الحل الإبراهيمي للخروج من مأزق الثورة المصرية في الانتخابات الرئاسية

قضيت ليلة أمس في جلسة مصرية مغتربة على مائدة يجتمع حولها تمثيل لأطياف المصريين جميعاً أو يكاد (ثوريون ليبراليون، محبون للإخوان، محبون لشفيق، محبون للراحل عن السباق الرئاسي حازم أبو اسماعيل) نتحاور ونتجادل على مفترق الطريق الانتخابي. الأغلبية سوف تختار مرسي، عدا معسكر شفيق، وحتى أعتى معارضي الإخوان قرروا قراراً واضحاً ومتعجلاً بالانضمام لصفوف الإخوان بشكل مؤقت لمواجهة الخطر الأكبر في رأيهم. لكن كانت هنالك قلة لبثت في النفي لا تستطيع مفارقته: رفض العسكر والإخوان معهم. وكنت أنا منهم. ولا أنكر أنني فكرت بيني وبين نفسي، وتخيلتني واقفاً أمام ورقة الانتخاب: هل يستطيع قلمي النظر لشفيق دون البصق عليه؟ ثم هل أستطيع أن أخالف خلاصاتي الفكرية كلها عن جماعة الإخوان وأعطي صوتي لمرسيهم؟ أم أقاطع الانتخابات؟ وهل المقاطعة سلبية؟ الواقع أنني ظللت في حيرة حتى اطمأننت إلى المخرج الوحيد الذي أقنع عقلي وأراح ضميري، وهو ما أعرضه ها هنا، ليس لأقنع أحداً، فهو رأي سوف يقنع البعض لكنه لن يقنع الكثيرين على الجانبين. وهو اجتهاد شخصي فلسفي يلزمني وحدي ومن شابه تفكيرهم تفكيري، وكل يلزمه اجتهاده.

خلاصة المخرج الذي أراه وحيداً لخلاص مصر وانتصار الثورة هو الثبات في النفي “الإيجابي” حتى يتبين لنا ما يستحق الإثبات الحق. وهو طريق محفوف بالمكاره لكن آخره الجنة! وهو أيضاً طريق وطريقة نبي الله إبراهيم عليه السلام التي انتصر بها على الوثنية والأوثان!

لك أن تظن أنني متفلسف مجنون. ولك أن تكتفي بهذا القدر أو تصبر معي حتى أشرح وأبين فيما يلي من سطور.

دعنا أولاً نوضح ما هو واضح. هناك فريقان لا تؤرقهما ذرة من حيرة، وحلنا هذا ليس لهما قطعاً، الطرفان هما منتخبي شفيق ومؤيدي الإخوان منذ البداية. هذان الحزبان يحاولان الآن اجتذاب “الطرف الثالث” اللاإخواني-لافلولي حتى ترجح به كفة أحدهما.

دعني أيضاً أقول صراحة أن رأيي وخلافي مع منتخبي الإخوان وبعض منتخبي شفيق لا يسمح لي أو لغيري بتخوين أي مصري، ففيما عدا المجرمين المعروفين فالكل يختار وفقاً لما يراه من مصلحة بلده، واتخاذنا موقف بعينه لابد أن يظل في إطار حسن الظن بإخلاص المخالفين، حتى لو أسأنا الظن بقدرتهم على الحكم وظننا فيهم قصر النظر.

لعله من الجيد أن أقرر بوضوح أن مسار الثورة الحالي يتكون من ثلاثة أطراف متباينة وليس طرفان كما يظن البعض، والأطراف الثلاثة هي: 1. العسكر والفلول 2. الثوريون المثاليون 3. الإخوان. أما العسكر والفلول فواضحون تماماً أمام أعين الثوار ولا لبس فيهم. وأما الوهم الأهم الذي يجب معالجته هو أن الإخوان والثورة ليسا طرفاً واحداً بأي حال من الأحوال، بل هما طرفان نقيضان. والإخوان موقفهم غريب بعض الشيء، فبينهم وبين العسكر مصالح مشتركة وأخرى متنافرة، والشيء ذاته مع الثورة، لهم مع الثورة بعض المصالح المشتركة وأخرى متناحرة.

اللافلول-لاإخوان لن يعطوا أصواتهم لشفيق قطعاً. وهم في ذات الوقت ضائقون أشد الضيق بأداء الإخوان الذي رأوا فيه إعلاء لمصلحة الجماعة على مصلحة الثورة ومصلحة مصر. وهم أيضاً لا يثقون في مستقبل الثورة بين يدي الإخوان بعدما رأوه منهم. ورغم كل ذلك تعجل هؤلاء في إعلان تأييدهم – غصباً عنهم! – للإخوان لأن شرهم أهون، مهما كان، ولأنهم لا يحملون سجلاً جنائياً مباشراً وجلياً مثل سجل العسكر والفلول. ثم هناك بعض هذا الفريق الذي لا يستطيع أن يتجرع دواء الإخوان المر والمشكوك في أمره للعلاج من سم النظام المباركي، هؤلاء قرروا مقاطعة انتخابات الإعادة وإبطال أصواتهم. فأي الطريقين نختار، نحن اللافلول-لاإخوان، تحالف مؤقت مع الإخوان، أم انسحاب ومقاطعة؟ هنا كان مكمن العذاب والحيرة، ثم الحل الذي انتهيت إليه (ومعي نفر قليل ممن أعرف وأتابع)، والتأصيل الثوري والفكري والفلسفي له!

