بابا – بول انكا

بعد ستة أعوام في بلد يتحدث الانجليزية، ما زالت علاقتي بالأغنية الانجليزية فاترة. والحق أنني لم أبذل جهداً لتحسين هذه العلاقة، لكني رضيت بأواصر الألفة والصداقة مع الأغنية الفرنسية والعربية (الفرنسية أولاً لسبب، قد أتكلم عنه بتفصيل ذات يوم) فكان لهما أكثر وقت سماعي للأغاني. ومع ذلك، فهذه أغنية بالانجليزية وهي عندي من الأغاني المفضلة على الإطلاق. التسجيل الحي التالي مختلف عن تسجيل الاستديو، لكنه يفي بتقديم الأغنية لك إن لم تكن تعرفها. ومعها ترجمتي العربية لمعاني الكلام.

كان أبي يعمل كل يوم
محاولاً أن يفي بمتطلبات حياتنا
لكي يضمن لنا الغذاء
ويضع في قدمي حذاء
في كل لية كان يحملني إلى فراشي
يقبلني على رأسي
بعد أن أنتهي من تلاوة صلواتي
شهدنا أعوام حزن ودموع
وواجهناها جميعاً مستمدين القوة من وجودنا معاً
كانت أياماً صعبة
لكن أبي كان رجلاً قوياً
وساندته أمي طوال الرحلة
كانت الحياة معهما سهلة
فمر الوقت بسرعة خاطفة
وكبرا في السن، وكبرت أنا أيضاً
ثم بدأت ألاحظ أن أمي لم تكن على ما يرام
وكان أبي يعلم بحقيقة الأمر
وكانت هي تشعر في أعماقها بما يحيق بها
وحينما واتتها المنية
انهار أبي وبكى
وكل ما استطاع أن يقوله كان
“يا ربي لماذا هي فقط؟ خذني أنا أيضاً”

كل يوم كان يجلس على كرسيه الهزاز
ولم يصعد أبداً إلى الطابق العلوي
لأنها لم تكن فيه!
وذات يوم قال لي أبي
يا ولدي أنا فخور بما صرت إليه
وطلب مني أن أذهب وأبني حياتي بنفسي
وألا أقلق عليه في وحدته
وقال لي أن هنالك أشياء علي أن انجزها
وأماكن علي أن أراها
وودعني بنظرة حزينة

كلما قبلت أبنائي
أدرك صحة كلمات أبي
عندما قال لي إن أبناءك يعيشون فيك
ويكبرون ويرحلون عنك
ما زلت أذكر كلماته كلمة كلمة
فأقبل أبنائي وأدعو ربي
أن أمثل لهم ما مثله لي أبيفي يوم من الأيام

حد يعرف يقوله ليه؟

Tell Me Why-Declan Galbraith

ما السبب، أخبروني

أرى في حلمي أطفالاً يغنون
أنشودة حب لكل ولد وبنت
سماء زرقاء، وحقول خضراء
والضحك لغة يعرفها العالم أجمع
ثم أصحو على دنيا ملؤها أناس يعيشون في حاجة

أخبروني لماذا، أهذا ما يجب أن تكون عليه الأمور
أخبروني لماذا، أهنالك شيء فاتني
أخبروني لماذا، فأنا عاجز عن الفهم
عندما يحتاج كل هؤلاء لمن يساعدهم
فلم لا نمد أيدينا بالمساعدة؟
ما السبب، أخبروني

كل يوم أسأل نفسي
ماذا يجب أن أفعل لكل أصبح رجلاً
أعلي أن أقف وأحارب
لكي أثبت للجميع من أكون؟
أهذا معنى حياتي
أن أبددها في عالم يعج بالحرب؟

أخبروني لماذا، أهذا ما يجب أن تكون عليه الأمور
أخبروني لماذا، أهنالك شيء فاتني
أخبروني لماذا، فأنا عاجز عن الفهم
عندما يحتاج كل هؤلاء لمن يساعدهم
فلم لا نمد أيدينا بالمساعدة؟
…………………

