الحضارات بعضها من بعض

لا شيء في هذه الحياة يولد من لا شيء. من ذلك المهارات والعلوم والتقدم الفردي والجماعي بأوجهه المتعددة. لم يولد أي منا مكتمل المعرفة والخبرة والتمكن. لابد لنا أن نأخذ ممن سبقنا ونتدرب على يد من تدرب من قبلنا.

لا يوجد طبيب لم يتعلم من طبيب سبقه. ولا مزارع لم يرث فنون الزراعة ممن خبروها من قبله. قد يخطر لك أنه لابد لكل شيء بداية، ولكل فن وعلم وصنعة إنسان أول بدأها ابتداءً واخترعها اختراعاً. هذا صحيح – بعض الصحة. إن المهارات في شكلها البدائي الأول هي أبعد ما تكون عن عصرنا الحالي. وحتى الاختراعات التي تبدو حديثة ما كان لها أن تكون لو لم تمر عبر سلسلة طويلة من الخبراء والمجربين والباحثين حتى تصل إلى شكلها الذي تعرفه اليوم. الحياة الإنسانية لا يمكن أن تكون دون تسليم وتسلم. ولو انقطعت السلسلة في أي من مراحلها عدنا إلى نقطة البداية وخسرنا الكثير من الوقت والجهد والتجارب.

إن الحضارة العربية الإسلامية لم تولد من العدم، بل إن المسلمين في حضارتهم الأولى تعلموا ونقلوا من كل ما وقع تحت أيديهم من منجزات الحضارات السابقة شرقاً وغرباً. ثم استمرت سلسلة الحضارة والعلم والتجربة من حضارتنا إلى الحضارة الغربية، التي استلمت بدورها شعلة الحضارة ممن سبقها ثم مضت في طريقها تضيف إليها حتى وصل العالم إلى ما وصل إليه اليوم. وليس سراً أن العرب والمسلمين لم يضيفوا شيئاً إلى سلسلة التقدم والإنجاز منذ قرون طويلة، وكل الإضافات الشخصية التي أضافها عربي أو مسلم حدثت في إطار غربي، فأحمد زويل عالم مصري نعم، لكن كل إنجازه العلمي يحسب للحضارة الغربية لأنه لم يحدث إلا في رحابها وبفضل مؤسساتها وأنظمتها.

ثم يأتي يومنا هذا ونحن في وسط صحوة عربية أدركت أخيراً أنه لا تقدم دون حرية سياسية، وأن العائق الأول والأهم أمام تقدمنا في مدارج العلم والصحة والقوة هو الاستبداد الداخلي. ما زلنا في مرحلة الهدم، لكننا على مشارف ما سيعقب هذا الهدم الضروري من بناء. والمشهد السياسي في مصر اليوم فيه جدل كثير حول الوجهة الأصلح لمستقبل وطننا الذي نؤمن بعبقريته وقدرته أن يعلو إلى مصاف الدول الأولى والعظمى، ويترك وراء ظهره صفات وأحوال “العالم الثالث” الذي سقطنا في أوحاله عقوداً طويلة كئيبة!

وإذا استلهما فكرة توالد الحضارات بعضها من بعض، أدركنا بوضوح أننا إن أردنا إعادة ما نترحم عليه من سالف حضارتنا فعلينا أن نفعل كما فعل أجدادنا من قبل: علينا أن نتسلم ونتعلم من كل من سبقنا من حضارات، في الشرق والغرب! إن البعض في مصر اليوم يجد أن حياة بعض السياسيين في بلاد الغرب سنوات طويلة تجعلهم أقل قدرة على العمل من أجل مصر. غير أن الواقع هو عكس ذلك تماماً! إن تقدم مصر المجهض في عهد محمد علي ما كان له أن يكون دون بعثات التعلم من الغرب. كلنا يعرف رفاعة الطهطاوي وغيره ممن أيقظوا حياتنا الفكرية وأعادوا إليها الروح بعد أن خرجوا في رحاب العالم ورأوا أن بشراً آخرين سبقونا في صلاح حال البلاد والعباد. نحن نحتاج وبشدة إلى خبرة كل مصري عاش في مواقع التقدم وعرفها عن قرب، لأن من رأى ليس كمن سمع. والمرء الذي رأى أفضل ما وصل إليه العصر لن يعود إلى وطنه ويرضى لأهله دون ذلك. إنك حين تتعود الحياة في الغرب سوف تعود إلى وطنك مدركاً تمام الإدراك أن الحال يمكن أن يكون أفضل كثيراً كثيراً مما هو عليه، والدليل أن بشراً آخرين – لا يزيدون عنا في مواهبهم أو قدراتهم الإنسانية – قد بلغوا ما بلغوا من حسن الحال.

علينا أن نحتفي بكل خبرة توصلت إليها حضارات وبلدان بعيدة أو قريبة، فإنها تقدم لنا بالدليل العملي كيف يمكن لحياتنا أن تكون لو أخذنا بما أخذوا به من أسباب. لا يوجد أي سبب منطقي يحول بين المصري وبين الحياة في ذات المستوى الذي يحيا فيه أهل ألمانيا أو أهل السويد، لو أخذ بنفس الوسائل التي أخذ بها من سبقه. لا أتعرض هنا لاستيراد قيم مختلفة فيما يتعلق بالسلوك الشخصي. لكني أتحدث عن مظاهر التقدم في المدينة والمصنع والمدرسة والجامعة والوزارة والإدارة الحكومية التي تقضي مصالح الناس. في كل ذلك يعلم تماماً من عاش في بلدان متقدمة مدى الحضيض الذي يعيش فيه أبناء وطننا. وأي وطني عاقل ومخلص – يعلم حال المتقدمين السابقين – لن يرضى لبلده وأبناء وطنه أن يحصلوا على أقل من ذلك.