الحل الذي أشرت له بداية هو الثبات في النفي، في “لا”. التجلي العملي له في انتخابات الإعادة هو الذهاب إلى الانتخابات وكتابة “لا للفلول ولا للإخوان” أمام شفيق ومرسي. لكن الحل جذوره أعمق وأفقه أوسع من ذلك، فهو موقف ثوري وفكري متكامل. هذا الحل لا يقبل بمجرد المقاطعة، فالهدف من إبطال الصوت إبطالاً إيجابياً هو إعلان موقف وكتلة رافضة واضحة العدد والصوت، وليست صامتة في الظل. هذه الكتلة الرافضة، وعددها في الواقع ملايين تفتتوا غالباً بين صباحي ثم أبو الفتوح، لو قاطعت تماماً فكأنها لم تكن، ولو أعطت صوتها لمرسي فقط انمحت داخل الإخوان وفقدت كيانها المتميز. ولو حصل بها الإخوان على أغلبية فلن يذكرونها على أنها الكتلة التي انتخبتهم على مضض، لكنهم سوف يستخدمونها للتلويح بأن الأغلبية معهم وانتخبتهم، وبالتالي فعلى الأقلية أن تصمت من بعد وتدعهم يعملون في هدوء!

قد تظن أن الثبات في النفي – “لا” لكل الأطراف المرفوضة حتى لو لم يتوفر طرف نقول له “نعم” – هو سلبية. لكني أذكرك أنه عين الثورة وسبب النجاح المبدأي في إسقاط مبارك. لقد سقط مبارك لأن الجماهير اجتمعت على التمسك والثبات على “لا”، دون تقديم أي بديل. لا لمبارك، ولا لكل بيان وتنازل ووعد قدمه، لا وفقط. لم تكن هنالك أي “نعم” في الأفق في ذلك الحين. وكان هذا بالضبط هو سبب النجاح “السينمائي” الساحق للثمانية عشر يوم الأولى من الثورة. أما خطأ الثورة الفادح، الذي أدركته قلة في حينها وكثرة مع مرور الوقت، فكان هو التعجل في ترك “لا”، في الخروج من النفي إلى إثبات ما لا يستحق الإثبات. لو واصلت الثورة “لا” لكل بقايا النظام لما أعطيناه عاماً ونصف العام يسترد فيه الأنفاس ليقضي على الثورة على نار هادئة. وأحد أهم أدوات النظام في التعجيل بهجر “لا” هو جماعة الإخوان نفسها. هكذا خف الضغط، و”لا” النافية كانت تمثل ضغطاً لا يحتمل، عن صدور الفلول والنظام فاستطاعوا التفكير والعمل في هدوء وأوصلونا لمأزقنا الحالي.

سوف أضيف تأصيلي الفلسفي/القرآني الخاص لموقف الثبات في النفي قبل أن أستفيض قليلاً في مخاطر استعجال إثبات ما لا يستحق الإثبات، ولو بشكل مؤقت. والمرجع هنا قصة أبي الإنبياء إبراهيم عليه السلام في رحلته لهدم أصنام قومه. فلسبب ما رأيت فيها إشارات يمكن تطبيقها على الموقف الحالي. لقد بدأ النبي العظيم رحلته إلى الله/الحق بإدراك “لا”، هؤلاء “ليسوا” آلهة تستحق العبادة. لم يكن يعلم شيئاُ عن الله. فقط رفض الأصنام. ثم بحث عمن يستحق العبادة، فأعجبه القمر لوهلة، حتى أدرك حقيقته. ثم رأى نجماً أكبر وأعظم من الأصنام ومن القمر في عظمته وبهائه وقوته، فظنه يستحق “الإثبات”، يستحق “نعم”، ولكن أيضاً لوقت محدود، حتى انتبه لحقيقة أفوله المتكرر كل يوم. بعد أن يأس النبي من كل ما بدا له من آلهة زائفة، قرر الثبات في النفي، قرر الثبات في “لا”، دون أن يضمن وصوله للحق. هو فقط ثابر وصبر في نفي ما لا يستحق الإثبات. حينها فقط تولته العناية الإلهية! هذا طريق أهل الحق، وهو ليس سهلاً، فسوف تكون إحدى محطاته، بلا شك، نار يوقدها الغافلون – المثبتون لما يستحق النفي! – لأهل “لا” المخيفة، الفوضوية، عدوة الاستقرار وما عهدنا عليه آباءنا وجماعاتنا!

