الحل الإبراهيمي للخروج من مأزق الثورة المصرية في الانتخابات الرئاسية

قضيت ليلة أمس في جلسة مصرية مغتربة على مائدة يجتمع حولها تمثيل لأطياف المصريين جميعاً أو يكاد (ثوريون ليبراليون، محبون للإخوان، محبون لشفيق، محبون للراحل عن السباق الرئاسي حازم أبو اسماعيل) نتحاور ونتجادل على مفترق الطريق الانتخابي. الأغلبية سوف تختار مرسي، عدا معسكر شفيق، وحتى أعتى معارضي الإخوان قرروا قراراً واضحاً ومتعجلاً بالانضمام لصفوف الإخوان بشكل مؤقت لمواجهة الخطر الأكبر في رأيهم. لكن كانت هنالك قلة لبثت في النفي لا تستطيع مفارقته: رفض العسكر والإخوان معهم. وكنت أنا منهم. ولا أنكر أنني فكرت بيني وبين نفسي، وتخيلتني واقفاً أمام ورقة الانتخاب: هل يستطيع قلمي النظر لشفيق دون البصق عليه؟ ثم هل أستطيع أن أخالف خلاصاتي الفكرية كلها عن جماعة الإخوان وأعطي صوتي لمرسيهم؟ أم أقاطع الانتخابات؟ وهل المقاطعة سلبية؟ الواقع أنني ظللت في حيرة حتى اطمأننت إلى المخرج الوحيد الذي أقنع عقلي وأراح ضميري، وهو ما أعرضه ها هنا، ليس لأقنع أحداً، فهو رأي سوف يقنع البعض لكنه لن يقنع الكثيرين على الجانبين. وهو اجتهاد شخصي فلسفي يلزمني وحدي ومن شابه تفكيرهم تفكيري، وكل يلزمه اجتهاده.

خلاصة المخرج الذي أراه وحيداً لخلاص مصر وانتصار الثورة هو الثبات في النفي “الإيجابي” حتى يتبين لنا ما يستحق الإثبات الحق. وهو طريق محفوف بالمكاره لكن آخره الجنة! وهو أيضاً طريق وطريقة نبي الله إبراهيم عليه السلام التي انتصر بها على الوثنية والأوثان!

لك أن تظن أنني متفلسف مجنون. ولك أن تكتفي بهذا القدر أو تصبر معي حتى أشرح وأبين فيما يلي من سطور.

دعنا أولاً نوضح ما هو واضح. هناك فريقان لا تؤرقهما ذرة من حيرة، وحلنا هذا ليس لهما قطعاً، الطرفان هما منتخبي شفيق ومؤيدي الإخوان منذ البداية. هذان الحزبان يحاولان الآن اجتذاب “الطرف الثالث” اللاإخواني-لافلولي حتى ترجح به كفة أحدهما.

دعني أيضاً أقول صراحة أن رأيي وخلافي مع منتخبي الإخوان وبعض منتخبي شفيق لا يسمح لي أو لغيري بتخوين أي مصري، ففيما عدا المجرمين المعروفين فالكل يختار وفقاً لما يراه من مصلحة بلده، واتخاذنا موقف بعينه لابد أن يظل في إطار حسن الظن بإخلاص المخالفين، حتى لو أسأنا الظن بقدرتهم على الحكم وظننا فيهم قصر النظر.

لعله من الجيد أن أقرر بوضوح أن مسار الثورة الحالي يتكون من ثلاثة أطراف متباينة وليس طرفان كما يظن البعض، والأطراف الثلاثة هي: 1. العسكر والفلول 2. الثوريون المثاليون 3. الإخوان. أما العسكر والفلول فواضحون تماماً أمام أعين الثوار ولا لبس فيهم. وأما الوهم الأهم الذي يجب معالجته هو أن الإخوان والثورة ليسا طرفاً واحداً بأي حال من الأحوال، بل هما طرفان نقيضان. والإخوان موقفهم غريب بعض الشيء، فبينهم وبين العسكر مصالح مشتركة وأخرى متنافرة، والشيء ذاته مع الثورة، لهم مع الثورة بعض المصالح المشتركة وأخرى متناحرة.

اللافلول-لاإخوان لن يعطوا أصواتهم لشفيق قطعاً. وهم في ذات الوقت ضائقون أشد الضيق بأداء الإخوان الذي رأوا فيه إعلاء لمصلحة الجماعة على مصلحة الثورة ومصلحة مصر. وهم أيضاً لا يثقون في مستقبل الثورة بين يدي الإخوان بعدما رأوه منهم. ورغم كل ذلك تعجل هؤلاء في إعلان تأييدهم – غصباً عنهم! – للإخوان لأن شرهم أهون، مهما كان، ولأنهم لا يحملون سجلاً جنائياً مباشراً وجلياً مثل سجل العسكر والفلول. ثم هناك بعض هذا الفريق الذي لا يستطيع أن يتجرع دواء الإخوان المر والمشكوك في أمره للعلاج من سم النظام المباركي، هؤلاء قرروا مقاطعة انتخابات الإعادة وإبطال أصواتهم. فأي الطريقين نختار، نحن اللافلول-لاإخوان، تحالف مؤقت مع الإخوان، أم انسحاب ومقاطعة؟ هنا كان مكمن العذاب والحيرة، ثم الحل الذي انتهيت إليه (ومعي نفر قليل ممن أعرف وأتابع)، والتأصيل الثوري والفكري والفلسفي له!