صواب مصر

بعد أن تمكن المرض المباركي وتوغل في جسد مصر وخلاياها لعقود طويلة، تحاول مصر الآن أن تتماثل للشفاء وتعبر مرحلة النقاهة الحرجة على خير، في الطريق نحو الشفاء الكامل والصحة الدائمة بإذن الله.

نعلم جميعاً أن هذا المرض العضال قد طال كل أعضاء الجسد المصري الكبير ونالها بالأذى. غير أن هذا التشعب لا يمنع أن نضع خطوطاً عريضة وعناوين كبيرة بهدف توضيح الرؤية وإضاءة خريطة العمل المطلوب بنظرة بانورامية أو “فوقية” للصورة العامة دون التفاصيل.

وقد فكرت في كلمة واحدة تجمع تحتها هذه الخطوط العريضة أو الخريطة العامة لمجالات العمل المطلوب لتنقية مصر من بقايا وأعراض هذا السرطان. وأردتها أن تكون كلمة سهلة التذكر، ذات معنى قائم بذاته وفي الوقت نفسه يشير كل حرف من حروفها إلى واحد من الخطوط العريضة التي يندرج تحتها العديد من المشاريع المختلفة.

فنحن نريد أن نخرج بمصر من العجز إلى الإنجاز، ومن الفشل إلى الإعجاز، وكثير منا نحن المصريون نظن في أنفسنا التفوق والتفرد والعبقرية، ولا بأس بذلك، فهذا أفضل من أن نظن بأنفسنا الفشل وعدم القدرة على التقدم. لنؤمن أننا شعب عظيم متعدد المواهب معجز القدرات، على أن نجعل من هذه الصورة محفز للعمل لا ذريعة للكسل.

ونحن نؤمن كذلك أن مصر لم تأخذ حقها من التقدم بسبب شرذمة من الفاسدين الأغبياء تمكنوا من أمرها لعقود طويلة. أي أن هذا الفشل يرجع لأخطاء وانحراف عن المسار الطبيعي، ومن ثم لو عادت الأمور إلى طبيعتها، والدفة إلى وجهتها، وتولى أمورنا خيارنا، فسوف يصحح ذلك المسار المصري ويحول وجهته من التقهقر المزمن للوراء ولأسفل، إلى التقدم المطرد للأمام ولأعلى. نحن نريد “تصويب” المسار وتصحيحه. نريد “صواب” مصر، ومن محاسن الصدف اللغوية أن هذا الـ “صواب” يضم تحته حروف يعبر كل واحد منها عن أحد عناوين التقدم الرئيسية:

- صاد الصواب: “صحة” المواطن. ونحن نعلم الواقع المخيف لصحة المصريين الذي خرجنا به من عهد مبارك. ما بين سوء التغذية المفروض فرضاً على الفقراء، إلى تلوث الطعام والشراب الذي لا يسلم منه قادر ولا معدم. وما دام تقدم الوطن هو محصلة تنمية كل مواطن، فإن صحة مصر لا تزال في خطر. وكما نعلم فإن العقل السليم في الجسم السليم، لذلك فإننا نظلم الفقراء والمعدمين إذا طلبنا منهم عقلاً واعياً ومشاركة سياسية إيجابية في أي عمل ديمقراطي. نحن جميعاً بشر. والإنسان عليل الجسد هو غالباً مريض العقل وبطيء الفهم وثقيل الهم. وعلاج صحة مصر ينطوي على مشاريع ذات طابع “إغاثي” عاجل يتعامل مع الحالات الأصعب من المرض وعدم القدرة على الحصول على الغذاء الأساسي، ومشاريع أخرى ذات أمد أطول تعالج مشاكل التلوث الغذائي والمائي والهوائي.

- واو الصواب: “وعي” المواطن. يتشكل أكثر الوعي من خلال التعليم والإعلام. ولعلنا لا نختلف أن وجود الإعلام البديل المتمثل في الانترنت كان له بالغ الأثر في إشعال الثورة بما أتاحه من اطلاع حر وتواصل بين الأفراد الذين تجمعهم رؤى متقاربة وآمال مشتركة. غير أن هذا الإعلام لا يصل إلا لنسبة ما زالت محدودة. ومع ارتفاع نسبة الأمية لدرجات مخيفة يظل الإعلام المرئي هو أقوى وسائل التأثير وأكثرها انتشاراً.

ومن ثم فإن أي عمل مجدي في صالح هذا البلد لابد وأن يبذل جهداً وفيراً لحل مشكلة الأمية بالتوازي مع ابتكار وسائل سهلة – غير مقروءة – لتوعية عشرات الملايين من الفقراء والأميين، الذين يشكلون قنبلة موقوتة لو تم تجاهلهم أو الغفلة عما يدور في عالمهم.

أما التعليم الرسمي فلا مفر من هدمه رأساً على عقب وإعادة بنائه “على نظافة”! وهو جهد مؤسسي ضروري وإن كان طويل الأمد وبعيد الثمرة.

- ألف الصواب: اقتصاد. لا مفر من التعامل مع الاقتصاد أيضاً في خطين متوازيين، أولها سريع وإغاثي في طبيعته، والثاني متوسط وطويل الأمد. ولا يجب أن ننسى الأهمية القصوى للجهد الإغاثي في خضم انشغالنا بالتخطيط البعيد والبناء للمستقبل. فهناك عشرات الملايين من النفوس البشرية تعيش تحت خط الفقر منذ عقود، في ظروف غير إنسانية بل وغير حيوانية في كثير من الأحيان!

