قصة نجاح فاشلة

توقفنا في سيرتي الذاتية مع مرحلة التعليم العالي المصرية عند رفض المعهد العالي للغات أن ألتحق بقسم اللغة الفرنسية كما رغبت، واختياري الالتحاق بقسم اللغة الألمانية كبديل. وبالمناسبة لقد اخترت الألمانية لأني أردت تعلم لغة جديدة، ولم أود الالتحاق بقسم اللغة الانجليزية لأني ظننت أنني أعرف من الانجليزية ما يتيح لي مواصلة تعليم نفسي بنفسي إن شئت (والأهم طبعا إن شاء الله وإن أفسح لي كسلي المتأصل طريق الجهد والاجتهاد!).

التحقت فعلا بقسم اللغة الألمانية وبدأنا في دراستها من قواعدها وبداياتها المطلقة! ويبدو أنه في غضون أسبوع أو أسبوعين ظن الجميع أنني “أشطر واحد في الفصل”! وبدأت أكرر سيرتي مع نطق اللغة الفرنسية. لا أذكر من أسماء أساتذة الألمانية الذين علموني في هذه الفترة الوجيزة (سوف تعلم عما قليل لم أصفها بالوجيزة) غير اسم د. طارق عبد الباري، وهو أستاذ في كلية الألسن. أذكر أنه ذات محاضرة بدأ في التركيز على تعليمنا النطق الألماني السليم، فقال لي قرب نهاية المحاضرة: “لديك استعداد ممتاز في النطق”. وأذكر استاذاً آخر طلب منا محاولة حفظ مقطع حواري بسيط، وحين أتينا في المحاضرة التالية كنت واحداً ممن خرجوا لتمثيل الحوار، وحين انتهيت قال لي الأستاذ أنني أقترب من كوني ألماني بنسبة تسعين في المائة. قلت في نفسي ليس هذا سيئاً، بعد أسبوعين من الدراسة أقترب من النطق الألماني الأصلي بنسبة تسعين في المائة!

غير أن علاقتي باللغة الألمانية لم يقدر لها أن تطول! فقد اخترت اللغة الفرنسية كلغتي الثانية، وكان من حسن حظي أن تولى دفعتي الأستاذ العزيز د. ياسر شداد، وهو من أساتذة اللغة الفرنسية. كنت قد صرفت النظر عن الالتحاق بقسم اللغة الفرنسية، حتى حدث في أول محاضرة لنا مع د. ياسر أن طلب منا أن نعرف أنفسنا، بالعربية أو بالفرنسية لمن يستطيع. بعد أن تكلمت معرفاً نفسي بالفرنسية، مدح د. ياسر إجادتي للغة، وأضاف أن نطقي أفضل من زملائي خريجي المدارس الفرنسية. أثار ذلك في نفسي من جديد رغبتي في الالتحاق بالقسم الذي لم يرغب في وجودي بين جنباته! ذهبت لدكتور ياسر وأخبرته عن رغبتي، وكان أول رده أن رئيسة القسم وضعت شرطاً صارماً بعدم قبول أي طالب لم يدرس في مدارس فرنسية، حتى لا يعطل بقية الطلبة ولكي يستطيع الجميع متابعة المنهج دون صعوبات شديدة. لكنه اقترح علي أن أحاول مقابلتها والحديث معها.

أتوقف هنا لأقول أنه بعدما تم رفضي في قسم اللغة الفرنسية بداية، تصورت أن مستوى الطلبة الذين يلتحقون به لابد وأنه مرتفع للغاية. كنت قد تعرفت على بعض خريجي المدارس الفرنسية معي في قسم الألماني ووجدت أن مستواهم في اللغة متوسط، ووجدتهم أيضاً يعرضون عن الخوض في حديث طويل بالفرنسية. لكن فكرتي عن قسم اللغة الفرنسية أنهم ولابد مختلفون، لأنني أثناء التقديم وضحت مستواي حينها في اللغة ولم يتم قبولي مع ذلك.