الحل الذي أشرت له بداية هو الثبات في النفي، في “لا”. التجلي العملي له في انتخابات الإعادة هو الذهاب إلى الانتخابات وكتابة “لا للفلول ولا للإخوان” أمام شفيق ومرسي. لكن الحل جذوره أعمق وأفقه أوسع من ذلك، فهو موقف ثوري وفكري متكامل. هذا الحل لا يقبل بمجرد المقاطعة، فالهدف من إبطال الصوت إبطالاً إيجابياً هو إعلان موقف وكتلة رافضة واضحة العدد والصوت، وليست صامتة في الظل. هذه الكتلة الرافضة، وعددها في الواقع ملايين تفتتوا غالباً بين صباحي ثم أبو الفتوح، لو قاطعت تماماً فكأنها لم تكن، ولو أعطت صوتها لمرسي فقط انمحت داخل الإخوان وفقدت كيانها المتميز. ولو حصل بها الإخوان على أغلبية فلن يذكرونها على أنها الكتلة التي انتخبتهم على مضض، لكنهم سوف يستخدمونها للتلويح بأن الأغلبية معهم وانتخبتهم، وبالتالي فعلى الأقلية أن تصمت من بعد وتدعهم يعملون في هدوء!

قد تظن أن الثبات في النفي – “لا” لكل الأطراف المرفوضة حتى لو لم يتوفر طرف نقول له “نعم” – هو سلبية. لكني أذكرك أنه عين الثورة وسبب النجاح المبدأي في إسقاط مبارك. لقد سقط مبارك لأن الجماهير اجتمعت على التمسك والثبات على “لا”، دون تقديم أي بديل. لا لمبارك، ولا لكل بيان وتنازل ووعد قدمه، لا وفقط. لم تكن هنالك أي “نعم” في الأفق في ذلك الحين. وكان هذا بالضبط هو سبب النجاح “السينمائي” الساحق للثمانية عشر يوم الأولى من الثورة. أما خطأ الثورة الفادح، الذي أدركته قلة في حينها وكثرة مع مرور الوقت، فكان هو التعجل في ترك “لا”، في الخروج من النفي إلى إثبات ما لا يستحق الإثبات. لو واصلت الثورة “لا” لكل بقايا النظام لما أعطيناه عاماً ونصف العام يسترد فيه الأنفاس ليقضي على الثورة على نار هادئة. وأحد أهم أدوات النظام في التعجيل بهجر “لا” هو جماعة الإخوان نفسها. هكذا خف الضغط، و”لا” النافية كانت تمثل ضغطاً لا يحتمل، عن صدور الفلول والنظام فاستطاعوا التفكير والعمل في هدوء وأوصلونا لمأزقنا الحالي.

سوف أضيف تأصيلي الفلسفي/القرآني الخاص لموقف الثبات في النفي قبل أن أستفيض قليلاً في مخاطر استعجال إثبات ما لا يستحق الإثبات، ولو بشكل مؤقت. والمرجع هنا قصة أبي الإنبياء إبراهيم عليه السلام في رحلته لهدم أصنام قومه. فلسبب ما رأيت فيها إشارات يمكن تطبيقها على الموقف الحالي. لقد بدأ النبي العظيم رحلته إلى الله/الحق بإدراك “لا”، هؤلاء “ليسوا” آلهة تستحق العبادة. لم يكن يعلم شيئاُ عن الله. فقط رفض الأصنام. ثم بحث عمن يستحق العبادة، فأعجبه القمر لوهلة، حتى أدرك حقيقته. ثم رأى نجماً أكبر وأعظم من الأصنام ومن القمر في عظمته وبهائه وقوته، فظنه يستحق “الإثبات”، يستحق “نعم”، ولكن أيضاً لوقت محدود، حتى انتبه لحقيقة أفوله المتكرر كل يوم. بعد أن يأس النبي من كل ما بدا له من آلهة زائفة، قرر الثبات في النفي، قرر الثبات في “لا”، دون أن يضمن وصوله للحق. هو فقط ثابر وصبر في نفي ما لا يستحق الإثبات. حينها فقط تولته العناية الإلهية! هذا طريق أهل الحق، وهو ليس سهلاً، فسوف تكون إحدى محطاته، بلا شك، نار يوقدها الغافلون – المثبتون لما يستحق النفي! – لأهل “لا” المخيفة، الفوضوية، عدوة الاستقرار وما عهدنا عليه آباءنا وجماعاتنا!

لعلك أدركت ما أرمي إليه من تشبيه: النظام القديم هو الأصنام، والقمر هو العسكر والفلول، والشمس هي جماعة الإخوان! والنفي الثابت الذي ثابر عليه نفر قليل هو نفي الباطل وما بني على باطل، وكل مسار ما بعد إسقاط مبارك باطل ومصائبي.

أعلم أنك ما زلت تقول: لكن الإخوان ليسوا بهذا السوء، إذا كنت من مؤيدي الإخوان القدامى أو من “المضطرين” في الإعادة بين مرسي وشفيق. أما من يفضلون الشيطان على الإخوان فما زالوا يقولون: لكن شفيق والعسكر أرحم من دولة ديكتاتورية دينية لا يكون المعارض فيها معارضاً وفقط ولكن معارض وكافر عليه لعنة الناس أجمعين! وأصر أنا ومن معي: لا هذا ولا ذاك. “لا” لمن لا يستحق “نعم”، على أن تكون لا واضحة صريحة موثقة، وليست لا سلبية صامتة.