لعلك أدركت ما أرمي إليه من تشبيه: النظام القديم هو الأصنام، والقمر هو العسكر والفلول، والشمس هي جماعة الإخوان! والنفي الثابت الذي ثابر عليه نفر قليل هو نفي الباطل وما بني على باطل، وكل مسار ما بعد إسقاط مبارك باطل ومصائبي.

أعلم أنك ما زلت تقول: لكن الإخوان ليسوا بهذا السوء، إذا كنت من مؤيدي الإخوان القدامى أو من “المضطرين” في الإعادة بين مرسي وشفيق. أما من يفضلون الشيطان على الإخوان فما زالوا يقولون: لكن شفيق والعسكر أرحم من دولة ديكتاتورية دينية لا يكون المعارض فيها معارضاً وفقط ولكن معارض وكافر عليه لعنة الناس أجمعين! وأصر أنا ومن معي: لا هذا ولا ذاك. “لا” لمن لا يستحق “نعم”، على أن تكون لا واضحة صريحة موثقة، وليست لا سلبية صامتة.

تعال معي نتصور مسار كل “نعم”، مسار عبادة القمر أو عبادة الشمس! سأبدأ بالأسهل: لو انتصر شفيق. أرى في هذا المسار احتمالين: سوف ينتصر شفيق، ثم يعطي مهلة للإخوان ومجلس الشعب أن يصبحوا معارضة مستأنسة من لزوم الوجاهة الديمقراطية. وسوف يكون لهم بالطبع خطوطهم الحمراء. إما أن يقبل الإخوان ذلك، وهو عودة صريحة لعصر مبارك، لكن أسوأ بالطبع. فسوف يتم التخلص الهاديء والتدريجي من “رؤوس الفتن”. والاحتمال الآخر هو انقضاض وحشي على الإخوان بغرض القضاء التام عليهم، بشكل يختلف تماماً عن علاقة الإخوان بنظام مبارك. ففي زمن مبارك كانت العلاقة شد وجذب، تفاهم هناك وسجن وتعذيب هنا. ويمكنك الرجوع لتصريحات قادة الإخوان في هذه الفترة، بداية من المرشد يعلن موافقة الجماعة على تولي جمال مبارك الرئاسة خلفاً لمبارك، ومروراً بصور صبحي صالح الحميمة مع زكريا عزمي، وانتهاء بتصريحات محمد مرسي عن شخصيات “وطنية” هم تماماً رؤوس الفساد في النظام المتساقط. وهذا احتمال كارثي لسببين، أولهما أنه لا يمكن قبول التعامل الأمني مع الإخوان للقضاء عليهم لأنه في كل الأحوال منهج ظالم غير أخلاقي، وثانياً لأن الإخوان لو تم وضع وجودهم نفسه في خطر فقد تتجه مصر إلى صراعات مسلحة.

أما سيناريو فوز مرسي في رأيي فهو بقاء العسكر خلف الستار، وإعطاء بعض الصلاحيات الجزئية للرئيس، فيما يشبه نسخة معدلة من حكومة شرف. ولو حاول الإخوان الحصول على أكثر مما يريد العسكر إعطاؤه فما أسهل تدبير انقلاب عسكري عليهم، أو إخراج ملفات، حيقيقة أو مفتعلة، تنهي وجود الإخوان. والاحتمال الأقرب هو سلوك الإخوان طريق النفس الطويل: الرضا بما قسمه لهم العسكر في الوقت الحالي من صلاحيات جزئية، والتخطيط طويل الأمد حتى إحلال الجماعة في الجيش والداخلية على مدى العقد أو العقدين القادمين، فالقيادات العسكرية الحالية إلى موت وزوال أما الجماعة فباقية. ولن نفيق بعدها إلا على دولة مصرية يسيطر عليها فصيل واحد. ومهما آمنا أن هناك ألوف مؤلفة من المخلصين الطيبين في صفوف الإخوان، إلا أن الواقع يقول أن السلطة المطلقة تأتي بالذئاب وتهمش الحملان أو تأكلها! إن الرهان على العناصر الطيبة داخل الإخوان رهان خاسر، لأنهم إما أنهم يكتفون بالمعارضة الداخلية – داخل الجماعة فقط – غير الفعالة، أو يقنعون أنفسهم أن قياداتهم لها ولا شك رؤية تخفى عليهم وبالتالي يعطونهم ثقتهم وطاعتهم، أو يعترضون حقاً فتلفظهم الجماعة. يعني في كل الأحوال تمكن الإخوان من خيوط الحكم كلها لن يأتي إلا بأسوأ ما فيهم. ولن يحدث ذلك فجأة بالطبع، ولكن بالتدريج سوف يقوم محامون مجهولون مثلاً بإقامة دعاوى ضد الكتاب والفنانين والمفكرين المخالفين، جميعها باسم الدين، وبالتدريج ننزلق إلى نموذج “الثورة الإيرانية”.