- باء الصواب: بحث علمي. لا يقتصر البحث العلمي بالضرورة على التكنولوجيا وأبحاث تجري في المختبرات العلمية. البحث العلمي هو كل جهد عقلي منظم من أجل إيجاد حلول لمشكلات قائمة، أو خلق آليات جديدة – في أي مجال – تؤدي إلى تحسين نوعية الحياة. البحث العلمي هو أداة لإيجاد الحلول لمشاكل مادية بحتة مثل تلوث البيئة، ومشاكل اجتماعية إنسانية لا يمكن وضعها في مختبر مثل الأمية والفقر. ولا يوجد مجتمع يتحرك للأمام دون بحث متصل عن وجهات وآليات وأدوات هذا التحرك. وبدون هذا البحث المتواصل والمنهج العلمي تنتهي جماعات البشر إلى التحرك للخلف أو نحو الهاوية وهي تظن أنها تتحرك للأمام. فأحياناً ما يكون السكون والوقوف محلك سر خير وأكثر أمناً من التحرك على غير هدى!

هذا عرض متعجل للعناوين العريضة للعمل من أجل مصر، لا سيما وأن الكثير من المصريين الآن يشعرون أن الوقت قد حان لمشاركة إيجابية. فهذه مجالات العمل المدني وليس الحكومي فقط، وكل مؤسسة خيرية أو جمعية لا تهدف للربح قد تختار أحد هذه الحاجات الملحة لكي تعمل عليها وتركز جهدها.

وهكذا يتحقق “صواب” مصر بالتركيز على كل جزء مفرد من هذا الصواب وحروفه: الصحة والوعي والاقتصاد والبحث العلمي.

كيف نتفادى عفريت مبارك؟

مصر الآن وكأنها عمارة تم بناؤها بمعرفة مقاول فاسد، استخدم مهندسين فاشلين وفاسدين فأتى التصميم قبيحاً ومعيباً. وارتفع البناء على مواد مغشوشة من حديد وأسمنت وخلافه. أما قطعة الأرض فرائعة وثمينة، وكثير من السكان موهوبون وأكفاء. ثاروا بعدما عاشوا فترة طويلة وهم يدركون تماماً – بعقلهم وحدسهم – أن البنيان معرض للسقوط في أي وقت. وحدثت الثورة وتم التخلص من المقاول الجاهل – محدث النعمة -وبعض أعوانه. أما البناء فلم يتم هدمه بالكامل، وما زلنا نحن السكان نشعر بالخطر لأن الأساس تحتنا ما زال هشاً، والبنيان الذي تخلل الفساد في جميع جنباته ما زال الكثير من أركانه وجدرانه قائم. ومن هنا أصر نفر من الثوار على تعقب ما استطاعوا من أركان البناء الفاسد حتى التخلص منه، وحسناً فعلوا! فقد ذهبت حكومة ترقيع وجاءت حكومة جديدة ومتينة بفضل الإصرار على رحيل معاون المقاول الذي عينه المقاول الكبير المخلوع!

ونحن نريد أن نستغل الأرض الثمينة الجميلة ونبني فوقها سكناً ووطناً حديثاً وراقياً وبديعاً، يقوم على أساس متين وآمن. سوف يستغرق ذلك زمناً ولا شك، لكن رؤية مهندسين ومقاولين وعمال بناء أقوياء وأكفاء وأمناء يجعلنا نطمئن أن البناء الذي سوف نسكنه في المستقبل أجمل وأفضل كثيراً مما كان عليه في الماضي.

لكننا ما زلنا في مرحلة مبكرة من إرساء نظام محكم لإبقاء أهل العلم والأمانة، وإقصاء أهل الجهل والخيانة! كيف نتخلص من عفريت المقاول الجاهل الفاشل، الشهير بمبارك، حتى لا يتم استنساخ روحه والعودة إلينا في شكل جديد، فننتظر ثلاثين عاماً أخرى حتى نكتشف أننا تعرضنا لعملية استنساخ عفاريت قديمة في أجساد جديدة؟!

هناك ضمانات عديدة مطبقة بالفعل لدى من سبقونا إلى الديمقراطية والحرية. علينا أن نستعير أفضل ما وصل إليه الإنسان، في كل مكان.

أبسط وأوضح ما يجب الإصرار عليه في بناء مستقبل مصر هو تواجد مراكز قوى متعددة ومستقلة تماماً عن بعضها البعض، بحيث لا يستطيع مركز قوى واحد أن يتمدد كالسرطان ويستولي على زمام كل شيء. وهنالك ثلاثة جهات استقلالها ضرورة لا غنى عنها في مقابل مؤسسة الحكم.

القوة المستقلة الأولى: شيخ الأزهر وبابا الأقباط.

والمؤسسة الدينية بشكل عام. يجب أن يتكلم الإمام في المسجد والقس في الكنيسة دون أن يفكر في خطوط حمراء تخص المؤسسة الحاكمة. يجب أن يتم انتخاب شيخ الأزهر بواسطة علماء الأزهر، ولا يستطيع إبعاده إلا الذين انتخبوه. يجب ألا يشعر بابا الأقباط أو شيخ الأزهر بأي حرج في نقد وانتقاد سياسات وقرارات المؤسسة الحاكمة.

القوة المستقلة الثانية: الجامعة.