تعال معي نتصور مسار كل “نعم”، مسار عبادة القمر أو عبادة الشمس! سأبدأ بالأسهل: لو انتصر شفيق. أرى في هذا المسار احتمالين: سوف ينتصر شفيق، ثم يعطي مهلة للإخوان ومجلس الشعب أن يصبحوا معارضة مستأنسة من لزوم الوجاهة الديمقراطية. وسوف يكون لهم بالطبع خطوطهم الحمراء. إما أن يقبل الإخوان ذلك، وهو عودة صريحة لعصر مبارك، لكن أسوأ بالطبع. فسوف يتم التخلص الهاديء والتدريجي من “رؤوس الفتن”. والاحتمال الآخر هو انقضاض وحشي على الإخوان بغرض القضاء التام عليهم، بشكل يختلف تماماً عن علاقة الإخوان بنظام مبارك. ففي زمن مبارك كانت العلاقة شد وجذب، تفاهم هناك وسجن وتعذيب هنا. ويمكنك الرجوع لتصريحات قادة الإخوان في هذه الفترة، بداية من المرشد يعلن موافقة الجماعة على تولي جمال مبارك الرئاسة خلفاً لمبارك، ومروراً بصور صبحي صالح الحميمة مع زكريا عزمي، وانتهاء بتصريحات محمد مرسي عن شخصيات “وطنية” هم تماماً رؤوس الفساد في النظام المتساقط. وهذا احتمال كارثي لسببين، أولهما أنه لا يمكن قبول التعامل الأمني مع الإخوان للقضاء عليهم لأنه في كل الأحوال منهج ظالم غير أخلاقي، وثانياً لأن الإخوان لو تم وضع وجودهم نفسه في خطر فقد تتجه مصر إلى صراعات مسلحة.

أما سيناريو فوز مرسي في رأيي فهو بقاء العسكر خلف الستار، وإعطاء بعض الصلاحيات الجزئية للرئيس، فيما يشبه نسخة معدلة من حكومة شرف. ولو حاول الإخوان الحصول على أكثر مما يريد العسكر إعطاؤه فما أسهل تدبير انقلاب عسكري عليهم، أو إخراج ملفات، حيقيقة أو مفتعلة، تنهي وجود الإخوان. والاحتمال الأقرب هو سلوك الإخوان طريق النفس الطويل: الرضا بما قسمه لهم العسكر في الوقت الحالي من صلاحيات جزئية، والتخطيط طويل الأمد حتى إحلال الجماعة في الجيش والداخلية على مدى العقد أو العقدين القادمين، فالقيادات العسكرية الحالية إلى موت وزوال أما الجماعة فباقية. ولن نفيق بعدها إلا على دولة مصرية يسيطر عليها فصيل واحد. ومهما آمنا أن هناك ألوف مؤلفة من المخلصين الطيبين في صفوف الإخوان، إلا أن الواقع يقول أن السلطة المطلقة تأتي بالذئاب وتهمش الحملان أو تأكلها! إن الرهان على العناصر الطيبة داخل الإخوان رهان خاسر، لأنهم إما أنهم يكتفون بالمعارضة الداخلية – داخل الجماعة فقط – غير الفعالة، أو يقنعون أنفسهم أن قياداتهم لها ولا شك رؤية تخفى عليهم وبالتالي يعطونهم ثقتهم وطاعتهم، أو يعترضون حقاً فتلفظهم الجماعة. يعني في كل الأحوال تمكن الإخوان من خيوط الحكم كلها لن يأتي إلا بأسوأ ما فيهم. ولن يحدث ذلك فجأة بالطبع، ولكن بالتدريج سوف يقوم محامون مجهولون مثلاً بإقامة دعاوى ضد الكتاب والفنانين والمفكرين المخالفين، جميعها باسم الدين، وبالتدريج ننزلق إلى نموذج “الثورة الإيرانية”.

لعلني أطلت أكثر من اللازم وقد أكون عجزت عن تبيان كل ما أراه. لكن الخلاصة أني أرى الثبات في نفي كل ما لا يستحق “نعم”، حتى ولو لم يتوفر لنا البديل الجدير في الأفق المرأي. واستكمال الثورة بروح “لا” الجبارة التي تقضي في طريقها على كل باطل. وسقوط الباطل، الواحد تلو الآخر، سوف يأتي تلقائياً بحقائق جديدة وجديرة، لو صبرنا كما صبر أبونا إبراهيم عليه السلام!

الفرخة الجميلة والديك الوسيم

اختلاف الوجوه وتمايزها بين البشر من إبداعات الخلق المعجز ولا شك، لا سيما وأن تضاريس الوجه البشري هي هي. فالأنف دائماً ما يعلو الفم، ولا يوجد أبداً حاجبان أسفل العينين، وكل فم بشري يحتوي على شفتين اثنتين، الخ الخ! ومع ذلك فأنت ترى “عمر” صديقك أو “سحر” أختك فتعرفهما فوراً دون تفكير أو تدقيق.

لكنك لو رأيت مائة وجه غريب في وقت واحد فلن تشعر بتفرد كل وجه واختلافه الجذري عن كل وجه آخر. وربما بدت لك كل هذه الوجوه متشابهة. لماذا؟ ربما لأنك لم تتعرف بعد إلى الروح الكامنة خلف الوجه؟ هذه الروح المتفردة تضفي على كل وجه تميزه واختلافه عن غيره من الوجوه؟

فكر أيضاً كيف أننا نشعر أن الأجناس البعيدة، مثل أهل الصين مثلاً، لهم جميعاً شكل واحد! والواقع بالطبع أنك لو تعرفت على رجل صيني أو امرأة يابانية وعرفت اسمه واسمها فسوف تستطيع التعرف على هذا الوجه الصيني بين ملايين الوجوه الصينية الشبيهة! هل تظن مثلاً أن الرجل الصيني لا يستطيع تمييز زوجته من زميلته؟ أو معرفة إن كان هذا وجه أخيه أم وجه رجل آخر؟ بالطبع لا! لماذا؟ لأنهم في الواقع يشبهون بعضهم البعض فقط من بعيد، لكن الاقتراب الكافي من كل وجه يكشف عن تفرده الواضح.