لعلني أطلت أكثر من اللازم وقد أكون عجزت عن تبيان كل ما أراه. لكن الخلاصة أني أرى الثبات في نفي كل ما لا يستحق “نعم”، حتى ولو لم يتوفر لنا البديل الجدير في الأفق المرأي. واستكمال الثورة بروح “لا” الجبارة التي تقضي في طريقها على كل باطل. وسقوط الباطل، الواحد تلو الآخر، سوف يأتي تلقائياً بحقائق جديدة وجديرة، لو صبرنا كما صبر أبونا إبراهيم عليه السلام!

الحضارات بعضها من بعض

لا شيء في هذه الحياة يولد من لا شيء. من ذلك المهارات والعلوم والتقدم الفردي والجماعي بأوجهه المتعددة. لم يولد أي منا مكتمل المعرفة والخبرة والتمكن. لابد لنا أن نأخذ ممن سبقنا ونتدرب على يد من تدرب من قبلنا.

لا يوجد طبيب لم يتعلم من طبيب سبقه. ولا مزارع لم يرث فنون الزراعة ممن خبروها من قبله. قد يخطر لك أنه لابد لكل شيء بداية، ولكل فن وعلم وصنعة إنسان أول بدأها ابتداءً واخترعها اختراعاً. هذا صحيح – بعض الصحة. إن المهارات في شكلها البدائي الأول هي أبعد ما تكون عن عصرنا الحالي. وحتى الاختراعات التي تبدو حديثة ما كان لها أن تكون لو لم تمر عبر سلسلة طويلة من الخبراء والمجربين والباحثين حتى تصل إلى شكلها الذي تعرفه اليوم. الحياة الإنسانية لا يمكن أن تكون دون تسليم وتسلم. ولو انقطعت السلسلة في أي من مراحلها عدنا إلى نقطة البداية وخسرنا الكثير من الوقت والجهد والتجارب.

إن الحضارة العربية الإسلامية لم تولد من العدم، بل إن المسلمين في حضارتهم الأولى تعلموا ونقلوا من كل ما وقع تحت أيديهم من منجزات الحضارات السابقة شرقاً وغرباً. ثم استمرت سلسلة الحضارة والعلم والتجربة من حضارتنا إلى الحضارة الغربية، التي استلمت بدورها شعلة الحضارة ممن سبقها ثم مضت في طريقها تضيف إليها حتى وصل العالم إلى ما وصل إليه اليوم. وليس سراً أن العرب والمسلمين لم يضيفوا شيئاً إلى سلسلة التقدم والإنجاز منذ قرون طويلة، وكل الإضافات الشخصية التي أضافها عربي أو مسلم حدثت في إطار غربي، فأحمد زويل عالم مصري نعم، لكن كل إنجازه العلمي يحسب للحضارة الغربية لأنه لم يحدث إلا في رحابها وبفضل مؤسساتها وأنظمتها.

ثم يأتي يومنا هذا ونحن في وسط صحوة عربية أدركت أخيراً أنه لا تقدم دون حرية سياسية، وأن العائق الأول والأهم أمام تقدمنا في مدارج العلم والصحة والقوة هو الاستبداد الداخلي. ما زلنا في مرحلة الهدم، لكننا على مشارف ما سيعقب هذا الهدم الضروري من بناء. والمشهد السياسي في مصر اليوم فيه جدل كثير حول الوجهة الأصلح لمستقبل وطننا الذي نؤمن بعبقريته وقدرته أن يعلو إلى مصاف الدول الأولى والعظمى، ويترك وراء ظهره صفات وأحوال “العالم الثالث” الذي سقطنا في أوحاله عقوداً طويلة كئيبة!

وإذا استلهما فكرة توالد الحضارات بعضها من بعض، أدركنا بوضوح أننا إن أردنا إعادة ما نترحم عليه من سالف حضارتنا فعلينا أن نفعل كما فعل أجدادنا من قبل: علينا أن نتسلم ونتعلم من كل من سبقنا من حضارات، في الشرق والغرب! إن البعض في مصر اليوم يجد أن حياة بعض السياسيين في بلاد الغرب سنوات طويلة تجعلهم أقل قدرة على العمل من أجل مصر. غير أن الواقع هو عكس ذلك تماماً! إن تقدم مصر المجهض في عهد محمد علي ما كان له أن يكون دون بعثات التعلم من الغرب. كلنا يعرف رفاعة الطهطاوي وغيره ممن أيقظوا حياتنا الفكرية وأعادوا إليها الروح بعد أن خرجوا في رحاب العالم ورأوا أن بشراً آخرين سبقونا في صلاح حال البلاد والعباد. نحن نحتاج وبشدة إلى خبرة كل مصري عاش في مواقع التقدم وعرفها عن قرب، لأن من رأى ليس كمن سمع. والمرء الذي رأى أفضل ما وصل إليه العصر لن يعود إلى وطنه ويرضى لأهله دون ذلك. إنك حين تتعود الحياة في الغرب سوف تعود إلى وطنك مدركاً تمام الإدراك أن الحال يمكن أن يكون أفضل كثيراً كثيراً مما هو عليه، والدليل أن بشراً آخرين – لا يزيدون عنا في مواهبهم أو قدراتهم الإنسانية – قد بلغوا ما بلغوا من حسن الحال.