…………………

أطفال السماء

هل شاهدت فيلماً إيرانياً من قبل؟ لو كنت مثلي، فلربما سمعت كثيراً عن أفلام إيرانية تحصد الجوائز العالمية وتحظى باحترام واعجاب دوائر النقد السينمائي الغربية. منذ زمن وأنا أرغب أن أستكشف فن إيران السينمائي، وأخيراً، منذ حوالي الأسبوعين، قمت بتأجير فيلم إيراني، واخترته بناء على تقييم المشاهدين في موقع التأجير. ولبثت أياماً لا أجد متسعاً من الوقت لمشاهدته، حتى أعطاني طيف من المرض إجازة بيتية ليوم واحد، كان كافياً لمشاهدة هذا الفيلم “السمائي”، كما يوحي اسمه بصدق.

ليس في الفيلم إبهار غير إبهار البراءة وصدق التعبير. فهو بسيط في إنتاجه وفي تصويره، والأبطال محور القصة هما طفل وطفلة. لكن عبقرية المخرج أتت بطفلين يحملان رسالة الفيلم على أكتافهما الصغيرة، وعلى أكمل وجه.

تدور عقدة القصة حول حذاء! وفي ثنايا القصة البسيطة إشارات إنسانية واجتماعية تصل إلى قلبك مباشرة، حتى لقد تدمع منك العين. الطفل الصغير الفقير “علي” ذهب للسوق لشراء بعض الطعام، ولإصلاح حذاء أخته الذي أهلكه الزمن. فالعائلة الفقيرة لا تجد من المال ما يكفي لشراء حذاء جديد، فهم يغالبون الحياة بصعوبة، ويجاهدون دون حاجاتهم الأساسية. فقد “علي” الحذاء، وعاد إلى أخته حسيراً مكسوراً. كيف ستذهب “زهراء” لمدرستها دون حذاء! لم يجرؤ الطفلان على مصارحة أبويهما بالمأزق، خاصة أن “علياً” يدرك بوضوح أن أباه لا يملك المال لشراء حذاء جديد لشقيقته. في غرفة صغيرة هي كل بيت العائلة، تحادث الأخوان بالكتابة على مرأى من أبويهما، وهما يتظاهران بقراءة الكتب المدرسية وكتابة الواجبات. ثم قرر “علي” أن يتبادلا ارتداء حذاءه هو! وهكذا في كل صباح تذهب “زهراء” لمدرستها أولاً، ثم تعود عدواً إلى حيث ينتظرها “علي” قرب البيت مرتدياً الشبشب! فيأخذ هو الحذاء ويعدو إلى مدرسته التي تبدأ ظهراً!

هذا محور القصة. وفي ثناياها أحداث كبيرة، وأخرى صغيرة، لكنها شديدة اللطف. ذات مرة وزهراء تعدو بعد انتهاء مدرستها، للوصول لشقيقها في الوقت المناسب، سقط من قدمها الصغيرة أحد زوجي الحذاء في مجرى مائي ضيق. فيقضى المشاهد دقائق في متابعة مطاردة، طريفة ولطيفة، وزهراء تجري متعقبة الحذاء فتحاول التقاطه كلما همت به، ولكن دون جدوى. حتى اختفى الحذاء تحت بناء أسمنتي، ووراء قدرتها على الوصول إليه. فجلست الصغيرة تبكي! ورآها رجل عجوز طيب، فتعاون مع رجل آخر وجاءاها بحذائها. وعادت زهراء غاضبة، وألقت الحذاء لشقيقها مقررة أنها لن ترتديه بعد اليوم. لكن أني لها أن تفر من الحذاء! فالاختيار ضيق: إما الحذاء، أو عدم الذهاب للمدرسة على الإطلاق، وربما أيضاً “علقة” مؤلمة من أحد الأبوين!