الشباب هم عادة محركو التغيير، والجامعة توفر بيئة مثالية لشباب الوطن أن يجتمعوا ويعملوا سوياً وينظروا للواقع ويتخيلوا المستقبل. التغيير الجذري عادة ما يأتي من شباب العشرين وليس من شيوخ الستين والسبعين. والجامعات هي مخزن طاقة البلد. هذه الطاقة يجب أن تظل مستقلة وحرة كقوة مراقبة لأداء الحكومة.

القوة المستقلة الثالثة: الإعلام (الخاص والقومي).

مؤسسة وجريدة الأهرام تعود إلى القرن التاسع عشر. هي بلا شك أقدم وأكبر من مبارك أو أي رئيس غيره أو نظام حكم. تحولت هي وغيرها بشكل معيب من مؤسسة مصرية إلى مؤسسة مباركية تخدم نظام الحكم وسدنته. ما يسمى بالصحف “القومية” يجب أن يتم ضمان إخلاصها لاسمها. فكون جريدة أو مؤسسة صحفية “قومية” يعني فقط أنها ملك للشعب، هو وحده السلطة التي تحرك هذه الصحافة. ومن ثم يجب أن تستقل تماماً هذه الصحف عن مؤسسة الحكم، حتى تمارس دورها كمركز قوة مستقل يقف في وجه مراكز القوى الأخرى ويحد من سلطتها وسلطانها.

الوطن ملك لجميع أبنائه. الوطن يعني أن كل من ولد فوق هذه الأرض له حق في مواردها. هناك حقوق أساسية يجب أن تتوفر لكل فرد، وهناك فرص إضافية تتاح لكل مواطن على قدر جهده وشطارته. ولأن الوطن للجميع فيجب أن تكون مؤسساته أيضاً ملك للجميع. يجب حماية كيان هذا الوطن من الوقوع عبداً لنظام أو سلطة بعينها. والاستبداد أنواع كثيرة ووجوه مختلفة، فهناك استبداد رئاسي، وآخر ملكي، وآخر مؤسسي. والضمان في رأيي هو تواجد عدد كبير من المؤسسات المهمة مستقلة عن بعضها البعض وعن المؤسسة الحاكمة، وأن يتعلم الجميع تقديس هذا الاستقلال لأنه الضمان الوحيد لبقاء البلد حراً من النصابين والنهابين. في أرضنا متسع لكي يعيش كل مصري مثلما يعيش الأوربي والأمريكي، وربما أفضل، فحتى الديمقراطيات الأقدم يسقط بعضها في براثن أنواع أخرى من الاستبداد، مثل استبداد الشركات الضخمة. لا مفر من “تقديس” استقلال الدين والإعلام والتعليم حتى نضمن حرية حقيقية.

نحو علاج مصر من الجنون والشلل

تصور أنك تقضي حياتك وفي بيتك مجنون. كيف تكون هذه الحياة؟ إنك لا تأمن على شيء من أشيائك، قد تتركه سليماً وتجده بعد ساعة وقد تم قذفه من الشباك! وقد تجلس في أمان الله فتجد صفعة تضرب وجهك أو يداً تهبط فوق قفاك! سوف تجد الكتاب والكمبيوتر في المرحاض، والحذاء فوق مخدتك وتحت رأسك! سوف تفقد ذهبك في القمامة، ثم تجد القمامة تفترش الأثاث والسجاد، كلما ألقيتها في مكانها عادت تحيط بك من كل جانب، حتى تيأس وتتركها تعيش معك في سلام! وقد تنام يوماً في غرفتك وتستيقظ لتجد الغرفة مغلقة بالمفتاح، والمفتاح في الشارع، فتصبح سجيناً بين عشية وضحاها، ولا تعرف السبب!

هل يبدو السيناريو السابق وكأنه الكابوس؟ هو كابوس بالفعل، غير أن مصر بأكملها عاشته بحذافيره لعقود طويلة كئيبة. فما الذي أصاب بلداً عظيماً عريقاً بالجنون؟ إن الجنون جسد يتحرك دون عقل، ودون خطة. الجنون كائن عشوائي، لا تأمن ما قد يصيبك من أذاه في أي ساعة من ساعات الليل أو النهار. لقد أصبحت الدولة المصرية في عهد مبارك كياناً مجنوناً تحركه غرائز الحيوان ويفتقد لعقل الإنسان. فأكابر البلد قوم يعملون بشراهة لإشباع شهوات المال والسلطة، دون رؤية ودون تروي. وأذرع النظام الأمنية تتصرف بهياج وعنف حيواني مع كل خطر يهدد حياتها البهيمية. وقد تمكنت لوثة الجنون من الكيان المصري في السنوات الأخيرة حتى أصبح حالها شقاء لا يحتمله أي مصري عاقل، مقيماً كان أو مهاجراً.

أصيبت مصر بالجنون إذن حين غاب العقل والرؤية عن توجيه خطواتها، فأصبحت كياناً يتحرك بعشوائية، توجه مسيرته غرائز حيوانية. وعلاج مصر من هذا الجنون يتمثل ببساطة في إعادة العقل إلى “الرأس”، ورأس الدولة هي القائمين على توجيه وتخطيط أمورها.

ومع الجنون أصيبت مصر بمرض عضال آخر هو الشلل التام. فما هو الشلل؟ الشلل أن يكون لك عقل واع، وجسد عاجز. أن ينفصل العقل عن الجسد. هو وجه آخر للمرض الأول. لقد سيطر الجسد – الخالي من العقل – على مقدرات مصر، وتم إقصاء العقل وقمعه وإصابته بالشلل. فتوارت عقول مصر إلى الظل، عاجزة، مشلولة، ترى كل شيء، وتدرك سبل الإصلاح والعلاج، لكنها كانت كياناً مشلولاً تمام الشلل. عقل بلا رجل وبلا ذراع. فهم بلا أدوات. رؤية بلا طريق. عين ومخ دون جسد يتحركون به. روح بلا جسد، وكأنها ميت يراقب الحياة من العالم الآخر ولا يستطيع التدخل فيها والتأثير عليها. هكذا كان حال عقول مصر. العلماء والعقلاء والمفكرون وأصحاب الرؤية.