كل ما سلف بديهي تماماً. لكنه قادني للتفكير في أجناس أخرى ننظر إليها وكأنها جميعاً شيء واحد، أقرب للآلة. السيارة الفلانية من الموديل الفلاني والعام الفلاني هي بلا شك توأم مطابق تماماً لأختها من نفس الموديل. لكن ماذا عن كل هذه القطط التي يشبه بعضها بعضاً؟ ألا ترى أن جميع الدجاجات هي نسخة طبق الأصل؟ هل نحن على يقين من ذلك بالفعل؟!!!

ربما لا نستطيع تمييز كل دجاجة عن ملايين الدجاجات الأخرى لأننا ببساطة لم نقترب منها بما فيه الكفاية ولم نتعرف إلى “شخصيتها” الكامنة خلف جسدها الدجاجي اللذيذ!

إن القران يحدثنا، كما تعلم، عن نمل يحدث بعضه بعضاً بل ويعرف أنبياء البشر بالاسم والرسم (النملة التي نبهت أخواتها أن يفسحوا الطريق لنبي الله سليمان – عليه السلام – حتى لا يهلكوا تحت أقدامه وجنوده!).

بل قد نذهب لأبعد من ذلك ونتخيل أن النمل والدجاج والقطط والكلاب هي أيضاً يعجب بعضها بعضاً، وهنالك منها من هو قبيح ومن هو جميل في أعين عشيرته! ولم لا؟

نحن نقضي جل أعمارنا غافلين عن الكون غارقين في حدود ضيقة هي حدود ذواتنا. ولعلنا لا نرى من الحياة الحقة حولنا إلا مسافة شبر واحد أو أقصر! والرؤية الحقة تتطلب تصحيح أداة ليست هي العين لكنها البصر والبصيرة. لعلنا لن نتوقف عن الانبهار يوم واحد لو ازدادت أبصارنا حدة في نظرنا لما اعتدنا من أشكال الحياة والأحياء على هذه الأرض الصغيرة السابحة في الكون الواسع!

نور الشمس ونارها

الشمس موجود يفوق الخيال وتتعذر حقيقته على التصور.

موجود واحد قد يحيل حياتك نعيماً أو جحيماً أو هلاكاً قاضياً.

العجيب أن الشمس مدمرة إذا غابت أكثر من اللزوم أو ظهرت أكثر من اللزوم!

نحن نهلك في برد قارص إذا غابت عنا الشمس غياباً حالكاً، تماماً كما نهلك في حر حارق إذا اقتربت منا اقتراباً يفوق احتمالنا!

يكفي أن تنظر في النور والنار، وهما من صميم حقيقة الشمس، لترى النعمة والحياة والنقمة والموت ما بين جلوس الواو وقيامها لتصبح ألفاً!

كان الإنسان في طفولته العلمية يظن نفسه مركز الكون والشمس من حوله تدور، ثم ما لبث أن تبين له أن أرضه بأكملها تدور حول الشمس وتتعلق بها حياتها.

والشمس تطلع على جموع غفيرة من البشر والكائنات فتشملهم جميعاً بحضورها، فيأخذ كل منهم منها قبساً وهي الواحدة وهم المليارات.

غير أنها لا تشرق على الجميع في ذات الوقت. ففي جانب من الحياة ينعم فريق بالنور والدفء، وعلى الجانب الآخر يرقد فريق في العتمة. وتنمو الزهور على جانب وتغطي الثلوج الباردة كل شيء في جانب آخر. كل هذا من فعل الشمس!

إن الشمس لا تطلع عليك إن طلبتها وجلست! عليك أن تذهب إلى الجانب المشرق من الكون، وإلا فلتقبل بنصيبك من الظلمات.

فإن علمت أن الليل قدر لا مفر منه أينما ذهبت في أرجاء الكون، فانظر إلى الشمس في داخل إدراكك لوجودها خلف ظلمات غيابها.

تنظيف الوعي الديني المصري

رأينا في ميدان التحرير ما لم نره في مصر من قبل بهذا الشكل، وربما في العالم أجمع، حينما جمع ميدان واحد بين مسلمين يصلون صلاتهم الإسلامية، ومسيحيين يصلون صلاتهم المسيحية. ليس ذلك فقط، لكن أضاف لرمزية الحدث أن المسلم يحمي المسيحي في صلاته، ثم يقف المسيحي ليحمي المسلم في صلاته. لو احتفظ المصريون بهذه الروح وهذا الفهم للدين، وحافظوا عليها، فلن نخشى على مصر بعدها أعتى المؤامرات الداخلية والخارجية أو حتى المريخية.

على العقلاء منا أن يحاربوا أمراضاً عقلية وروحية هدامة تدفع بعض من لم ينضج وعيهم الديني أن ينظروا بريبة وقلق إلى أصحاب الديانات الأخرى. يجب أن نتعلم أن القلوب يطلع عليها الله وحده، وأن الخالق يعلم بلا شريك من هو المستحق لرحمته ومن هو المستحق لعذابه. لا يستحق الريبة والإدانة والاستبعاد إلا من يؤذي الناس. أما من يخالف دينه ديني فهو إنسان له نفس حقوقي وعليه نفس واجباتي، نحكم عليه وفقاً لعمله وسلوكه بين الناس. والإنسان نقي الفطرة هو أقرب لأمثاله – ولو اختلفوا عنه في الدين – منه إلى أهل دينه من أصحاب الفطرة الملوثة. إن المسلم الصادق أقرب للمسيحي الصادق من قرب كل منهما للكاذب من أبناء دينه. والمسلم المحب لوطنه أقرب للمسيحي المحب لوطنه من قرب كل منهما لمن لا يهتم لمصلحة وطنه من أهل دينه.