ومن هنا بالتحديد عادت إلي رغبتي في الالتحاق بهذا القسم. كان الدافع الجديد هو رغبتي في وضع نفسي في مناخ شديد التقدم يجبرني على بذل الجهد في الدراسة. كنت أتصور أنني لو التحقت بهذا القسم فسوف أجدني بين زملاء يجيدون اللغة كأهلها، وأنني سوف أجد صعوبة في مجرد مسايرتهم. وطنت نفسي أن التحدي أفضل من مناخ سهل، حتى لو اقتضى الأمر أن أرسب في عامي الأول حتى أستطيع الارتفاع بمستوياي إلى مستوى الدراسة في هذا القسم! كانت هذه الفكرة هي ما أوقد حماسي من جديد، فقد كنت طالباً كسولاً لزمن طويل. وفي دراستي في المراحل السابقة كنت قليل الجهد، قلما أعطي وقتاً للتحصيل. وقلما هنا تعني قلما فعلاً، يعني نادراً. ومع ذلك كان يدهشني أن الأساتذة والزملاء كانوا يعدونني من بين الطلبة المتميزين! بل أحياناً ما كان يضيرني ذلك! لم أكن أشعر أنني أستحقه، وأنا لا أبذل من الجهد ما يجعلني جديراً به. في قسم اللغة الألمانية شعرت أنني سوف أكرر سيرتي الماضية، فالدراسة تبدو يسيرة وفي غضون أسابيع قليلة أصبحت في المقدمة دون جهد.

مع وجود هذا الدافع الجديد، واصلت المحاولة. لم أستطع لقاء رئيسة القسم، فكنت ألتقي ببعض الأساتذة فيه وأحدثهم بأمري، ويتحدثون معي قليلاً تكشفاً لمستوى إجادتي للغة، فيستحسنون ما يسمعون، فأخبرهم أنني لا أستطيع مقابلة رئيسة القسم وأطلب منهم مساعدتي.

ثم ذهبت للعميد. قال لي لو أن أحد أساتذة القسم اختبرني وأقر أنني قادر على الالتحاق، فسوف يكون لي ذلك. ذهبت للتو باحثاً عن أحد فصول اللغة الفرنسية. فوجدت في أحدها د. ياسر شداد مرة أخرى، فطلبت الحديث إليه وأخبرته عما قاله لي عميد المعهد. فوافق على ترشيحي للالتحاق بالقسم، وبالفعل انتظرته حتى أنهى محاضرته، ثم ذهبت معه للعميد، وتم تحويلي لقسم اللغة الفرنسية!

كنت أعلم أن د. ياسر كان يساوره بعض القلق من هذه المسؤلية. فلو اتضح بعد ذلك أنني غير مؤهل لمتابعة الدراسة، فلسوف يكون هو المخطيء. غير أنه أقدم رغم ذلك على هذه المخاطرة! ومن فضل الله أنه لم يندم على ذلك من بعد! وما زلت حافضاً لجميله، وإن لم يتح لي القدر أن يصاحبنا كثيراً، إذ سافر للعمل في مقر الأمم المتحدة في نيويورك بعد العام الأول. ومن طرائف القدر أنني حينما أتيت للولايات المتحدة، كان هو قد انتقل إلى جنيف، وكنت أحب أن ألقاه في الولايات المتحدة. وما زلت على اتصال به على أحيان متباعدة، اتصالاً أرجو، على قلته، ألا ينقطع.

هذا جانب من جوانب النجاح في القصة. ومازلت هنالك جوانب أخرى للنجاح. لكنني أسميت التدوينة “قصة نجاح فاشلة” لأسباب سوف تعلمها حين أكمل القصة، إن شاء الله.

