لماذا هاجرت: السعي نحو الاستقلال والنضج

أستكمل اليوم حديثي عن أسبابي الخاصة للهجرة خارج مصر. وهو حديث قد انقطع شهوراً.

لشرح خلفيات هذا السعي نحو الاستقلال والنضج كسبب للهجرة، فإن هنالك مقدمة لازمة، تشرح ما وراء ذلك من ظروف وتاريخ شخصي.

في بداية الثمانينات دخلت عائلتي مجال صناعة الملابس، بمبادرة أخي الأكبر الذي درس الطب ثم هوى الأعمال، ثم انخرط فيه أخوتي الذكور جميعاً. وكنت أنا في بدايات تفتح الوعي. وحينما اكتملت يقظة الوعي عندي (أعني بذلك أواخر الطفولة ثم المراهقة، وهي فترات يبقى منها الكثير في الذاكرة، على عكس ما قبلها) كانت صناعة العائلة قد حققت نجاحاً ووفرت لنا حياة يسيرة ومالاً حاضراً. لم نكن بالغي الثراء ولكن كنا ميسوري الحال، وبالمقارنة بحال كثير من أهل مصر كنا ننعم بمستوى معيشي مميز.

حينما أنظر في موقفي من مال عائلتي منذ الصغر، أجد أنني لم أكن أطلب المال إلا في أندر الأحوال. كانوا هم يعطونني، فأقبل شاكراً سعيداً. لكنني لم أكن ألح في الطلب ولم أشعر إلا بحاجز بيني وبين هذا المال يحول بيني وبين اعتباره “مالي الخاص”. بل إنني أحاول التفتيش في ذاكرتي عن مواقف طلبت فيها المال من أبي أو من أمي، فلا أذكر غير مواقف معدودة محدودة، لم يزدها تقدمي في العمر إلا تباعداً. يبدو أنه قد تكونت عندي في وقت مبكر قناعة فطرية أنه لا حق لي فيما لم أكسبه بعملي. وما يأتيني من وراء ذلك إنما هو هبة حقيقة بالشكر، حتى ولو أعطانيها أبي أو أمي.

كنت أرى أن مصير أبناء العائلات الصناعية والتجارية هو الدراسة والتخرج ثم التفرغ لأعمال العائلة، وكنت أنفر من ذلك ولا أرجوه لنفسي. كنت أضيق خاصة بأن عملي-في مثل هذه الحال-منفصل عن دخلي. يعني، كابن للعائلة، فأنت تأخذ المال، عملت أم لم تعمل. وإن عملت، فأنا إنما آخذ المال من أمي أو من أبي، مما يقلل من شعوري بحريتي في هذا المال وأحقيتي فيه. كنت أريد إن عملت في صناعة أهلي أن أتقاضى أجراً صادقاً واضح المعالم، فإن وصل إلى علمت أنني حر فيه وفي إدارته وتصريفه كيفما أشاء. لا شك أن زيادة المال خير، وأن الحصول على مال كثير من جهد قليل نعمة من الله. غير أن هذه نعمه لا يعلمها من ولد فيها. فتعود الإنسان على الأحوال من أشد أعداء الفهم ومفسدات الإدراك. وهذا في رأيي من وجوه الخلل في تربية كثير من العائلات العاملة في الصناعة والتجارة لأبنائها في ثقافتنا.

وهو خلل وصلت إلينا أمثلة كثيرة عن كيف تفاداه أساطين المال والأعمال في الغرب. فهؤلاء منهم من تعد ثرواتهم بمئات الملايين من الدولارات، ومع ذلك فإنهم يجعلون قواعد صارمة تحكم علاقة أبنائهم في صغرهم بالمال. وتجد الأب مثلا قد أسس الشركة حتى أصبحت كياناً عملاقاً، فإذا أوشك ابنه على التحول من المراهقة إلى بدايات الشباب، عينه في الشركة في عمل يسير، قليل الأجر، مما لا يحتاج لخبرة أو علم. ثم يوصي العاملين معه أن تتم معاملة الابن كأي موظف. والأب إنما يفعل ذلك وأمله أن يخلفه هذا الابن في إدارة مؤسسته العملاقة، ولكنه يدرك أن الابن لن يصلح في مثل هذا الموقع إلا بعد أن ينضج. والإنسان كالطعام في نضجه، فهو بحاجة للنار وللزمن، للخبرة ولمرور الأيام والسنين. والطعام كما تعلم لا ينضج بالزمن وحده ولا بالنار وحدها. والإنسان ينضج باختمار الخبرة مع مرور الأيام والسنين.

