عين

مكتوب على جبهته : الأرض مكانك.. لا تحاول. ولكنه يريد أن يطير، كيف يهيمن عليه قانون الجاذبية وهو ليس إلا قانون بين ماديات لا تفقه.. قانون يستمد وجوده من علاقات بين أشياء وليس له وجود حقيقى مثله.. هو كيان مدرك، يستسلم لقانون لا يشعر حتى بنفسه! سيطير.. سيحاول بكل ما أوتى من يأس.. ها هى الأرض.. سأرتفع.. سأطير.. الأرض بعيدة والبيوت صغيرة.. أنا أطير.

كانت الصدمة مُذلة حينما سقط من هذا العلو، أما البيوت الورقية فتكسرت تحت صدره. شعر بالعجز.. والألم.. مع أن جسده انثنى فقط فوق النموذج الصغير للمدينة. لقد احتقر القانون الأصم، وتجاهل أن جسده من مفردات هذا القانون ذاته.. فكيف يتعداه! أمسكتُ الحلم وأغرقتُه حتى سكنت حركته، أخرجتُه ورميته فى احتقار.. لم أكن أستحق إلا هذا.

فكرة جميلة.. ركب المصعد إلى آخر الأدوار، وألقى نفسه بين أحضان قانون الجاذبية.. لقد كان القانون كريماً على كل حال.. جسده مقابل دقائق فى الهواء.

الطيور تحوم فوق الجسد الممزق. هبط طائر صغير رقيق ووقف فوق الوجه الساكن. داعب بمنقاره الدقيق بقايا دمعة سابحة بين الرموش. ثم وقف على عينى، وعلى جبهتى حفر أغنية اليأس الأبدى.. ثم طار عاليا لينضم إلى رفاقه، واختفوا بعيدا فى السماء.

كتبت في 23 يونيو 1995

خبرة

هذه الأجسام أعدادها لا تحصى، قد غطت تماما كوم القمامة. وحينما عاد العجوز المريض وضرب فيهم بعصاه هاجوا قليلاً فى الهواء ليعودوا بعد ذهابه إلى طعامهم.

ضايقتنى حركتهم العشوائية المندفعة وهم يصطدمون بى، تركتُهم ورائحة القمامة تلاحقنى، والتفتُ إليهم فى سخرية محبَطة.

ألن أحتفظ بصورة العجوز المريض كى أكسر الدائرة وأتحرر.. تذكرتُ كثرة التجارب المريرة وازددت إحباطا.

كتبت في 23 أبريل 1996

خيال

نظر إلى ما بين يديه وقال: هذه هى الشمس.. ثم فكر قليلاً: نعم، والأبيض حولها هو السحاب.. ثم مد قطعة الخبز الصغيرة بيمناه واغترف من السحاب وأكل.. وما بين لقمة شمس ولقمة سحاب حتى انتهى منهما.. فقام وجهز شموسا أخرى وأكلها والسحاب.. فشعر راضيا بامتلاء بطنه، وربت على كرشه فى حنان قائلاً: لكم كان البيض لذيذأ!

حقا؟! أدرك الآن أنه أكل بيضاً لا سحاباً ولا شمساً! لو أقام فى ظنه بأنها شمس لأنارت له الليالى المظلمة – وليس كل الظن إثم.. أما الآن.. فإن الشمس ترقد ميتة فى معدته!

كتبت في 14 سبتمبر 1994

منطق

ما زلت أتقدم للخلف.. أمشى بظهرى.. أستقبل بوجهى ما انقضى من طريق.. وأدبر ما أمشى إليه! وكنت أتوهم أن فى قفاى عينان.. أو أن قفاى هو وجهى، وأننى أستقبل ما أمشى إليه، وأدبر ما انقضى.. ثم تنبهت إلى أننى أمشى بظهرى. حاولت أن أستدير فشعرت أن الاستدارة غير منطقية.. فوجدت أن المنطق السائد أن نستقبل ما نمشى إليه، فنراه، وندبر ما انقضى.. وأن المنطق يعود فيناقض نفسه.. ويقرر أن أمشى للخلف.. بظهرى.. وأشعر أن الاستدارة غير منطقية.. إن المنطق غير منطقى!