اتقدم.. مثل هؤلاء

منذ أيام قليلة أدرجت أغنية “اتقدم” من فيلم “النمر الأسود” في مدونتي هذه. وهذا الفيلم يستدعي بعض الحديث. أولاً يستحق أحمد زكي الثناء أنه أعطى فن السيرة الذاتية في السينما جهداً وإنتاجاً لم يقتصر على فيلم واحد. يعني الراجل عمل اللي عليه في حدود قدرة ممثل فرد. بل وقدم أحمد زكي أيضاً للتلفزيون سيرة طه حسين. غير أنني أركز في حديثي هذا على السينما. فالفيلم السينمائي في أقل من ساعتين يعطيك رسالة متكاملة، ومعها ما يصحبها من إثارة لفكرك ومشاعرك.

كما نعلم جميعاً، أنهى أحمد زكي حياته بعدة أفلام قدمت سير ذاتية لجمال عبد الناصر وأنور السادات، وأخيراً عبد الحليم حافظ. وهذا كله حسن. لكني أرى في فيلم “النمر الأسود” نموذجاً لما أريد أن أشير إليه وأحث عليه. فالرؤساء والفنانون مشهورون تلقائياً، وسوف نعلم عنهم وعن قصتهم، شئنا أم أبينا. أما فيلم “النمر الأسود”، فهو يقدم قصة رجل مغمور في وطنه، حقق نجاحاً إنسانياً. وماذا يهدف الإنسان في حياته إلا صنع نجاح وخلق إنجاز شخصي، يتعاظم قدره كلما اتسعت آثاره وكثرت ثماره في الدنيا وبين الناس. والقصص الواقعي من أهم أسباب التعلم وتنمية الإدراك. والخالق الأعظم ذاته جعل كتبه السماوية كتباً للسيرة لأنبياء ورسل، وطغاة وجهلة، وآخرين نجهل حتى أسماءهم. كل ذلك قصص واقعي لمن سبق، عبرة لمن لحق.

وهذا الفن شائع جداً في السينما الأمريكية، أنجح وأقوى منتج للأفلام في زمننا هذا دون منازع ودون شك. خذ مثلاً فيلم “البحث عن السعادة” The Pursuit of Happyness، للممثل الشهير ويل سميث. فهو يقدم قصة نجاح حقيقية قدمها من عاشها في كتاب، تحولت من بعده إلى فيلم. والفيلم كما تعلم أوسع تأثيراً وانتشاراً. هاهنا رجل وتجربة نشرها الفيلم على أهل بلده بل وأهل العالم بأسره. وهذا هو ما أحب أن أرى في السينما المصرية والعربية في هذه المرحلة من الزمن.

هل تذكر مثلاً فيلم “عمر المختار” للعبقري مصطفى العقاد؟ هل كنا لنعلم شيئاً عن هذا المجاهد في صحراء ليبيا لو لم يكن هذا الفيلم قد أنتج على يد رجل يتقن فنه؟ كم من مجاهيل غيره يستحقون أن يصبحوا مشاهير، لا هم ساسة ولا هم مطربين!

أدعوكم لاقتراح أسماء وشخصيات تستحق أن نشاهد قصتها في فيلم، سواء في ذلك إن كانوا أحياء أو كان جسدهم قد توارى بين التراب.

أنا شخصياً يحضر في ذهني على الفور التالية أسماؤهم:
- طارق حجي: إداري ومفكر مصري حقق نجاحاً غير مسبوق في بلده وفي حياته، على المستوى المهني والفكري أيضاً.
- طلعت حرب: رجل بنى امبراطورية اقتصادية في مصر، وتنوعت ثمار عمله ما بين البنوك والسينما والغزل والنسيج. هو أسطورة لا تقل عن أي من أساطير المال والأعمال في الغرب.
- أحمد زويل: غني عن التعريف الآن، ففوزه بنوبل حديث العهد حاضر في الذاكرة.

وأنا على يقين أن القائمة تتسع لعشرات غير هؤلاء.