ومما أذكره أيضاً وزادني نفوراً من هذا الحال هو ما رأيته حين زواج أخوتي الذكور. كنت أرى الزوجات الجديدات لا يردن البدء في بيت إلا لو اكتملت عناصره المادية وتأنقت رفاهاته. وأرى الابن لا يملك إلا أن يسأل أهله أن يشتروا له كذا ويوفروا له المال اللازم لكذا. وقررت حينذاك أنني لا أريد ذلك لنفسي. لا أريد أن أتزوج بمال أهلي، فلا أشعر بحريتي في تحصيل مستلزمات زواجي. ناهيك عن هلعي أن أجد نفسي ذات يوم مضطر للتعايش مع عبث عادات الزواج في مصر. ما أقبح أن أزحم بيتي بأشياء للعرض، ومستلزمات بيتية لا لزوم لها…إلخ إلخ؟! إن أشد ما أكره هو أن أفقد حريتي. ولن أبيع نفسي وقناعاتي من أجل إرضاء عروس وعائلات يمشون في ركب التقاليد كقطعان فاقدة الحول، عديمة الرأي، مهتمة بنظر الخلق لها عن نظرها هي لمعنى الأشياء وحقائق الأمور! ولعل ذلك أيضاً أحد بذور الهجرة عندي، وهو وجلي من أن تأخذني هذه التقاليد بين تروسها فأجدني وقد فقدت عقلي وحريتي. والزواج في الغرب له ثقافة هي على النقيض تماماً من هذا العبث، على الأقل فيما يتعلق بأموره المادية. وهي ثقافة أقرب ما تكون لحقيقة زواج المسلمين كما أحبها لهم الله ورسوله، غير أنهم ضلوا عن ذلك، في خضم ما ضلوا عنه من أخلاق، وما تنكروا له من فكر!

ثم دارت الأيام وتبدلت أحوال الأسرة المالية. ذات ليلة رأى الحاج عبد الحميد – والدي رحمه الله – في منامه آية من القران تقول: “ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وبشر الصابرين”. وما لبثت العائلة حتى شهدت مصداق هذه الرؤيا، فنقصت الأنفس، وذهب المال، ونقصت الثمرات (وصاحب الستر كل ذلك، ولله الحمد). وكأن القدر مهد لي ما أردته منذ سن صغيرة، فقد أردت الاستقلال المالي فلم أجدني إلا مجبراً عليه بعد إنهاء دراستي. غير أنني كنت ما أزال معتمداً على عائلتي في كثير من أموري أيضاً، فسكني في القاهرة حيث أعمل توفره العائلة. فكنت أفكر أن الهجرة هي أحد أبواب الاعتماد الكامل على النفس. ففي الهجرة يعتمد الإنسان على عمله لتوفير جميع حاجات حياته، فسكنك وشرابك، جدك ولهوك أنت المسؤل الأول عنه. وكنت اؤمن إيماناً عميقاً أنه لا يكتمل نضج الرجل وخبرته بالحياة وفهمه لها دون هذه الخبرة. فرأيت في السفر سبيلي الوحيد لتحقيق هذا الاستقلال وخوض هذه التجربة.

لاحظ أن كل ما تحدثت عنه مما دفعني للهجرة كان قناعات داخلية ومشاعر شخصية. أي أنني هكذا كنت أفكر “قبل” الهجرة. فأرجو ألا يختلط ذلك عندك بما وجدته في واقع الهجرة بعد ذلك. فلهذا حديث متصل باذن الله.

ليلة رمضانية

أفطرت منذ قليل، إفطار رمضان يعني. كنت أطبخ ثم جاءني إبراهيم ابن أختي بوجبة من المطعم، فتركت ما أطبخه للسحور وهجمت على ما آتاني الله من طعام عن طريق عبده ابراهيم عرابي! غير أنني لم أكمله، بالكاد أكلت نصف الأكل أو أقل. ليس هذا بالأمر الغريب طبعا، ومن يعرفني يعرف ذلك جيدا.

المهم، غدا وبعد الغد أجازة من العمل، أي أنني حر ليومين قادمين، بدءا من الليلة بالطبع. ولكن ليس المهم هو أنني حر، فالمهم حقا هو كيف سوف أستخدم حريتي هذه على مدار اليومين القادمين؟ ما أسهل أن يضيع الوقت في لا شيء. المزعج أن حياة الانسان قد يضيع معظمها في لا شيء!

رباعية قبل السفر

قبل سفري إلى الولايات المتحدة، كتبت هذه الرباعية وأنا في الاتوبيس مسافراً من مدينتي الصغيرة إلى القاهرة العاصمة.

فروض القبح من حولي متمكنة

والرضا بيها مش وفاء لكن مسكنة

ياسيبك يا أرضي، يا نرجع سلامة فطرتك

ولاء الصح أجمل من ولاء الأمكنة

وقد فررت من القبح إلى العالم الجديد بحثاً عن الحياة.. ولكن لم أجدها بعد. ربما كان علي أن أهاجر مرة أخرى إلى مكان آخر، أو أن أقوم بهجرة عكسية إلى مصر لفترة زمنية وأرى ما سيحدث، ثم منها إلى مهجر آخر إذا ضاقت بي مصر مرة أخرى. غير أن الحركة في الأرض ليست بهذه السهولة في زمننا هذا. لا يكفيك أن تحمل متاعك وترحل. هناك أوراق وقوانين وضعها البشر لتنظيم حركة الإنسان بين البلاد.