إن مصر لن تنهض وتحيا على أكتاف مسلمين يريدون أن يجعلوا مصر دولة يعيش فيها المسيحي وكأنه ليس في بلده، ولا على أكتاف مسيحيين يؤمنون أن المسلمين وافدين على مصر وليسوا مصريين أصليين! هذا جنون لوث عقول وقلوب الكثير من المصريين على الجانبين. والمصريون الذين أنجزوا ثورة يناير التي علمت العالم كله معنى الثورة السلمية، ومعنى الصلاة الجماعية للمسلم والمسيحي، هم القادرون وحدهم على ترسيخ هذه الروح في مستقبل مصر.

لماذا يفنون أعمارهم من أجل ورقة؟!

الفساد في الدول غير الحرة يهيء مناخاً مواتياً لجمع ثروات هائلة لدى فئة لديها من أدوات النفاق واستسهال الكذب وغض البصر عن حقوق الآخرين ما يتيح لها فرصاً سانحة لجمع المال.

الباحثون عن المال بشتى الطرق يريدون إسعاد أنفسهم بلا شك، وعائلاتهم معهم. يعطيهم المال الكثير من المميزات وأسباب المتعة المادية والراحة والرفاهة. لكن ما يثير حيرة بقية الفئات التي فاتها نصيبها أو حقها في هذا المال هو ما يفعله كبراء البلاد ببقية الأموال المخزنة في البنوك. ماذا سيفعل السيد الحاكم أو السيد المسئول أو السيد “رجل الأعمال” بمليار دولار في حساب سري في سويسرا؟ هل يؤمن مستقبله؟ ألا تكفيه مائة مليون دولار مثلاً لتأمين مستقبله؟ هل سيعيش حياة بائسة لو تخلى عنه عرشه فجأة فوجد نفسه مضطراً للحياة بمائة مليون دولار فقط بقية عمره؟

لكن البعض لا تكفيه حتى المليار دولار. يواصل الجمع. يشتري القصور والعقارات في بلاد الله. وتزيد الأموال السائلة في الحسابات البنكية، خارج بلده بالطبع. وربما يعيش في بلد تحيا فيه عائلات بأسرها في شهر كامل على ثمن وجبة طعام واحدة فاخرة (أو فاجرة) في كرش سيادته.

لابد أن هؤلاء السادة يتمتعون أيضاً بقدرة عبقرية على إغلاق مسام الإحساس الإنساني لديهم حتى لا يزعجهم التفكير في الفقراء والبؤساء. لكن ما مقابل إغلاق هذه المسام الإنسانية في وعيهم؟ ما هي بالظبط قيمة الأموال المتراكمة في البنوك؟ ألا يتحول المال إلى مجرد ورقة حينما يرقد ساكناً في الأرصدة؟ هؤلاء الأكابر لا يحصلون من هذه الأموال الإضافية إلا على ورقة أخرى مكتوب عليها رصيدهم المنتفخ، وهو مجرد أرقام! لا يستطيعون حتى لمس الأوراق الدولارية الخضراء في بطون البنوك الأجنبية، لكن ذلك أفضل عندهم من خروج الورقة من بطن البنك لكي تضع طعاماً في بطن الجائع!

هؤلاء البائسين يقتلون أرواحهم من أجل أوراق وأرقام نظرية لا يتسع لها جوف إنسان مهما كان حجم “كرشه”!

خطط روحية

مع بداية كل عام نحضر الأوراق والأقلام ونخط أهدافنا وخططنا للعام الجديد أو المرحلة القادمة. وبعضنا يقسم الأهداف إلى أنواع مختلفة تبعاً لمجالات الحياة والاهتمامات: أهداف عملية، أهداف مالية، وربما أيضاً أهداف دينية. لكن ما طبيعة أهدافنا الروحية والفكرية؟ هل نضع لأنفسنا أهدافاً وخططاً لتحقيقها في هذه الخانة؟

ما أراه أن أكثرنا يحصر الأهداف “الروحية” في أهداف “دينية”. ثم يخنق الأهداف الدينية في عبادات. من قبيل ذلك مثلاً: قراءة القرآن (أو الانجيل) كاملاً، ختم القرآن مرة كل شهر، الصلاة لوقتها، صلاة النوافل، زيادة الصدقات، الصيام يوماً أو يومين كل أسبوع، قراءة صحيح البخاري، إلخ.

لكن هذه كلها ليست أهدافاً روحية بالمعنى الذي أريده هنا. بل وأزعم أن هذه الأهداف أحياناً ما تفسد حياتنا الروحية بدلاً من الارتقاء بها. لقد اصطفى الله أولى العزم من الرسل بعد رحلة روحية وفكرية تأهلوا بها لحمل الرسالات. فنبي الإسلام قضى أعواماً من عمره يعتزل شهراً كل عام للتأمل، فيصعد إلى جبل يرى من فوقه الدنيا والناس صغيرة بعيدة، ويرى الكون والنجوم في سكونها وحركتها. لم يقم النبي في حراء بصلوات معلومة ولم يتمتم بأذكار محفوظة، لكنها كانت رحلة تفكر حر في الكون. وموسى عليه السلام تقلبت به الدنيا بين القصور والجحور، بين الرخاء والشدة، والسفر ورعي الغنم في الصحراء ولا شك أن كل ذلك صقله صقلاً روحياً وفكرياً. وأبو الأنبياء إبراهيم تفكر في الكون وفي الألوهية، ونظر في الشمس والقمر والنجوم قبل أن يحمله الله الرسالة وينعم عليه بالحكمة. لسنا أنبياء، لكنهم قدوتنا. ورحلتهم الروحية والفكرية بدأت بالتأمل والتقلب في الحياة والأرض قبل تلقي الفروض العبادية من صوم وصلاة وزكاة.