إن علاج مصر في المرحلة المقبلة سوف يتطلب إعادة العقل إلى الجسد، حتى يجد العقل جسداً ينفذ رؤاه، فينتهي الشلل، ويتحرك الجسد وفق خطة ورأس يوجهه، فيختفي الجنون! وتحيا مصر.

حينما يكون الرؤساء مفكرون!

لم أستطع منع نفسي من الإعجاب بالعمق الفكري للرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون وأنا أستمع لمحاضرته هذه في جامعة بيركلي. كالعادة، اختلط الإعجاب بالمقارنات التعيسة!

تستطيع الاستماع لكلينتون وأوباما لتدرك مدى حضورهما الفكري وذكاءهما، فأنت تستمع وتقرأ لهما كما تقرأ لمفكر وكاتب. نعم ابتليت الولايات المتحدة برئيس أحمق مثل جورج بوش. كما أن لهذا البلد أخطاء فادحة مقابل إنجازاته الرائعة. والحق كذلك أن الرئيس الأمريكي عموماً محدود السلطات وغير مطلق اليد في قراراته وأمنياته. فأي سياسة أو قانون يريد الرئيس تمريره يتطلب منه عملاً وجهداً في مواجهة قوى أخرى تقف أمامه. والحق كذلك أن أمريكا تمر بأزمات. غير أن أزمات أمريكا هي أزمات بالمقارنة بأمريكا نفسها! ومع ذلك لا شك أن وصول رجال أصحاب عمق فكري لمنصب الرئاسة في البلدان ذات الميراث الديمقراطي يثير التأمل في المستوى الفكري لرؤساء الدول المتخلفة!

قارن بين حديث لأوباما وحديث للقذافي أو مبارك – الإبن أو الأب! ألق نظرة أيضاً على نشاطات الرؤساء الأذكياء بعد تركهم الرئاسة، فبيل كلينتون أسس مؤسسة خيرية ذات رؤية مختلفة لمواجهة مشاكل العالم على اتساعه، وهي شغله الشاغل الآن. رجل بهذا الحس والتوجه الإنساني لابد أن وجوده على مقعد الرئيس أضاف أشياء ما كان لها أن تضاف لو رزح المقعد ذاته تحت ثقل رجال من أصحاب الكروش المتسعة والعقول المتسخة!

تصور لو أتى اليوم الذي جلس فيه على مقاعد الرئاسة العربية رجال ذوو فكر وحس إنساني صادق، ثم ذهبوا بعد ثمانية أعوام على الأكثر. رجال لا تلهيهم مصالحهم الخاصة ومصالح حاشيتهم وأصدقائهم عن واجبهم الذي جاءوا من أجله لمواقعهم. حتى نستطيع كشعوب فتح مقاعد الرئاسة أمام أمثال هؤلاء فلا أمل لنا في حياة نظيفة، أو تعليم محترم، أو طبقة متوسطة واسعة مستقرة، أو تسامح ديني، أو تكافؤ فرص، أو طوابير صغيرة أمام السفارات الأجنبية!

أين ذهب الطريق

في التدوينة السابقة علق جدو قائلاً أنه ما زال أمام بلدنا، مصر، وقت طويل حتى يتوفر للمواطن المصري العادي ما يتوفر لنظيره في العالم الغربي. فرددت بدوري قائلاً أن الطريق ليس طويلاً، لكنه غير موجود أصلاً! فما معنى ذلك؟

لو كان الطريق – نحو الإصلاح ونحو الأفضل والأعدل – موجوداً لتغير المشهد كل حين. لو كنا على الطريق لشعرنا بتحسن ولو طفيف، والتحسن التدريجي يبث الأمل في النفوس، فيتشجع الناس على العمل أكثر، فتتسارع النتائج، فيزيد التفاؤل، وهكذا. لكن الواقع الذي يخرق عين – وقلب – أي مشاهد يقول أن كل شيء يسوء، ولا يبقى حتى على حاله. وهو ما يعني أن الطريق غير موجود أصلاً لأن “هيئة الطرق” – إن شئت – لم تبدأ في بنائه! “الهيئة” تنشر الخرائط كل يوم وتحدثنا عن الطريق، لكننا نصحو كل يوم لنجد أن البناء لم يبدأ، وأننا ما زلنا مسجونين محلك سر ولا أمل في التحرك لأنه لا يوجد طريق نتحرك فوقه!

في مصر كنت أقول: لو كانت بلدي فقيره لبقيت فيها، ولكانت هي أولى بجهدي مهما كان حقيراً صغيراً. لكن المشكلة أن بلدي ليس فقيراً، لكن “مالي” منهوب! لماذا أعمل ثم يجني أكابر اللصوص ثمرة عملي ولا يتبقي لي غير ضياع الوقت والجهد سائراً على طرق مليئة بالمطبات ولا تؤدي إلى أي مكان؟!

نحن بحاجة ماسة إلى تغيير هيئة الطرق، ومحاسبتها على الأموال المخصصة لبناء “الطريق” والتي ذهبت في بناء طرق خاصة لرجال الهيئة! حينها سوف نبدأ في بناء الطريق ونسير عليه كل يوم فيتغير المشهد بعض الشيء، يوماً بعد يوم، وذات يوم سوف نصل إلى قطعة من أوربا، على أرض بلادنا، وربما أفضل! وبدلاً من أن يهاجر الشباب في البر والبحر إلى العالم الآخر – عالم الغرب أو عالم القبر! – فسوف يجدون طريقاً محلياً يسيرون عليه للأمام!