كتاب الأحلام

ما أكثر شيوع كتب “تفسير” الأحلام في بيوتنا. غير أن كلمة تفسير لم تسقط من العنوان أعلاه. فكتاب الأحلام الذي أعنيه لا يفسر أحلاماً تأتينا من عالم الغيب، برسالة يحاول عقلنا المحدود فك رموزها، أو بأحاديث نفس مرتبكة متفككة. كتاب الأحلام الذي أعنيه ندون فيه الأحلام بالعقل والخيال، بالصور والكلمات، ونضع في كل ذلك رغبة الإنسان المشروعة في نعم الله التي بثها لنا في الأرض.

سأسرد عليك حكاية. رجل أعمال وكاتب أمريكي انتقل حديثاً إلى بيت، أو قل قصر، جديد. وجمع في صناديق كبيرة أشياء كثيرة من حياته الماضية. وترك الأشياء في الصناديق في غرفة مكتبه زمناً. ذات يوم دخل عليه ابنه الصغير، وأخذ يعبث في أحد هذه الصناديق. ثم أخرج أوراقاً لزقت عليها صور لأشياء مختلفة، وسأل أبيه عن ماهية هذه الصور. ذهب إليه الرجل ونظر. ثم بكى. وحينما سأله ولده عن سبب بكائه، قال له الأب معنى الصور ومبعث الدموع. فالصور هي ما كان الأب يجمعه من صور لأي شيء جميل يراه ويود الحصول عليه، فيقص الصورة ويلصقها في صحيفة الأحلام. وهي حيلة إنسانية لمحاولة الإبقاء على روح التفاؤل والرغبة في العمل في نفس المرء. أما مفاجأة الأب فهي أنه رأى صورة بيته الذي اشتراه حديثاً يطل عليه من بين الصور القديمة. لم يجد صورة لبيت، أو قصر، يشبهه، ولكنه كان هو هو. لقد اشتراه بعد أن أصبح قادراً على الحصول عليه، وكان غافل الذاكرة عن الصورة القديمة التي وضعها في صحيفة الأحلام!

ومهما كان ما حدث مع هذا الرجل شيئاً غريباً واستثنائياً، فالرسالة والدلالة ثابتة وصادقة. فتركيز العقل والعاطفة على هدف أو حلم يبثان رسالة الإنسان وعزمه في أرجاء الكون كله. وإن رغبة حارة في نفس إنسان لعامرة بطاقة تهتز لها الأرض وتصغي لها السماء. ألم يقل رسول الإسلام (ص) أن ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، إشارة نبوية لحقيقة حياتية، تلبي طلب من يدركها ويعمل بها، بأشكالها المختلفة: ما بين دعاء الموقن وأمل المتفائل الباعث على العمل.

وطلب الدنيا ليس دناءة كما قد يوحي إلينا كلام ورثناه من أزمان، لعلها أزمان الفشل والكسل. فالله عز وجل خالق عظيم وكريم يحب العطاء، وهو يحب من يؤمن على قوة أكثر من حبه للمؤمن الضعيف، وإن كان في كل خير.

وكتاب الأحلام الذي أقترحه عليكم هو مثل ما فعل هذا الكاتب ورجل الأعمال الأمريكي. اكتب كتاب أحلامك بيديك. ضع فيه صورة جميلة، واكتب أملاً براقاً يشرح النفس. والجمال مثل النور أينما وجد في مكان، أو في إنسان، فإنه يتعداه إلى ما حوله. وكتاب أحلامك سوف يبث الجمال والنور من حياتك أنت إلى الدنيا وما فيها.

وفي النهاية، فالصورة أعلاه يا أعزائي هي من شرفة منزلي الذي يطل على بحيرة وجبال، يحدثان القلب بجمال خارق، من إبداع أحسن خالق. أهلاً بكم في أي وقت على كوب من الشاي وحديث لا هو اللغو ولا هو النميمة، ولكن مثل حديث أهل الجنة. نقل خيرا، أو نصمت ونستزيد من التأمل والنظر في نعمة الجمال.

طبعاً خمنتم أن الصورة من كتاب الأحلام!