نستطيع أن نحكم على مدى جودة حياتنا الروحية بيسر شديد، وهي الخطوة الأولى نحو أي هدف، وهي مرحلة التوصيف أو التشخيص. إن الفراغ الروحي هو حالة وجدانية يعرفها الكثير من الناس، وهي تدل على تأخر شديد فيما حققناه على المستوى الروحي. إن الروح هي جوهر الإنسان الحقيقي، والحياة بدونها معدومة الطعم والرائحة. إذا كانت أيامك وأفعالك خالية من المعنى، فأنت خال من الروح. إذا كنت لا تشعر بالألم والغضب لآلام البشر وما يقع عليهم من ظلم، فأنت متأخر روحياً. إذا كنت تنظر في الكون ولا يتحرك قلبك للجمال والإبداع في خلق السماء والأرض والناس، فأنت تشترك مع الملايين من الناس في التخلف الروحي.

أنا لا أستطيع أو أستسيغ الفصل بين الفكر والروح، بين الرقي الروحي ورقي الفكر. إن الفكر هو أداة الروح، كما أن اللسان هو أداة الكلام، واليد أداة البطش، والرجل أداة الحركة من موقع إلى غيره. ومن ثم فإن ترقية وتنمية الروح تبدأ بأداتها: ترقية وتنمية حياتنا الفكرية. الجهل عدو الروح. والجهل وتقدم الفكر لا يعنيان الشهادات الجامعية أو عدمها بالطبع. لكن أعراض الجهل تظهر في أشياء أخرى مثل ضيق الأفق، عدم القدرة على نقد الذات، لوم الآخرين، عدم الثقة في النفس، الغرور، استسهال الكذب… نعم للجهل علاقة وثيقة بسوء الخلق! هذه كلها كالسوس ينخر في كياننا الروحي فيدمره إذا لم نبدأ عملية الإنقاذ بوعي وجدية.

إن روحنا أو فكرنا هما حياتنا ذاتها. وتهميش هذا الجانب لوجه أهداف أخرى هو عبث يقضي على حياة الفرد. وماذا نملك غير حياتنا هذه؟ لا شيء بالمرة. ومن ثم فعلى كل عاقل أن يبدأ في التفكير والتخطيط لكي يخرج نفسه من الموت إلى الحياة ويخرج جسده من كونه جثة متحركة ويحوله إلى مركبة تتحرك عليها الروح في رحاب الكون والحياة وترى ما فيهما من إبداع وإبهار.

الوجه المظلم للتعود

إن التعود يفسد علينا أشياءً كثيرة. يفسد الإحساس ويعطل الفهم. نتعود على الكلمات في حملها للمعاني، فيبقى الصوت ويضمحل المعنى. وكأننا نستبقي الفاني ونترك الخالد كي يسقط في ظلمات من نسيان. غريب أمر العادة: قد تقبح إلينا الحسن، وتزين القبيح! ألا ترى إنساناً يعتاد وجود أحباب له محبين، فيضيق بهم بين الحين والحين، ولا يعبأ بحسن وجودهم! ثم ألا ترى إنساناً وجماعات تعتاد مشاهد القبح والظلم والعبث، فتراها في كل يوم كما الأعمى تتقلب عيناه في وجهه ولا يرى شيئاً! وحاشا لله أن أسخر ممن حرم نعمة البصر، لكن لي أن أقذع فيمن فقد ضرورة البصيرة!

لكننا لا ننكر منافع التعود. فهو الذي يهيء لنا أن نكتسب المهارات ونتعلم الخبرات، فيصبح العسير سهلاً مع تكرار الممارسة. هو خاصة إنسانية ضرورية لاستمرار الحياة وتراكم الخبرات وتقدم البشر. فهو ضرورة للحياة في جوانبها الآلية، أو اللاإرادية، لكنه حين ينسحب من النشاط الآلي إلى وجودنا الفكري والروحي يفسد وظائفهما ونشاطهما الحقيقي. نحن لا نستغني عن التعود في اكتساب المهارات البدنية مثل قيادة السيارة، ولا نستغني عنه في النشاط العقلي الآلي مثل تعلم اللغات واكتساب المهارات العقلية. لكنه حين يمسك بالفكر والروح يصبح مصيبة تدمر خصائص الإنسان وإمكاناته التي تميزه وتفضله على كثير ممن خلق الله.

إن المسلم يعتاد سماع آيات القرآن حتى يصبح مغيباً عن معناها. وقد أذهلني أحياناً وأنا أحاور البعض أنهم يحفظون الآيات لكنهم لا يكادون يفقهون معناها. علينا أن ننقذ أنفسنا وأفهامنا وحياتنا أن نكون كالحمار يحمل أسفارا. نرى الأشياء ولا نراها، ونردد الأفكار والشعارات وكأنها زائدة كلامية لا تمثل جزءاً حياً من كياننا المعنوي. أسوأ العلم هو ما يرقد ميتاً في جوفنا حتى تتعفن رائحته. إن العادة أحياناً ما تيسر لنا أن نقتل المعاني ونلقي بجثتها خارج قلوبنا ووعينا دون أن يطرف لنا جفن!