جهاد القذافي

استمع أخي المسلم إلى دعوة الجهاد من قائد المؤمنين، هل تتكاسل وتتراخى وهو يدعوك للجهاد ضد الدولة الكافرة؟ انظر في وجه القائد، نظرة واحدة في وجهه ربما تملأ قلبك بالحماس اللازم لتلبية الدعوة المقدسة. ولا تحسبن أن القائد يدعوك للجهاد ثم يفر، كلا كلا، بل هو أول المجاهدين. ألم تر كيف أمر بمقاطعة اقتصادية شاملة قاضية؟ نعم دولته العظمى، الجماهيرية العربية الليبية، قاطعت سويسرا. ويقال أن القائد سحب مدخرات ليبية من بنوك سويسرا تقدر بالمليارات. مدخرات ليبية بالمليارات؟ هل هي مدخرات بيت مال المسلمين يا فخامة القائد؟ هل ستأخذها من بنوك سويسرا كي تجبر بها كرامة فقراء دولتك؟!

القذافي يدعونا نحن أمة المسلمين للجهاد ضد سويسرا. بل ويدعو كذلك لتفتيت سويسرا وتوزيعها على الدول المجاورة. ياللعظمة والجبروت. ما شاء الله. يا ترى هل وضع القذافي خطة هذا الجهاد التفتيتي للدولة الكافرة؟

أيها الرئيس القائد، أنا أود بالفعل أن ألبي دعوة الجهاد هذه. صدقني أنا جاد في ذلك. لكني فقط لا أعرف كيف. هل يخبرني أحد كيف؟ ولكن يا سيادة القائد هناك تغيير طفيف جداً في جهادي وجهاد المسلمين الواجب تلبية لدعوتك الكريمة. علينا بالفعل أن نجاهد… سيادتك. واجبنا أن نجاهد كرامتك وكبرياءك. لقد غضبت غضبة شديدة من أجل ابنك المدلل لأن الشرطة السويسرية عاملته بما يستحق. بل وأهنت وأذللت قبيلة الخادم الليبي الذي قدم البلاغ ضد ابن الأكرمين. لا أحد يعلم تماماً ما فعلته تجاه أهل القبيلة لأنها سمحت لنفسها أن تنجب ولداً يقول “لا” لفخامة الابن رداً على الضرب والإهانة.

ثم تريد أن تضحك علينا وتقول لنا أنك غاضب من أجل المآذن السويسرية. إن نبي المسلمين يقول لهم أن دم مسلم واحد أشد حرمة عند الله من حرمة البيت الحرام، فما بالنا بمآذن سويسرا؟ هل هي أهم من رعاياك؟

أيها القائد، عليك اللعنة. إني أبغضك أنت وأمثالك. وسوف أسعد كثيراً يوم أراك أنت وابنك جثة متفحمة حينما يقرر المسلمون أن يقوموا بالجهاد الواجب ضد أمثالك من حثالة الأرض، المفترين على الله الكذب!

بلدان وسجون

مشهد السفارات الأجنبية في مصر عار قومي. طوابير من الشباب، آلاف مؤلفة، تقدم للحصول على التأشيرات وكأنها تلعب اليانصيب، أكثرهم يعود بدون التأشيرة وربما يشعر أنه طرد من الجنة الموعودة. والحاصل على التأشيرة يعود إلى أهله مستبشراً سعيداً، فقد تهيأ له السفر وحصل على حكم الإفراج!

يحزنني أن أرى الشباب الأمريكي أو الأوربي يشعر أن العالم مفتوحاً أمامه بلا قيود للسفر والحركة، وشبابنا ينظر لتأشيرة دولة أجنبية مثل حلم خرافي. بل ويدفع البعض عشرات الألوف من أجل تأشيرة دخول. مجرد تأشيرة دخول، لا تتيح لهم حتى الإقامة الدائمة أو العمل.

قرأت منذ فترة طويلة مذكرات لدبلوماسي مصري بدأ دراسته وحياته العملية في النصف الأول من القرن العشرين. كأنك تقرأ عن بلد آخر. كان والده موظفاً وليس رجلاً ثرياً، ومع ذلك كانت العائلة تسافر إلى أوربا للفسحة. كان الجنيه المصري قوياً كريماً، تذهب به إلى انجلترا وتنفق دون عنت. كان الطالب المصري يتعلم الانجليزية والفرنسية في المدارس العامة على يد رجال من أهل اللغة! كم هبطنا وخسرنا في بضعة عقود!

إن الشاب الأمريكي يحمل جواز سفر هو في ذاته تأشيرة دخول لأكثر بلدان العالم! هذا الشاب لا يفضل الشاب المصري في شيء، لكن الفارق أن دولته جعلته كريماً مرحباً به في كل أرض!

تعال نمارس فضيلة الاعتراف بالحق. نعم لا يفضل شبابهم شبابنا في إمكانات أو مواهب. لكن آباءهم وأجدادهم يفضلون آباءنا وأجدادنا في شيء واحد! لقد ترك هؤلاء لأبنائهم ميراثاً يكفل لهم حياة كريمة ومساحة كبيرة من الحرية. وترك آباؤنا لنا فقراً وسجناً حصيناً للإنسان وكرامته! آثروا السلامة. ظنوا أن الفقراء والمتسولين هم أهل الجنة، وأن الظالمين رجال عظماء خارقين، مثل الآلهة لا قبل لنا بهم!