عمرو خالد: عن التحول والثبات

تعلم وتسمع وتقرأ ولا شك عن ظاهرة عمرو خالد، والظاهرة هي انتشاره والتفاف عشرات الآلاف حول برامجه وأحاديثه، والظاهرة أيضاً أن الناس، كالعادة في أمثال هذه الحالات، حوله تنقسم، ما بين مؤيد شديد ومعارض عنيد. وقد كونت رأياً شخصياً عن الرجل، ورأيي فيه تطور وتغير من حال إلى حال، تبعاً لتغير رؤيتي وعناصرها ومرجعها، والتدوينة وإن كانت عن “عمرو” إلا أنها عن شيء آخر يشكل جزءاً من طبيعة البشر عبر الزمان والمكان، وذلك هو تطور رأي الإنسان وثباته أو تغيره عن موضوع معين، سواء كان الموضوع ديناً أو اعتقاداً أو شخصاً. أما الثبات فهو فضيلة ورذيلة، وكذلك التحول. فالثبات على الحق وعلى القيم العليا فضيلة، ولكن فضيلة الثبات ذاتها، لكي تتم، لا تكون إلا بالقدرة على التحول من رأي إلى رأي. فالتحول فضيلة طالما أنه يدور حول قبلة واحدة، قد تختلف الوجهة، لكن القبلة واحدة. أما الثبات فرذيلة إن جمد على رأي أو حال، لا يغيره إخلاصاً لحال بعينه أو رأي بعينه، حتى وإن ظهرت معطيات جديدة في غير صالح الرأي أو الحال. والتحول كذلك رذيلة لو لم تكن له قبلة ثابته يتحرك على هديها، فتكون الحركة لوجه الحركة أو لوجه الملل، لا لوجه الحق، أينما كان.

أما عمرو خالد، فقد ظللت فترة غير قصيرة أعرض عنه. لم أتهمه بسوء، ولكنني كنت أقول أنه أحد الرجال الطيبين، ولكنه لا يتكلم في صميم، مثل كثير من المتكلمين في الدين في زمننا هذا. كنت أسمع عن تأثيره في الناس، فلا يصلني إلا أن النساء ترتدي الحجاب تأثراً به، فلا أرى في ذلك غير سنة جل المتكلمين في الدين من اهتمام بأمور هينة وإهمال أمور عظيمة وجوهرية، وكنت أسمع بعض كلامه فأشعر أنه كلام عاطفي لا يرجو للعقل كثيراً من الوقار.

ثم تحول رأيي تماما في الرجل، وكانت البداية حين تابعت حلقات من سلسلة صناع الحياة، ثم تأكد إعجابي وتقديري له حين تابعت برنامج “على خطى الحبيب” في سيرة نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم. فقد رأيت أنه لا يسرد القصص سرداً سطحياً عاطفياً، ولكنه في واقع الأمر يلفت إنتباه المستمعين إلى أشياء مهمة، ويحاول أن ينظر وراء الأحداث لاستخلاص معان مهمة وجوهرية. وهو في ذلك يتكلم بصوت عقل ذكي وفطرة سليمة.

وتحول رأيي بعد أن تابعت الرجل وظهر لي منه ما يستحق التقدير والإعجاب. لا أقول أنني أتفق مع كل ما يقول، ولكن جل ما أسمع منه الآن يعبر عن ذات ما حول رأيي عنه، العقل السليم والفطرة السليمة. وشيء آخر، القدرة على العمل والإنجاز وتحقيق النجاح، وهو يطور ذاته ويداوم البحث عن أفكار جديدة ومشاريع تعمل للخير وتسعى نحو الإصلاح، وهو لا يجعل من الدين كياناً مبهماً كئيباً منعزلاً، ولكنه يحاول إزالة الفاصل المفتعل بينه وبين الدنيا وحياة الإنسان على الأرض، ويحاول إعادة تقديم الصورة الجميلة والمشرقة لرسالة القران.