كيف ننقذ أرواحنا من أن تتحول إلى مقبرة للجثث المتعفنة تتبعثر فيها أشلاء المعاني النبيلة والأفكار الجميلة؟ إنه لا ينقذنا إلا الفكر والتفكر. لا مفر من فتح النوافذ كي نجدد الهواء. أترى، “نجدد” الهواء! التجديد فضيلة مادية وروحية، لولاها لفني الكون. جسدنا ذاته مسرح يومي للتجدد، حيث تموت الخلايا وتولد غيرها، ولو توقف هذا التجدد لتوقفت حياتنا على الأرض. لابد أن نرى ونتعلم ونقرأ أشياء مختلفة ومخالفة لما نعتاد عليه، بل ولما نؤمن به. إن التعود في وجهه القبيح هو بقاء كل ما حولنا على ما هو عليه. ومن قبح الفساد السياسي أنه يجعل الشعوب سجينة الموجود، لا أمل في تغيير المعتاد أو تحسينه. إن أجمل رؤى الدكاترة والطغاة هي أن تعتاد شعوبهم كل شيء حولها. حينها يصبحون مطية سهلة يقودها الرعاة حيثما تشاء أهواؤهم وطموحهم المالي والسياسي. يتحول الناس مع اعتيادهم على السوء إلى آلات يمكن التنبؤ بسيرها ومسيرها. لو لم يخرج الفرد نفسه من غيبوبة التعود لحكم على نفسه وجماعته بالفناء الروحي وأصبحوا جميعاً أجسادً ميتة تمشي على الأرض فلا تتغير حولها الأرض، وكأنهم قطعان مسكينة تحوطهم كلاب الحراسة، تأكل وتشرب حتى يأتي يوم يعن للراعي أن يذبح أحدها!

تفتيت العام الجديد

للتفتيت في المعتاد سمعة رديئة. فالتفتيت هو تحويل الكيان إلى فتافيت، إلى قطع أصغر، والإنسان يسلم عادة أن الأكبر أفضل من الأصغر، وأن “الفتفوتة” شيء حقير صغير! لكني هاهنا أعرض أوجه إيجابية للتفتيت وأحث عليها! وليس هذا بالحديث النظري وإنما هو محاولاتي الشخصية لإصلاح جوانب قصور عديدة في معيشتي، لك أن تسميها تطويراً ذاتياً self-improvement إن شئت استحضار هذا العلم، أو هذا الفن، أو هذا الدرب من الأحاديث الرائجة – دائماً – المكررة والسطحية والمنقولة ترجمة حرفية – أحياناً! أما محاولاتي الذاتية في التطوير الذاتي فأنا أحاول إثباتها بشيء من التفصيل – على قدر الطاقة – هنا في مدونتي الإنجليزية.

عودة إلى التفتيت! إن الإنسان عادة يحب الأهداف الكبيرة والإنجازات العظيمة. وفي محاولاتنا الذاتية لتحسين حياتنا قد نضع أهدافاً لكل عام جديد، وخططاً لتبني عادات جديدة إيجابية، لكن يبدو أن هذه الأهداف والخطط لا مستقبل لها في أغلب الأحوال. فهي تولد في العقل أو توضع على الورق وتذبل في موقعها حتى الموت. فهي كالبذرة، أقصى ما نفعله أن نحصل على البذرة ونسعد بإمكانات ما تحمله هذه البذور بعد نموها، لكن البذرة تموت بعد قليل بفعل الإهمال والنسيان. والبذور كثيرة لا عدد لها، غير أن ما ينمو منها هو فقط ما يوضع في تربة خصبة، ويعتني به مزارع يقظ نشيط!

لكن الأهداف الكبيرة كثيراً ما تأتي بنقيضها تماماً، إذ أحياناً ما يؤدي الهدف الكبير إلى إنجاز حقير، أو لا يؤدي إلى شيء بالمرة، ويودي بنفسه إلى التهلكة! إني قد أجد ورقة رسمت عليها أهدافاً لعام سبق، فأنظر في التاريخ الحاضر فأجدني، منذ عام كامل مر على كتابة هذه الأمنيات، لم أفعل شيئاً يذكر في سبيل إنجاز ولو جزء منها.

من هنا رأيت أن أغير مذهبي في هذا العام الجديد، بعد أن سلمت أن الأهداف الكبيرة كثيراً ما يكون مصيرها سلة مهملات الزمن على أي حال! إن العام ينقسم إلى حوالي خمسين أسبوعاً أو أكثر قليلاً، فلم لا أقسم، أو “أفتت” كل هدف أو تغيير منشود على هذه الأسابيع: كل أسبوع فتفوتة سهلة صغيرة!؟ لن أفكر كما ينصح خبراء التطوير الذاتي في بلوغ إنجاز محدد، لكن في مجرد تخصيص بعض الوقت كل أسبوع لهذا المسعى أو ذلك الهدف. أليس ذلك أفضل من حلول نهاية العام وكأن شيئاً لم يكن وكأن عاماً لم يمر!؟ إن نصف ساعة فقط أسبوعياً سوف تتراكم في 25 ساعة بنهاية العام، أليس ذلك أفضل من لا شيء؟ أليست 25 ساعة من تعلم لغة جديدة مثلاً أفضل من الجهل المطبق بها؟

أنا أرى أن هذه الآلية التفتيتية تصلح بوجه خاص مع الحالات المستعصية مثل العبد لله! فهي تيسر المهام الجديدة التي يتخوف منها الإنسان أو لا يجد دافعاً قوياً في نفسه للاستمرار في العمل عليها. ولا حاجة لها فيما نتمكن منه بالفعل ونواصل العمل فيه باستمرارية معقولة. أما المرحلة الأصعب، مرحلة الانطلاق من السرعة “صفر”، مرحلة عدم اليقين من قدرتنا على الاستمرار وعدم التوقف والنسيان بعد فترة وجيزة، مما يقضي على أي إنجاز ممكن، هذه مرحلة الميلاد الصعبة التي قد يفلح التفتيت في كسر شوكتها وجعلها أطوع لنا وأيسر وأكثر دواماً.