علينا أن نحتفي بكل خبرة توصلت إليها حضارات وبلدان بعيدة أو قريبة، فإنها تقدم لنا بالدليل العملي كيف يمكن لحياتنا أن تكون لو أخذنا بما أخذوا به من أسباب. لا يوجد أي سبب منطقي يحول بين المصري وبين الحياة في ذات المستوى الذي يحيا فيه أهل ألمانيا أو أهل السويد، لو أخذ بنفس الوسائل التي أخذ بها من سبقه. لا أتعرض هنا لاستيراد قيم مختلفة فيما يتعلق بالسلوك الشخصي. لكني أتحدث عن مظاهر التقدم في المدينة والمصنع والمدرسة والجامعة والوزارة والإدارة الحكومية التي تقضي مصالح الناس. في كل ذلك يعلم تماماً من عاش في بلدان متقدمة مدى الحضيض الذي يعيش فيه أبناء وطننا. وأي وطني عاقل ومخلص – يعلم حال المتقدمين السابقين – لن يرضى لبلده وأبناء وطنه أن يحصلوا على أقل من ذلك.

صواب مصر

بعد أن تمكن المرض المباركي وتوغل في جسد مصر وخلاياها لعقود طويلة، تحاول مصر الآن أن تتماثل للشفاء وتعبر مرحلة النقاهة الحرجة على خير، في الطريق نحو الشفاء الكامل والصحة الدائمة بإذن الله.

نعلم جميعاً أن هذا المرض العضال قد طال كل أعضاء الجسد المصري الكبير ونالها بالأذى. غير أن هذا التشعب لا يمنع أن نضع خطوطاً عريضة وعناوين كبيرة بهدف توضيح الرؤية وإضاءة خريطة العمل المطلوب بنظرة بانورامية أو “فوقية” للصورة العامة دون التفاصيل.

وقد فكرت في كلمة واحدة تجمع تحتها هذه الخطوط العريضة أو الخريطة العامة لمجالات العمل المطلوب لتنقية مصر من بقايا وأعراض هذا السرطان. وأردتها أن تكون كلمة سهلة التذكر، ذات معنى قائم بذاته وفي الوقت نفسه يشير كل حرف من حروفها إلى واحد من الخطوط العريضة التي يندرج تحتها العديد من المشاريع المختلفة.

فنحن نريد أن نخرج بمصر من العجز إلى الإنجاز، ومن الفشل إلى الإعجاز، وكثير منا نحن المصريون نظن في أنفسنا التفوق والتفرد والعبقرية، ولا بأس بذلك، فهذا أفضل من أن نظن بأنفسنا الفشل وعدم القدرة على التقدم. لنؤمن أننا شعب عظيم متعدد المواهب معجز القدرات، على أن نجعل من هذه الصورة محفز للعمل لا ذريعة للكسل.

ونحن نؤمن كذلك أن مصر لم تأخذ حقها من التقدم بسبب شرذمة من الفاسدين الأغبياء تمكنوا من أمرها لعقود طويلة. أي أن هذا الفشل يرجع لأخطاء وانحراف عن المسار الطبيعي، ومن ثم لو عادت الأمور إلى طبيعتها، والدفة إلى وجهتها، وتولى أمورنا خيارنا، فسوف يصحح ذلك المسار المصري ويحول وجهته من التقهقر المزمن للوراء ولأسفل، إلى التقدم المطرد للأمام ولأعلى. نحن نريد “تصويب” المسار وتصحيحه. نريد “صواب” مصر، ومن محاسن الصدف اللغوية أن هذا الـ “صواب” يضم تحته حروف يعبر كل واحد منها عن أحد عناوين التقدم الرئيسية:

- صاد الصواب: “صحة” المواطن. ونحن نعلم الواقع المخيف لصحة المصريين الذي خرجنا به من عهد مبارك. ما بين سوء التغذية المفروض فرضاً على الفقراء، إلى تلوث الطعام والشراب الذي لا يسلم منه قادر ولا معدم. وما دام تقدم الوطن هو محصلة تنمية كل مواطن، فإن صحة مصر لا تزال في خطر. وكما نعلم فإن العقل السليم في الجسم السليم، لذلك فإننا نظلم الفقراء والمعدمين إذا طلبنا منهم عقلاً واعياً ومشاركة سياسية إيجابية في أي عمل ديمقراطي. نحن جميعاً بشر. والإنسان عليل الجسد هو غالباً مريض العقل وبطيء الفهم وثقيل الهم. وعلاج صحة مصر ينطوي على مشاريع ذات طابع “إغاثي” عاجل يتعامل مع الحالات الأصعب من المرض وعدم القدرة على الحصول على الغذاء الأساسي، ومشاريع أخرى ذات أمد أطول تعالج مشاكل التلوث الغذائي والمائي والهوائي.