هذا عن عمرو خالد، أما عن المعجبين به، فقد يختلف الأمر. لن أخفي أنني تصفحت المنتدى التابع لموقعه، ولقد حاولت القراءة فيه، ثم ما لبثت أن أصابني الضيق الشديد مما رأيت من سطحية في كثير من التعليقات. وأنا أستمتع وأتعلم من أحاديثه، غير أنني لم أصبر كثيراً على أسلوب شبابنا في تعبيرهم عن الإعجاب. ولا أرى أن العيب فيه، ولكنه في الناس. والرجل مشكوراً يبذل جهده، وكفاه أنه يبلغ الرسالة بسلامة وعقلانية.

حياة تبدأ

سيدة وأم لطفلة عمرها ثلاثة أسابيع، ذات يوم جميل ومشرق رأت رضيعتها وقد استيقظت من نوم طفولي هانيء تحت طبقات من فوقها طبقات، هي سنين عمرها التي تفصلها بعد عن نضج حواس الإنسان، ووعيه بشقاء الدنيا وهنائها. أردات الأم انتهاز الفرصة لكي تخرج بالرضيعة إلى أول لقاء لها بشمس الأرض وهوائها. جرت هنا وهناك تجمع حاجات الرحلة وحاجات الرضيعة من أركان مسكنها. استغرق البحث والإعداد ساعتين من الزمن، وحين تم لها الإعداد والاستعداد كانت الرضيعة قد غابت من جديد في سر من النوم بعيد.

تفكرت الأم الذكية وأدركت أن نقص النظام في مسكنها قد ضيع عليها فرصة سنحت زمنا ثم توارت. وبدأت ثم رحلتها مع النظام والتنظيم، فإن كانت قد ضيعت فرصة الخروج في ساعة من الزمن، فلم تضيع بعدها فرصة إدراك المعاني وتدارك الأخطاء والسعي نحو الأفضل والأكمل لحياة الإنسان على الأرض.

بعد ثلاث سنوات من هذه البداية، أنشأت السيدة الذكية شركة للتنظيم، تساعد الأفراد والشركات على تنظيم مفردات حياتهم. ثم عرض عليها ناشر ذكي أن تفصل خبرتها في كتاب، فأقدمت على التنفيذ، ولم تفوتها الفرصة تلكم المرة بعد أن تعلمت من حادثة عابرة درسا حياتيا دائما. فحين نعيش في النظام نسيطر على ما نملك ونسخره لنا، والعكس صحيح!

حقق كتابها الأول أعلى المبيعات، ثم أتبعته بكتاب ثان يكمله، عن تنظيم الوقت. المرحلة الأولى تنظيم أشياءنا وتفاصيل حياتنا المادية، تنبني عليها المرحلة الثانية، وهي تنظيم نشاطنا ووقتنا. والكتاب الثاني هو الذي وقع تحت يدي بالأمس فقرأت مقدمته التي حكت فيها الكاتبة عن بداية شركتها ونجاحها في ذلك المجال الجديد وغير الشائع والتي سردتها عليكم في بداية هذه التدوينة.

الكاتبة الأمريكية ومؤسسة الشركة اسمها جولي مورجنسترن، أسردها كإطلالة على قصة نجاح تتعدد جوانبها، من استيعاب الإنسان للمعنى الكامن خلف الخبرات العابرة والمتكررة، للنجاح المالي والمهني حيث أنشأت شركة تسد حاجات الناس فتحقق الربح وتحقق نفعاً حقيقياً.