وتمر أحداث الفيلم بسيطة وطبيعية. حين ترى زهراء حذاءها المفقود في قدمي زميلة لها، تتبعتها زهراء حتى عرفت مسكنها. ثم عادت إلى شقيقها وأخبرته، فقررا الذهاب لتطلع الأمر. اختبئا قريباً من البيت، ثم رأيا رجلاً ضريراً يخرج حاملاً بضائع بسيطة للبيع، تصحبه وتقوده ابنته الصغيرة، مرتدية الحذاء المفقود! نظر الشقيقان إلى بعضهما، ففهم المشاهد أنهما تنازلا عن الحذاء!

حينما فاز علي بقلم جديد من أستاذه في المدرسة لتفوقه الدراسي، أهدى القلم لأخته. كان هذا ثاني قلم يعطيها إياه هدية، لشعوره بالذنب أن فقدت حذائها ولكي يعوضها عنه بعض التعويض. ولم تكن زهراء تنظر للقلمين نظرة استنكار أو استقلال، لا بل تلقت كلاً منهما بسعادة وعرفان!

وتتابع الأحداث ببساطة وعمق وإشارات، وكشف للتناقض بين حياة الفقراء الذين يخلق حذاء واحد أزمة في حياتهم، وقوم آخرون في الطرف الآخر للمدينة يعيشون في قصور مسورة، وحدائق غناء!

وقرب النهاية، تعلن مدرسة علي عن سباق للجري. نظر علي في قائمة الجوائز، فوجد أن الفائز بالمركز الثالث يربح حذاء! ذهب إلى أخته مبشراً، سوف يدخل السباق ويفوز بالمركز الثالث، ويعطيها الحذاء الجديد. ولو كان الحذاء الجديد لا يصلح لها، فمن الممكن استبداله بحذاء يليق عليها. ودخل علي السباق. ولم يكن في حاجة إلى تدريبات طويلة، فعدوه اليومي بعد أن يحصل على الحذاء من أخته حتى يستطيع وصول مدرسته دون تأخير كان ولا شك تدريباً طويلاً وكافياً على الجري! هذه هي الحاجة حينما تصنع المهارات والأبطال! ودخل علي السباق وحده، وحوله أطفال آخرون يصورهم أهلم، وبهم يحتفون. ارتدى حذاءه المشترك المتهالك، وجرى أربعة كيلومترات كاملة، هي مسافة السباق. قرب النهاية، كان علي في الزمرة المتقدمة. بدأ يلاحظ ويحاول أن يفسح الطريق لاثنين من المتسابقين لكي يتقدموا عليه، فلا أمل في الحصول على الحذاء لو جاء في المركز الأول أو الثاني! هدفه هو المركز الثالث! وأتاه من خلفه زميل في السباق غلبت عليه نفسه الشريرة، فدفعه دفعة وقع لها على. فقام مسرعاً، وبذل كل جهده كي يلحق بما فاته من جراء الوقعة. لم يركز هذه المرة كثيراً في موقعه بين المتسابقين، فقد خلفته الوقعة كثيراً عن المركز الثالث، لذلك جرى وجرى حتى وصل. ثم سأل مدرسه إن كان قد فاز بالمركز الثالث. فبشره المدرس، ولم التفكير في المركز الثالث يا بطل، لقد فزت بالسباق، بالمركز الأول!

غالب علي الدموع خلال الاحتفال بفوزه. وعاد إلى أخته، وحينما رأته حزيناً، أدركت أنه لم يفز بالحذاء كما وعدها، فأعرضت عنه حزينه وتركته. جلس علي، وخلع حذاءه وقد اهترأ من السباق الطويل، ولم يعد صالحاً للاستخدام البشري! ووضع قدميه المتورمتين في الماء. لك أن تتخيل ما دار في ذهنه ساعتها، وكيف غلب اليأس على نفسه والعجز. ثم رأينا الوالد وهو عائد للبيت، يحمل لولديه حذائين جديدين!

يا رايح

هذه أغنية “يا رايح” الأصلية. وهي في رأيي أغنية عبقرية، بغض النظر عن عدد ما ستفهمه من كلماتها! يا رايح وين مسافر تروح تعيا!