- واو الصواب: “وعي” المواطن. يتشكل أكثر الوعي من خلال التعليم والإعلام. ولعلنا لا نختلف أن وجود الإعلام البديل المتمثل في الانترنت كان له بالغ الأثر في إشعال الثورة بما أتاحه من اطلاع حر وتواصل بين الأفراد الذين تجمعهم رؤى متقاربة وآمال مشتركة. غير أن هذا الإعلام لا يصل إلا لنسبة ما زالت محدودة. ومع ارتفاع نسبة الأمية لدرجات مخيفة يظل الإعلام المرئي هو أقوى وسائل التأثير وأكثرها انتشاراً.

ومن ثم فإن أي عمل مجدي في صالح هذا البلد لابد وأن يبذل جهداً وفيراً لحل مشكلة الأمية بالتوازي مع ابتكار وسائل سهلة – غير مقروءة – لتوعية عشرات الملايين من الفقراء والأميين، الذين يشكلون قنبلة موقوتة لو تم تجاهلهم أو الغفلة عما يدور في عالمهم.

أما التعليم الرسمي فلا مفر من هدمه رأساً على عقب وإعادة بنائه “على نظافة”! وهو جهد مؤسسي ضروري وإن كان طويل الأمد وبعيد الثمرة.

- ألف الصواب: اقتصاد. لا مفر من التعامل مع الاقتصاد أيضاً في خطين متوازيين، أولها سريع وإغاثي في طبيعته، والثاني متوسط وطويل الأمد. ولا يجب أن ننسى الأهمية القصوى للجهد الإغاثي في خضم انشغالنا بالتخطيط البعيد والبناء للمستقبل. فهناك عشرات الملايين من النفوس البشرية تعيش تحت خط الفقر منذ عقود، في ظروف غير إنسانية بل وغير حيوانية في كثير من الأحيان!

- باء الصواب: بحث علمي. لا يقتصر البحث العلمي بالضرورة على التكنولوجيا وأبحاث تجري في المختبرات العلمية. البحث العلمي هو كل جهد عقلي منظم من أجل إيجاد حلول لمشكلات قائمة، أو خلق آليات جديدة – في أي مجال – تؤدي إلى تحسين نوعية الحياة. البحث العلمي هو أداة لإيجاد الحلول لمشاكل مادية بحتة مثل تلوث البيئة، ومشاكل اجتماعية إنسانية لا يمكن وضعها في مختبر مثل الأمية والفقر. ولا يوجد مجتمع يتحرك للأمام دون بحث متصل عن وجهات وآليات وأدوات هذا التحرك. وبدون هذا البحث المتواصل والمنهج العلمي تنتهي جماعات البشر إلى التحرك للخلف أو نحو الهاوية وهي تظن أنها تتحرك للأمام. فأحياناً ما يكون السكون والوقوف محلك سر خير وأكثر أمناً من التحرك على غير هدى!

هذا عرض متعجل للعناوين العريضة للعمل من أجل مصر، لا سيما وأن الكثير من المصريين الآن يشعرون أن الوقت قد حان لمشاركة إيجابية. فهذه مجالات العمل المدني وليس الحكومي فقط، وكل مؤسسة خيرية أو جمعية لا تهدف للربح قد تختار أحد هذه الحاجات الملحة لكي تعمل عليها وتركز جهدها.

وهكذا يتحقق “صواب” مصر بالتركيز على كل جزء مفرد من هذا الصواب وحروفه: الصحة والوعي والاقتصاد والبحث العلمي.

كيف يمكن لعلاء و/أو جمال مبارك أن يخرج نفسه من مزبلة التاريخ

أعلم أن مشاعر المصريين قد تباينت إزاء الأخبار عن إلقاء علاء (رجل الأموال) وأخيه الأصغر جمال مبارك (رجل الأموال والسلطة معاً) في السجن. ومع أننا لم نر أي صورة لهما في رداء السجن بعد، إلا أن بعضنا قد يشعر بالشفقة على إنسان عاش حياته لا يحصل من الحياة الدنيا إلا على أفضل وأغلى وأفخم ما فيها ثم يجد نفسه فجأة في سجن ضيق قذر. ثم يأتي صوت العقل ويقول لنا أن هؤلاء تسببوا في وضع الملايين من البشر إما في فقر مدقع أو في سجون سياسية يعلم الله ما لاقوا فيها من سادية بعض بني البشر حينما يتيح لهم القدر التسلط على إنسان آخر، ومن ثم فإنه من العدل أن يذوقوا الآن شيئاً قليلاً من المعاناة التى صنعوها للآخرين.