الكتاب الذي أتكلم عنه هو:

Time Management from the Inside Out, Julie Morgenstern

ما خلف الوجه

رأيت على سي ان ان تحقيقاً قصيراً عن رجل اسمه ديفيد ولد بعيب خلقي واضح في وجهه، ورم حميد جعل جانباً من وجهه يتورم ويغير من خريطة الوجه بأكملها حتى تحول إلى شكل غريب منفر للناظرين. في التحقيق رأينا كيف أن ديفيد يستخدم عاهته في خلق المال والشهرة، يعني كيف يجعل منها عمله، ويقدم لنا في ذات الوقت نموذجاً عبقرياً على كلمة نرددها كثيرا، ألا وهي الرضا. والرضا عندنا غالباً ما يشير إلى حالة سلبية من قبول الواقع. أما رضا ديفيد ببلائه في وجهه، الذي هو من أعز ما يملكه الإنسان في حياته الدنيا، ليس خاضعاً للواقع ولا كارهاً له ولا حتى ساعياً لتغييره، لأنه يدرك تماما أن واقعه السيء لا سبيل لتغييره. فهو يقدم عروضا كوميدية للأطفال والكبار يستخدم فيها غرابة شكله لتوصيل رسالة عميقة للناس في إطار فكاهي. يعني هو لا يبتذل عاهته بل يقدم من خلالها معنى جميلاً من خلال نموذج ملموس وصارخ. والمعنى ببساطة هو أن الانسان في حقيقته ليس هو ما تراه في ظاهره. في التحقيق ظهر ديفيد وهو يقدم أحد عروضه لأطفال مدرسة ابتدائية. في البداية، يقول ديفيد، يشعر المتفرج بالرهبة والدهشة أمام مظهر وجهه، غير أن هذه الرهبة تزول بعد بضع دقائق من بداية العرض، وتستطيع رؤية ذلك في وجوه الاطفال التي تحولت من النظر بشيء من الرعب والانزعاج للوجه الشائه إلى ضحك وحب للانسان الذي يرتدي هذا الوجه.

ما قاله ديفيد يعبر عن نفس صادقة خيرة وجميلة. فهو يقول أنه لا ينزعج من نظرات المارة، وهو يعرف تنوع ردود فعل الناس في الشارع الذين لا يعرفونه، فمنهم من يعلق عينيه بالوجه الغريب، ومنهم من يدير وجهه بعيداً انزعاجا أو خشية إحراجه. وهو يعلم كل ذلك ويتفهمه ويقول أنه سلوك إنساني طبيعي.وهو من شأنه أن يفعل نفس الشيء إذا رأى شيئاً غريبا عليه. هذا الرجل يوصل للناس من خلال عروضه ألا يتوقفوا في رؤيتهم للآخرين عند وجوههم أو ما ظهر منهم. فقد تستغرب شكل إنسان أو تعتقد أنه منفر ثم تحب هذا الانسان ذاته إذا ما اقتربت منه وعرفته. والعكس أيضا صحيح وشائع، فما أكثر من يتسترون بمظهر براق جميل على قبح داخلي لن يخفى على من يقترب بدرجة كافية تتيح له رؤية الانسان، شخصه وفكره وأخلاقه.

ذكرني الموضوع أيضاً بما قرأته لخبير التطوير الذاتي الأمريكي جاك كانفيلد، فهو يقول أن من الناس من يعترض على تحقيق المال مما يحب، بدلا من تبديد حياته عاملا للمال لوجه المال في مجال لا يحبه، بأن هواياته وما يحبه من أنشطة لا يمكن أن يجني من ورائه مالا بأي شكل. ويقدم أمثلة لطيفة، مثلا لاري كنج المذيع الأمريكي الأشهر يحقق ثروة من الكلام مع الناس، نفس الشيء مع أوبرا وينفري المليارديرة الأمريكية التي بدأت فقيرة من مجتمع فقير وفرص محدودة كأمريكية سوداء، ولكنها تحقق الملايين الآن مم؟ أيضا من مقابلة أشخاص جدد و”الرغي” معهم! وذكر المؤلف أيضاً مثل المرشد السياحي الذي يجني ماله من ممارسة هواية السفر ورؤية معالم المدن. قلت لنفسي ها هو شخص آخر يجني عيشه من آخر ما يمكن تصوره، من عاهة في وجهه.