عودة للموسيقى

على سبيل التغيير، أعود لإدارج واحدة من مختاراتي الغنائية، لأني رجل أحب الموسيقى وأراها من طيبات الحياة، ومن نعم الله الذي بث الجمال في حياة الناس. وأغنية اليوم لطيفة اللحن والكلمات والتصوير، ومغنيها واحد من المفضلين عندي في الأغنية الفرسية. ومع أن آلان سوشون Alain Souchon، تتناول الكثير من أغنياته معاني رحبة لا تقتصر على الحب والغزل، إلا أن هذه الأغنية لا تحمل معان عميقة، كما سترى. أو ربما تحمل معان عميقة، تبعاً لما يريد السامع أن يرى فيها! واسم الأغنية، ولا مؤاخذة: (البصبصة) تحت جيبات البنات-الكلمة بين القوسين إضافة توضيحية من عندي!

هدية بوسع الكون

لعلك تعلم أنه لا وجود للكون إلا من خلال وعي الإنسان به. وما لا نعرفه أو نعيه فهو في حكم المنعدم. فالوجود إذاً نسبي. وللكون تجليات مختلفة، بعدد أبناء آدم. فما هو حجم كونك الذي تحيا فيه؟ أواسع شيق، أم ممل ضيق؟

ينكمش كوننا أو يتسع جزاء لما نفعله ولما نفكر فيه. أرأيت كيف يزداد عالمك رحابة حين تقرأ كتاباً جميلاً، أو ترى فيلماً مؤثراً ومثيراً للعقل؟ ويرحب عالمك أيضاً كلما تواصلت مع إنسان يثريك الحديث معه والقرب منه، وحين تخرج نفسك من الحيز الضيق المألوف الذي تحيا فيه، وتنطلق إلى مكان جديد أو تجربة مختلفة. وتزيد أشكال ودروب الفن الجميل من مساحة عالمك الداخلي. والفنون الإنسانية، ومعها مظاهر الجمال في الكون تطل على حواس الإنسان المختلفة فتمر إلى داخل وعيه وإدراكه الوجودي وتبث فيه النعمة والبشرى. فالموسيقى أو التلاوة الجميلة للقران تطرب السمع، والصور البديعة والرسم، أو الطبيعة الجميلة تسر البصر، والعطر وروائح الزهور تتمتع بها حاسة الشم، والجو اللطيف ونسائم الهواء تلامس جلدك فتبث في نفسك نشوة لا تعرف لها كنهاً يصفه الكلام. وكل هذه الحواس هي كالروافد للنهر الذي تجري به حياتك ويسبح فيه وعيك وشعورك، فهي جميعاً، على اختلاف طبيعتها، تصب في وجودك أنت وخبرتك بالعالم. ويختلف الإنسان عن النهر في كونه يتحكم في هذه الروافد إلى حد بعيد، وله أن يصب فيها ماء فاسداً ملوثاً، أو ماء نقياً مثمراُ. وله أيضاً إن شاء ألا يصب شيئاً بالمرة، حتى يجف النهر وتتشقق أرضه جوعاً وعطشاً!

لكنك لا تنجو مما تجهل بتعاميك عنه وغفلتك عن وجوده. ولن يكون لك أن تنهل من خير غاب عنك حضوره. فإن الطوفان الذي يسرع الخطى نحو بيتك لن يتغاضي عنه لأنك لم تعلم أنه في الطريق. ولن يكون لك نصيب في كنز دفن تحت أعتاب بيتك إن لم تسأل عنه تراب الأرض، وتحفر وتستكشف!