ثم سألت نفسي، هل من فرصة لإنسان في وضعهم سوف يهوي في مزبلة التاريخ والرأي العام أن يرفع عن نفسه هذا العار الأبدي؟ هل من عمل ما يتيح لمثلهم توبة أمام الله ومغفرة من الناس؟

الحقيقة أنا أعتقد أنه من الممكن لأي منهما، ولأي منهم (بقية العصابة) أن ينقذ نفسه. والفكرة بسيطة، وهي متاحة لهم طالما بقوا على قيد الحياة. تصور معي الخبر التالي:

عاجل. مؤكد: علاء مبارك ينتهي من كتابة سيرته الذاتية في سجن طرة، ويكشف عن جميع أمواله التي لم يصل إليها شعب مصر وحكومته ويطلب إعادتها جميعاً لخزينة الدولة. ويعلن كذلك عن استعداده للإدلاء بجميع ما يعرف من معلومات – بحكم علاقته الوثيقة بالنظام البائد الفاسد – عن جميع الأموال الأخرى المسروقة التي تخص جميع أفراد عائلة مبارك وأعوانهم. ويقول علاء مبارك أنه أدرك في السجن كيف أفسده المناخ الذي وجد نفسه فيه كإبن لرئيس الجمهورية، واقترب من معاناة الشعب المصري التي سببها هذا الفساد، وأنه يرجو الآن أن يفعل ما يستطيع لتنقية ضميره، وذلك بنشر سيرته الذاتية حتى يعلم الجميع حقيقة ما أسماه بـ “كواليس الفساد”. وسوف يتطهر من الذنوب الماضية بكشف كل شيء من معلومات صادمة ومرعبة عن حجم هذا الفساد وطبيعته، حتى تتعلم الأجيال القادمة كيف تقي نفسها تكرار هذا الشر. كما يرجو أن يساهم كشفه عن جميع الأموال السرية التي يصعب على مصر الوصول إليها أن يساهم في إعادة بناء الاقتصاد المصري وفي التكفير عن بعض ذنوبه الماضية في حق هذا الشعب.

يا ترى لو فعل أحدهم ذلك، هل يخرج من “مزبلة التاريخ” إلى إحدى “حدائق التاريخ”؟

يوم مصري في شيكاغو

مهما كانت مشاعرنا إزاء نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية، ومدى تخوفنا من مدى استعداد المصريين لممارسة الديمقراطية بوعي كاف، فالواقع أن مصر ما بعد الثورة تغير فيها شيء واحد يكمن فيه الأمل كله: الإنسان المصري وطبيعة مشاركته في الشأن العام وفي توجيه سياسة وطنه.

سوف أشرح لك علاقة ما سبق بعنوان هذه التدوينة. يوم أمس الأحد دعاني صديق مصري للقاء جماعة من المصريات والمصريين المقيمين بشيكاغو وبعض المدن الأمريكية الأخرى، ما بين مصريين أمريكين مولودين بالولايات المتحدة، ومهاجرين، ودارسين. كانت هذه الجماعة قد التقت بالفعل عدة لقاءات ماضية ولحقت أنا بهم للمرة الأولى. أما هدف اللقاء فهو شيء واحد يجمعنا: نريد أن نفعل شيئاً من أجل مصر. لا أعني شيئاً عابراً، ولكننا نريد إرساء وإنشاء كيان يتيح لنا وللمصريين المغتربين أن يخدموا مصر بطرق مختلفة (وهو محل نقاشاتنا الحالية). هذه الجماعة ما كان لها أن تلتقي لولا التغير الذي طرأ على مصر بفضل الثورة: وهو شعور المصريين أنه حان الوقت والظرف الذي يتيح لنا أن نتحول من شاكين وناقمين وحزانى على حال بلدنا إلى فاعلين ومحاولين. هو خروج من السلبية إلى الإيجابية. من الضيق بما “يفعل بنا”، بضم الياء، إلى ما يمكن أن نفعله نحن. فمهما كانت جهود الثورة المضادة أو عدم إتيان الرياح بما تشتهي السفن، فالمصري اليوم مشارك إيجابي بعد أن ظل مشاهداً سلبياً لعقود طويلة، غاية ما يفعله الكلام والتفكير والغيظ والهم، والشعور بالعجز!

هذه الإيجابية – مقيماً كنت أو مغترباً – واستمرارها هي الضمان الوحيد لمستقبل مصري أفضل من كل ما سبق.

وعلى ذكر المصريين في أمريكا، فسوف أختم بحادثة طريفة لم أحضرها وإنما سمعتها من أحد الأصدقاء الحاضرين. فقد خرجت جماعة من الشباب المصري منذ يومين ومعهم سيارة ودراجة. أرادوا الذهاب في رحلة بعيدة لا تصلح لها الدراجة، فقررت الجماعة وضع الدراجة في السيارة ثم التوكل على الله. وفي يوم مزدحم تبحث فيه السيارات عن موقع شاغر للركن، رآهم رجل أمريكي وهم يهمون بالخروج فتوقف بسيارته منتظراً لاقتناص موقعهم. طال انتظار الرجل طويلاً، ربما ثلث الساعة، وهو لا يدري أن جماعة المصريين يحاولون إدخال الدراجة في السيارة – كل هذا الوقت – دون جدوى! خرج إليهم ورأى مشكلتهم، فقام بحل المشكلة في دقيقة واحدة ووضع الدراجة داخل السيارة! حين سألهم الرجل: “من أين أنتم؟”، تطوع صديقي بسرعة بديهة تدعو للإعجاب وقال له: “من تل أبيب!”. لم يحب صديقي أن يشوه صورة المصريين بعد إعجاب العالم بهم حتى لا يظن الرجل بهم الغباء، وألصق التهمة بجيراننا! ومهما كان رأيك في أمانة صديقي الفكرية في هذا الموقف، فهو لم يفعل ما فعل إلا بدافع وطني خالص!