عدت يا يوم مولدي!

أتعرف هذه الأغنية لفريد الأطرش، كلمات كامل الشناوي: عدت يا يوم مولدي؟ ليست هي الأغنية المناسبة للاحتفال بعيد ميلادك بأي حال، رغم أنني كنت أحياناً ما أستمع إليها يوم عيد ميلادي! نعم كنت مكتئباً وحزيناً في بعض الأوقات، وأحياناً في كثير منها! غير أنني اليوم أستعير من هذه الأغنية المشجعة للاكتئاب في يوم عيد الميلاد عنوانها فقط. لقد بلغت من العمر ثلاثة وثلاثين عاماً منذ شهر تقريباً، فقلت لنفسي سوف أقدم لك وقفة تأملية وجيزة في هذه المناسبة!

* مرت على هجرتي في الولايات المتحدة سبعة سنوات. مرت مسرعة وأنجزت فيها القليل كما أضعت الكثير، أو هكذا أظن. فإذا مرت سبعة أعوام مثلهم دخلت في العقد الرابع من عمري! هكذا اقتربت الأربعين، أو اقتربت أنا منها! لقد يغير عام واحد عقداً كاملاً، والتحولات الحياتية تحدث بين يوم وليلة أحياناً. قد أبلغ الأربعين وأنا كما أنا أو أكاد، وقد آتيها وقد أنجزت ما تأخرت في إنجازه وفعلت ما طال تأجيله، الله وحده أعلم. بل وهل يعلم إنسان أصلاً ماذا يكسب غداً، أو بأي أرض وفي أي وقت يموت!

* أؤمن تماماً أن التغير الحقيقي للإنسان وحياته لابد أن يحدث أولاً في داخله، في عقله ونفسه. لذلك لا يقلقني كثيراً أن أنجز أشياءً ملموسة بقدر أن أصل إلى حالة إدراكية ومنهج حياتي يرضيني. إذا تحقق ذلك فقل على الدنيا السلام!

* ما زلت داخل جدران حياة ذاتية. هل ستأتي الأربعون وقد تخطيت نفسي وخرجت إلى الحياة الحقة والنور؟! إنني أعتقد أن الإنسان الذي يحيا في إطار حياته وحاجاته، همومه وطموحاته الخاصة هو إنسان مقطوع عن نبع الحياة الحق. ولن يشعر المرء بطعم أن يكون حياً قبل أن يفر من هذا الحبس الذاتي، الاختياري، بالفكر والعمل، ويكون الإنسان إنساناً (الجانب الإنساني الذي أسجد الله له الملائكة) بقدر ما يهتم بأمر الناس والأرض، وبقدر ما ترك من أثر، وأعان من بشر، ودرأ عن الأحياء من أذى وخطر.

* إن نهاية الطريق المحتومة والمعلومة هي الموت. وكأن الإنسان يسير في خط مستقيم نحو هذه الوجهة، ومهما باعدت به خطواته بين أهداف وآمال أو قربت، فإنها تقربه من الموت مع كل يوم يمر! وكأن الموت هو الهدف الأوحد المضمون لنا بلوغه! وبرغم ما قد يبدو في ذلك من تناقض ظاهر، فالحق أن الإنسان يزداد حياة كلما أدرك حضور الموت واستحضر حتميته، ورأى الأشياء والأحياء والأنباء من خلال عدسته!

مهاجرون يكتبون

لقد خلقت الأرض وسخر ما فيها للإنسان. والإنسان – لذلك – هو أهم كائن يسكن هذه السفينة العائمة في فضاء الكون. ولا توجد حياة حقة لفرد لا يتصل بغيره ولا يهتم لأحد ولا يهتم أحد له. فالحياة – حقاً – هي الناس. والحياة روضة لمن أصلح واتصل، وكبوة لمن أساء وانقطع.

وأنا أحمد الله على كل إنسان يصلني به. فحياة كل فرد منا تزداد وتزدان مع كل إنسان طيب نتعرف إليه. وقد تعرفت حديثاً – تعارفاً هاتفياً – على مهاجر مصري بادر بالاتصال بي وتعريفي بنفسه وبمدونته التي بدأها منذ أيام معدودة برسالة كتبها للرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما. وربما تكون هذه المرة الأولى في حياتي التي أشهد فيها رئيساً يسعد به هذا العدد من الناس، بهذا القدر. بل وأول مرة هي يرتبط فيها تجدد الأمل بانتخاب رئيس جديد. لاسيما أنه جاء بعد سنوات عجاف ومظلمات لرئيس وإدارة مكروهة.

هكذا أحببت أن أقدم هذه المدونة الجديدة وأن أشكر صاحبها على ثقته واتصاله بي وتعريفي بنفسه. وأرجو أن يمن الله عليه وعلينا جميعاً بجبر ما انكسر، وتيسير ما عسر. وإن الله هو الحق، ومن ثم فالعدل والرحمة والنور والفتح والرزق والهداية جميعاً من حقائق الحياة القاهرة الظاهرة، مهما تخفت في الظلمة حتى نظن أنه لا وجود لها. والصبر اختبار صعب لكن في ثماره الشفاء والفرحة حينما يحين وقتها. وكل آت قريب!

ولا ننسى أيضاً أن شدة النقد علامة الحب والهم، وتجاهل الأخطاء والسيئات دلالة على البلادة أو النسيان!