فما تعطي لنفسك؟ وما تهدي غيرك إن أردت عطاءً لحبيب أو قريب؟

أعطهم وإياك ما يرحب به عالمهم. أعطهم ما تلذ به عقولهم، وتلين به قلوبهم، وتصح به أجسامهم. أعطهم ما ينفعهم بعد فناء اللحظة وفتور الزمن. فلسوف تتوقف الأرض عن الدوران، وتكف الشمس عن الشروق في كل صباح. استمع لقول ربك وهو يقول لك أن تفعل وتعطي ما ينفع الناس، فيمكث في الأرض. فلسوف يذهب الزبد جفاء. سوف يفنى مال أنفقته في لذة لحظة تخلف ضرراً أو لا تصلح عملاً. وما ينفعك أو ينفع غيرك برشفة سيجار أو التمخطر بآخر موديل من محمول أو مركوب؟! لن يجني منه إنسان غير ماء في لفحة القيظ مسكوب!

شحات الغرام الفرنساوي

أكيد طبعاً عارف أغنية شحات الغرام لمحمد فوزي. دي بقى النسخة الفرنسية، واسمها كذلك شحات الحب. الحب وليس الغرام. فهانا لا يتحدث مطربي المفضل، إنريكو ماسياس، عن الغرام بين رجل وامرأة، وهو الموضوع الأول والمفضل في الأغنية العربية، ولكنه يتحدث عن الحب في تجليه الأوسع والأشمل. والترجمة سريعة وشبه حرفية، يعني لم أبذل جهداً لتنميقها، ولكنها تفي بالمعنى وتقربك من معرفة لماذا ماسياس هو مطربي المفضل.

في صدري قلب عامر بالصداقة
ويملأ الحب كل أفكاري
ولا أهتم إلا بالاحتفال والاستمتاع بوقتي
ويستطيع المرء أن يستحوذ على كل كياني
هذه طبيعتي
فلا تحاولون الفهم، فقط استمعوا لي
فالكل في المدينة يطلق على اسم
شحاذ الحب
فأنا أغني لكل من أحب
ولن أتغير
فليس هناك ما يبعث على الخجل أن يكون المرء شحاذاً للحب
وسوف تجدونني واقفاً أغني تحت شرفاتكم
كل يوم

أعطوني، أعطوني
أعطوني وسوف يجزيكم الله على عطائكم

أعطوني حناناً
وابتعدوا عن المال
وفروا أموالكم جميعاً
فالحب اليوم ليس للبيع
والشمس هي الملكة
اجلسوا إلى مائدتي واستعموا إلي

نحن جميعاً على هذه الأرض
شحاذون للحب
وسوف نظل كذلك
سواء كنا فقراء أو مليارديرات
هؤلاء الأشخاص العظماء
شحاذون للحب
وأنا في حاجة للحب والحنان كل يوم

دعوني الآن أخبركم ماهية الكرم
هو مشاركة الغير في دموعهم وفي فرحهم
ولا أرغب في معرفة لمن ولماذا
وليس عندي حسابات

أعطوني، أعطوني
أعطوني وسوف يجزيكم الله على عطائكم

موسيقى الشمس

هاكم أغنية لمطربي المفضل إنريكو ماسياس. مش مهم تعرف كلمات الأغنية، فمن مميزات ماسياس أنك من الممكن أن تحبه وتستمتع بأغانيه دون أن تفهم كلمة. هذه أغنية قديمة، فيها ما في كثير من أغانيه من بهجة سمعية، توازي بهجة الشمس للنظر!


Enrico Macias by dividu

على طريقتي

هاكم أغنية شديدة التميز لفريق أمريكي اسمه سباركز “Sparks”.
اسم الأغنية: “متى أغني على طريقتي” When do I get to sing it my way.
إننا نعيش في جهاد مع أنفسنا ومع الدنيا، وكلما شعرنا أننا لا نعيش على طريقتنا، كلما ازداد الهم وغلب اليأس. والعمل يبعثه الأمل في حياة تتوافق مع نداء فطرتنا وعقيدتنا في معنى الحياة والعمل. ولو عشنا لقاء لقمة يوم، وساعة نوم، وتقليد (أو تقاليد) قوم، وتجنب لوم، كنا كالأنعام أو أضل سبيلا!!