وشباب اليوم يحمل على عاتقه إرثاً صعباً. هل سنترك لأبنائنا بلاداً يفخرون بها أم سجوناً تذلهم أسماؤها؟

القهر كالماء والهواء

حدثتني صديقة أمريكية عن شعور انتابها وهي في بلد عربي “إسلامي”، أي يدعي نظامه تطبيق الشريعة الإسلامية، وأدهشني تعبيرها إذ ذكرني بمشاعري الشخصية إزاء مظاهر الفساد في بلدي، وهو أيضاً بلد عربي مسلم – وإن لم يكن “إسلامياً”! فقد قالت أنها كانت تشعر بحضور القهر في كل شيء حولها.

أذهلتني الكلمات للحظات. ربما كنت أظنه شعوراً شخصياً أو خاصاً بقاطني الأرض لا يحسه الغرباء، الزائرين العابرين. لكن لعله في الواقع شعوراً موضوعياً. أذكر والدتي رحمها الله وهي تقول لي أن الكون كله يتجاوب مع غلبة الظلم أو العدل في أرض بعينها، وأنها في بدايات عصور مختلفة عاشتها في مصر كانت تنظر في شكل الزرع فتحدثها فطرتها أن العصر الباديء عصر عدل أو عصر قهر!

وكأن غلبة الظلم تغطي الكون بعباءة كئيبة، تتخلل ظلمتها وكئآبتها الزرع والهواء والأحياء، من إنسان وحيوان. لا أنكر أنني شعرت بهذه العباءة الكئيبة في أرض مصر. إن القهر لا يأتي فقط من أعلى إلى أسفل. بل هو حاضر في كل مكان. في دكان صغير لحرفي يقهر طفلاً اضطره ضياع حقه في خير بلده أن يعمل من أجل رزق عائلته. في بيت مجهول تلغى فيه إرادة وعقل الزوجة والابنة والأخت، لأنها أمرأة! في فصل دراسي تتكدس فيه أجساد صغيرة وعقول نيئة ينضج وعيها على مدرس يتأسد عليهم بالصوت والعصا، ويصب فوق عقولهم كتباً ومناهج كالصلب، هي في ذاتها قهر الغباء والعبث فوق عقول مجبرة على اجترار علقم، مر في طعمه، عسير في هضمه!

أما الأدهى والأعجب فهو أن ينام الناس ويتغطون بالملاءة الكئيبة، فلا تزكم أنوفهم عفانتها، ولا يخنق أنفاسهم امتصاصها لمعظم نصيبهم من الهواء، ولا يوقظهم انزعاج من غلبة الكوابيس!

تأملات حول المشهد العربي الجنائزي (الاسم الحركي: المصري الجزائري)!

إن المشهد الراهن هو في حقيقته فصل في مسرحية عربية تعبر عن الموت، موت ظاهره صخب ونشاط وحركة، وباطنه من قبله العذاب والهلاك!

هذه تأملات سريعة، غير مرتبة من وحي هذا الفصل البائس. أنا كاتب كسول، ولا أر فيما أكتب رسالة عظيمة وإنما تعبير عن شخصي وفكري يقرأه جمهور قليل العدد. وكان من الممكن أن أتجنب الحديث عن الأحداث الحالية، فأنا لا أحب الكتابة تحت ضغط الأحداث ولا أعتقد أن ما أكتبه سوف يمسك زمام التاريخ ويحول وجهته عن هوة عميقة إلى ما فيه خير الناس! إلا أن نفسي قالت لي ما دام الله قد أعطاك عقلاً فعبر عما فيه، ثم ضعه في زجاجة وألقه في البحر! فقد تصل الزجاجة إلى إنسان واحد فتصله الرسالة! ولست وحدي من يلقي الزجاجات في البحار والمحيطات، ولكن هناك ألوف مؤلفة تعبر عما تظنه قول العقل والفطرة، بل والدين! ونحن في مأزق إنساني طالما صمت العقلاء يأساً ونعق الجبناء جهلاً! هذه بعض الملاحظات المبدأية، والله أعلم:

