الرؤية الحالمة تغيرت بعد ذلك قبل حتى أن أسافر. وكانت الصيغة النهائية لرغبتي في الهجرة هي الهجرة حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا، يعني هجرة مفتوحة الزمن. وكان مبعث ذلك ولا شك ما زاد من خبرتي بالحياة في بلدي، إذ توصلت لنتائج منها أنني لا أستطيع التأقلم مع كثير من سلوك أهل وطني وتعاملاتهم في حياتهم ومصالحهم. كذلك توصلت أن أصلح عيش لي في هذا المناخ هو عيش السائح، يعني أن تكون حياتي ومصالحي في أرض المهجر، وآتي مصر وأقضي فيها وقتاً كزائر لا أكثر. ومما توصلت إليه أيضاً في ذهني أنني لكي أستطيع أن أقدم نفعاً لأهل هذا البلد، فإنني لن أستطيع تقديمه وأنا خاضع لما يخضعون له من قهر تتنوع أشكاله وأحواله. ومنطقي في ذلك أن الغريق لا يمكن أن يمد يد العون للغرقي من حوله، ولا يستطيع إنقاذ غريق إلا من لا يهدده الغرق. أما محاولات الغريق إنقاذ من حوله فليس لها من ثمرة إلا تخليص ضميره، ولن ينقذ بعدها نفسه أو غيره. وأنا أريد نتائج عملية، ولا يعنيني في كثير أو قليل أن أصرخ وأصرخ حتى يبح صوتي، ولا يتحرك ما أصرخ ضده ولا يرجع عن ظلم أو إفساد. وأولى بي أن أهدأ وأدخر ما عندي من طاقة، حتى يكون للفعل أثر وللسعي ثمار وإصلاح وإعانة للناس على حياتهم. ولن ينتفع أحد ببقائي أنا أو غيري وسط الأطلال لكي نغني لها ونبكي عليها، كعادة شعراء العرب في الماضي والحاضر!

هذا إذن كان الإطار العام لتفكيري في الهجرة ومنطقي في اختيارها. أما شرح وتفصيل ما أدى بي لهذه النتائج، فأنوي عرض ما يتسنى لي منه في تدوينات منفصلة بعون الله. فكل سبب منهم بحاجة لتفصيل وتوضيح بإذن الله، وقد أجعل من ذلك بداية لسرد جوانب من تجربتي في الهجرة، فأنا أعلم أن كثير من الشباب يتطلعون لكل مصدر يستطيعون منه تبين حقيقة الهجرة. والحق أن العلم دوماً أفضل من الجهل، فالجهل ظلمة كما تعلم، ولا يسافر عاقل في طريق إلا ويستصحب ما يتأتى له من نور يكشف له ما تسنى من سبيله وهدفه. ولا أنكر أن الإنسان كثيراً ما تخلو ردود أفعاله من عقل ومن تلمس لبينة ما هو بصدده!

إضافة تعليق