كتبت في 23 يونيو 1994

يقظة

كان جسراً يمتد فوق الماء، فإذا كنت فى آخره، أحاطك البحر، فلم تر إلا الأزرق بدرجتيه.. البحر والسماء.

هناك كنت واقفاً أنظر للمشهد الروحى وبينى وبينه حاجز.. أعجز عن تخطيه، أو معرفة طبيعته.

وبينما أنا أتحسر على انعدام حظى، تنبهتُ للرجل الواقف مستقبلاً المشهد فى سكون وصمت.. وبعد أن قطعتُ الجسر مرات جيئة وذهاباً، مراقباً إياه، وجدتُ أن الرجل وقفته قد طالت، على هيئة واحدة، لم يحرك حتى رأسه.. فحسدته على ما أوتى من حظ أن استطاع على هذا السكون وهذا التأمل صبرا… وبينما أنا بين حسرتى وحسدى فطنت إلى حقيقة ساخرة.. إن هذا الرجل نائم ! فشعرتُ بانتصار خفى وشماتة، وذهبت إليه أوقظه وعلى وجهى ابتسامة خفيفة فيها شىء من استعلاء:

سيدى.. أنت نائم؟

صدمنى الرجل فى هدوء: بل متيقظ!

كتبت في 27 مايو 1994

قارئة الكف

أمسكت بكفه ونظرت فيه، قالت له يا طويل العمر، لا يعلم له آخراً إلا الله سبحانه.

تركها وهو يفكر أيسعد أم يحزن! قال لدي من الوقت متسع لكي أفكر في ذلك. حدثته نفسه في غفلة منه، عليك أن تحتاط لسنين الكبر بقوة البدن وكثرة المال، حتى تقي نفسك ذل الحاجة في أرذل العمر.

صدمته سيارة وهو غافل يفكر، فبتروا له ساقا وذراعين. استيقظ من غفوته وتفكر، كم من الزمن الطويل سوف يعيش في سجن جسده؟ قال لنفسه حقا، كذب المنجمون ولو صدقوا، لم تعلم قارئة الكف أنني سوف أموت بعد ساعات من نبوءتها. ضحك متفكهاً، فأين هو العمر الطويل. واختار لنفسه أن تموت الان وعرف المكان.

في طريقه إلى الأرض من الطابق العشرين تفكر مرة أخرى، حتى القران فيه شك، كيف يقول أن النفس لا تدري بأي أرض تموت وهأنا أدري أين سأموت تماما، فقد رأى بمنتهى الدقة ما يقع تحت شباكه.

في جريدة الصباح تكلموا عن المعجزة، رجل يسقط من الطابق العشرين ولا يموت، غير أنه فقد كل قدرة على الحركة. مطلوب فاعلي خير يبقون بجانبه يقضون له حاجاته الصغيرة، فليس له أمل في حاجات أكبر، حتى يحين أجله، بعد عام أو بعد مائة عام، العلم عند الله.

من خطرفات قلم يغرق في قطرة الحبر الأخيرة.

نور

(1)

وقفتُ إلى نافذتى وما تستشرف، وقد قُطعت الكهرباء عن المدينة، فأظلم البيت إلا من شىء من نور هادىء… تأملتُ المصدر، فلم أجد فى تأمله إلا أنه كما هو..
القمر المكتمل كل ليلة لم يكن فى ليل المدينة إلا بقعة بيضاء منسية. قد وضح قرصُه بعد أن كان فى أطراف
البصر، وبان نورُه المنتشر فى السماء والأرض.. خافتاً.. كاشفاً.. ومتوحداً.

(2)

لأستطلع حصيلة ليلة.. الممددون على المصباح والمتناثرون أسفله فى الليل كانوا يدورون حوله حتى السقوط.. فإذا الشمس تشرق ولا تشهد منهم إلا الجثث.

بكفِّى عن الشمس حجبته.. لأرى فى ظله إن كام مضاءً أم..!! أطفأتُه. فى الليل سيسترد إضاءته، وسيدور حوله الناموس المجنون حتى يهلك.
أين هو هذا الناموس أثناء النهار..
ونور الشمس.. أتراه يذهب فيه لو رأى أصالة مصباحيتها المهيمنة..
لو فعل لما دار.. فهى أبدا تواجهه..

كتبت في أبريل 1996 ونشرت في العربي الكويتية في نوفمبر 2002