اتقدم.. مثل هؤلاء

منذ أيام قليلة أدرجت أغنية “اتقدم” من فيلم “النمر الأسود” في مدونتي هذه. وهذا الفيلم يستدعي بعض الحديث. أولاً يستحق أحمد زكي الثناء أنه أعطى فن السيرة الذاتية في السينما جهداً وإنتاجاً لم يقتصر على فيلم واحد. يعني الراجل عمل اللي عليه في حدود قدرة ممثل فرد. بل وقدم أحمد زكي أيضاً للتلفزيون سيرة طه حسين. غير أنني أركز في حديثي هذا على السينما. فالفيلم السينمائي في أقل من ساعتين يعطيك رسالة متكاملة، ومعها ما يصحبها من إثارة لفكرك ومشاعرك.

كما نعلم جميعاً، أنهى أحمد زكي حياته بعدة أفلام قدمت سير ذاتية لجمال عبد الناصر وأنور السادات، وأخيراً عبد الحليم حافظ. وهذا كله حسن. لكني أرى في فيلم “النمر الأسود” نموذجاً لما أريد أن أشير إليه وأحث عليه. فالرؤساء والفنانون مشهورون تلقائياً، وسوف نعلم عنهم وعن قصتهم، شئنا أم أبينا. أما فيلم “النمر الأسود”، فهو يقدم قصة رجل مغمور في وطنه، حقق نجاحاً إنسانياً. وماذا يهدف الإنسان في حياته إلا صنع نجاح وخلق إنجاز شخصي، يتعاظم قدره كلما اتسعت آثاره وكثرت ثماره في الدنيا وبين الناس. والقصص الواقعي من أهم أسباب التعلم وتنمية الإدراك. والخالق الأعظم ذاته جعل كتبه السماوية كتباً للسيرة لأنبياء ورسل، وطغاة وجهلة، وآخرين نجهل حتى أسماءهم. كل ذلك قصص واقعي لمن سبق، عبرة لمن لحق.

وهذا الفن شائع جداً في السينما الأمريكية، أنجح وأقوى منتج للأفلام في زمننا هذا دون منازع ودون شك. خذ مثلاً فيلم “البحث عن السعادة” The Pursuit of Happyness، للممثل الشهير ويل سميث. فهو يقدم قصة نجاح حقيقية قدمها من عاشها في كتاب، تحولت من بعده إلى فيلم. والفيلم كما تعلم أوسع تأثيراً وانتشاراً. هاهنا رجل وتجربة نشرها الفيلم على أهل بلده بل وأهل العالم بأسره. وهذا هو ما أحب أن أرى في السينما المصرية والعربية في هذه المرحلة من الزمن.

هل تذكر مثلاً فيلم “عمر المختار” للعبقري مصطفى العقاد؟ هل كنا لنعلم شيئاً عن هذا المجاهد في صحراء ليبيا لو لم يكن هذا الفيلم قد أنتج على يد رجل يتقن فنه؟ كم من مجاهيل غيره يستحقون أن يصبحوا مشاهير، لا هم ساسة ولا هم مطربين!

أدعوكم لاقتراح أسماء وشخصيات تستحق أن نشاهد قصتها في فيلم، سواء في ذلك إن كانوا أحياء أو كان جسدهم قد توارى بين التراب.

أنا شخصياً يحضر في ذهني على الفور التالية أسماؤهم:
- طارق حجي: إداري ومفكر مصري حقق نجاحاً غير مسبوق في بلده وفي حياته، على المستوى المهني والفكري أيضاً.
- طلعت حرب: رجل بنى امبراطورية اقتصادية في مصر، وتنوعت ثمار عمله ما بين البنوك والسينما والغزل والنسيج. هو أسطورة لا تقل عن أي من أساطير المال والأعمال في الغرب.
- أحمد زويل: غني عن التعريف الآن، ففوزه بنوبل حديث العهد حاضر في الذاكرة.

وأنا على يقين أن القائمة تتسع لعشرات غير هؤلاء.