  • مصر والجزائر ترقدان فوق قمتين متساويتين في الفساد! ومن سمات الفساد الأولى الظلمات، والأقوال التي تخالف الأفعال، والكلمات التي لا تعبر عن حقائق النيات! وفي ظل هذه الظروف المؤكدة، والتي يشعر بها كل فرد من أفراد البلدين، فالمحقق أن خلف الأحداث كواليس لا ندري ما يدور فيها، مما يعسر كل محاولة للرصد والتشخيص لحقائق الأمور. ومن الحكمة ألا نتجاهل علامات الاستفهام!
  • من علامات المروءة الفكرية البحث عن الحق! والحق المجرد أمر صعب، فهو يتطلب في أكثر الأحوال إخراج النفس والمشاعر من قيود عاطفية وعقلية. والانفكاك عن القيد مؤلم كلما كان ضيقاً محكماً! تخيل يداً تربطها أساور من حديد تقيد حركتها، لو حاولت اليد مغالبة الحديد تألمت وتوجعت، فإن سكنت فيه زال الألم! ومن ثم فإنه علينا أولاً أن ننفض عن كاهلنا الرغبة في تأكيد ما نريد أن يكون حقاً، وأن نوطن أنفسنا على تقدير الحق أيما كان ومهما جانب أو تصادم مع مشاعرنا الآنية.
  • من طبائع الجهل أحادية النظر ورفض التعقيد. فالواقع مركب والأحداث تغلفها طبقات وظلمات. وشعاع النور الواحد يخفي في طياته ألوان كثيرة متباينة! ومن ثم فإن العقل التبسيطي مغرم برؤية الأبيض والأسود فقط. أما الحق فهو أكثر رحابة من ذلك. وفي الموقف الحالي فالعقل التبسيطي يميل لازداوجية صارمة: مصر والجزائر، شيطان وضحية. انتهى الأمر. هذه خلاصة واضحة وسهلة ومريحة. انتهى دور العقل في كلمتين فسهلنا عليه المهمة، ثم أرجأناه جانباً وأخرجنا مشاعرنا تمرح وحدها في راحة وبساطة! أما الرؤية المركبة فتفرق بين مجرم جزائري في السودان، ورجل في مصر يسمع عن مصريين محاصرين، وآخر في الجزائر يسمع عن جزائريين مقتولين، إلخ. ومن أسف أن شعوبنا العربية تتلوى بين جهل مطبق وأمية خالصة، وبين تعليم بسيط لقواعد القراءة والكتابة ودمتم، أو تعليم يمتد حتى الجامعة ولا يخرج منه الخارج إلا كما ينجو السجين من هم القيود العقلية والروحية. ثم قلة هنا وهناك أنعم الله عليها بسعة في العلم وسعة في الأفق. وفي ظل هذا الواقع الثقافي فمن المفهوم أن يحدث ما يحدث.
  • لأول مرة يخرج السيد علاء مبارك عن الظل والغموض ويتحدث، فنرى فيه متحدثاً لبقاً قادراً على استمالة قلوب المستمعين ببساطته. لكن المرء لا يملك إلا التساؤل، ألا تتحرك مشاعر ابن الرئيس الوطنية مع المصريين في مصائب أخرى كثيرة؟ إن الأمن المصري مارس ويمارس أنواع الإرهاب والعذاب ذاتها في أبرياء مصريين، فلماذا لا تتحرك معهم مشاعر الوطنية والغضب لأبناء الوطن؟ والله هو الأعلم بنيات العباد!
  • قد نظن أن الجموع الغفيرة لا تتحرك مشاعرها إلا في أمور دون أمور، فتتغاضى عن فساد يدمر البلاد ويجوع العباد، ثم تهيج فيما يخص الكرة. لكن الأمر غير ذلك تماماً. فالجماهير الغاضبة لم تغضب من أجل الكرة، لكن من أجل إخوان لهم في الوطن تعرضوا للضرب والإهانة. لكن الحق أنه من شأن هذه الجماهير ذاتها أن تتحرك وتهيج من أجل أمور أخرى ذات بال، فقط لو تعرضت لذات الشحن العاطفي من وسائل الإعلام. تصور هذه الجماهير ذاتها تشاهد البرامج التلفزيونية على الهواء لساعات وساعات، وتستمع لآلاف الآباء يعبرون عن قهرهم وهم عاجزون عن إطعام أطفالهم! ثم تعرض عليهم في ذات الوقت حقائق المليارات المنهوبة ومشاهد من حياة أغنياء الفساد وأنواع إنفاقهم! هل تتصور أن الجماهير الغفيرة على اختلاف ثقافاتهم لن تتحرك بنفس القدر من الغضب والهياج لو أعطاها الإعلام هذه الجرعة؟ لكن الجماهير للأسف تتحرك بالعاطفة الوقتية وليس بالعقل المتأني! ومن ثم فالجموع تتحرك في اتجاه الشحن العاطفي أينما كانت الوجهة، وإن كانت ضد مصالحها!
  • من طبائعنا نحن العرب أو الشرقيين أو الشرق أوسطيين، أو ما شئت أن تطلق علينا، سرعة هياج المشاعر ثم برودها وكأن شيئاً لم يكن! ولذلك فسوف تهدأ في ظني مشاعر الغضب بين الشعبين، وحتى هؤلاء الذين أطلقوا الشتائم والنعوت على الجزائريين الهمج والمصريين المنافقين… إلخ (لم أسجل جميع النعوت والصفات على الجانبين!) سوف تهدأ مشاعرهم وتعود لرؤية الصفات المشتركة بين الناس هنا وهناك، سوف يتذكر المصري صديقاً جزائرياً عرفه ويتذكر الجزائري أفلاماً مصرية نشأ عليها! حينها تعود الصورة الإنسانية للآخر وتحل محل التعميم. أما ما سوف يبقى هنا وهناك عند الناس فهو كراهة الفساد والحكومات التي أفسدت حياتهم وتفسدها كل يوم! إن مجرمي الجزائر في السودان أهانوا المصريين يوماً أو يومين، لكن لصوص الفساد يهينون المصريين كل يوم. والحال نفسه في الجزائر!
  • منطق العقل والفطرة والدين ذم المذنب، وفقط! والمذنب الحقيقي تجاه المصريين هو الحكومة الجزائرية التي أخرجت حثالة السجون وحرضتهم على الإفساد. والمصري يدرك أن عندنا من أمثال هؤلاء الغوغاء الكثير! تصور لو أخرجناهم من السجون، لفعلوا إذن مثلما فعل أشباههم في السودان أو أسوأ! والخلاصة أن الحكومات هي المجرم الحقيقي على الطرفين، وأن هوجة المشاعر مفهومة ووقتية، وأن علينا جميعاً إعادة توجيه تركيزنا إلى الحق.
  • إن الحياة رحبة واسعة، والناس في مصر والجزائر تستحق حياة أفضل. ومجالات العمل والجهاد كثيرة متنوعة، وبلادنا من شأنها – إن شئنا – أن تكون أجمل كثيراً مما هي عليه الآن. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، وينشط الناشطون!