كيف نتفادى عفريت مبارك؟

مصر الآن وكأنها عمارة تم بناؤها بمعرفة مقاول فاسد، استخدم مهندسين فاشلين وفاسدين فأتى التصميم قبيحاً ومعيباً. وارتفع البناء على مواد مغشوشة من حديد وأسمنت وخلافه. أما قطعة الأرض فرائعة وثمينة، وكثير من السكان موهوبون وأكفاء. ثاروا بعدما عاشوا فترة طويلة وهم يدركون تماماً – بعقلهم وحدسهم – أن البنيان معرض للسقوط في أي وقت. وحدثت الثورة وتم التخلص من المقاول الجاهل – محدث النعمة -وبعض أعوانه. أما البناء فلم يتم هدمه بالكامل، وما زلنا نحن السكان نشعر بالخطر لأن الأساس تحتنا ما زال هشاً، والبنيان الذي تخلل الفساد في جميع جنباته ما زال الكثير من أركانه وجدرانه قائم. ومن هنا أصر نفر من الثوار على تعقب ما استطاعوا من أركان البناء الفاسد حتى التخلص منه، وحسناً فعلوا! فقد ذهبت حكومة ترقيع وجاءت حكومة جديدة ومتينة بفضل الإصرار على رحيل معاون المقاول الذي عينه المقاول الكبير المخلوع!

ونحن نريد أن نستغل الأرض الثمينة الجميلة ونبني فوقها سكناً ووطناً حديثاً وراقياً وبديعاً، يقوم على أساس متين وآمن. سوف يستغرق ذلك زمناً ولا شك، لكن رؤية مهندسين ومقاولين وعمال بناء أقوياء وأكفاء وأمناء يجعلنا نطمئن أن البناء الذي سوف نسكنه في المستقبل أجمل وأفضل كثيراً مما كان عليه في الماضي.

لكننا ما زلنا في مرحلة مبكرة من إرساء نظام محكم لإبقاء أهل العلم والأمانة، وإقصاء أهل الجهل والخيانة! كيف نتخلص من عفريت المقاول الجاهل الفاشل، الشهير بمبارك، حتى لا يتم استنساخ روحه والعودة إلينا في شكل جديد، فننتظر ثلاثين عاماً أخرى حتى نكتشف أننا تعرضنا لعملية استنساخ عفاريت قديمة في أجساد جديدة؟!

هناك ضمانات عديدة مطبقة بالفعل لدى من سبقونا إلى الديمقراطية والحرية. علينا أن نستعير أفضل ما وصل إليه الإنسان، في كل مكان.

أبسط وأوضح ما يجب الإصرار عليه في بناء مستقبل مصر هو تواجد مراكز قوى متعددة ومستقلة تماماً عن بعضها البعض، بحيث لا يستطيع مركز قوى واحد أن يتمدد كالسرطان ويستولي على زمام كل شيء. وهنالك ثلاثة جهات استقلالها ضرورة لا غنى عنها في مقابل مؤسسة الحكم.

القوة المستقلة الأولى: شيخ الأزهر وبابا الأقباط.

والمؤسسة الدينية بشكل عام. يجب أن يتكلم الإمام في المسجد والقس في الكنيسة دون أن يفكر في خطوط حمراء تخص المؤسسة الحاكمة. يجب أن يتم انتخاب شيخ الأزهر بواسطة علماء الأزهر، ولا يستطيع إبعاده إلا الذين انتخبوه. يجب ألا يشعر بابا الأقباط أو شيخ الأزهر بأي حرج في نقد وانتقاد سياسات وقرارات المؤسسة الحاكمة.

القوة المستقلة الثانية: الجامعة.

الشباب هم عادة محركو التغيير، والجامعة توفر بيئة مثالية لشباب الوطن أن يجتمعوا ويعملوا سوياً وينظروا للواقع ويتخيلوا المستقبل. التغيير الجذري عادة ما يأتي من شباب العشرين وليس من شيوخ الستين والسبعين. والجامعات هي مخزن طاقة البلد. هذه الطاقة يجب أن تظل مستقلة وحرة كقوة مراقبة لأداء الحكومة.

القوة المستقلة الثالثة: الإعلام (الخاص والقومي).

مؤسسة وجريدة الأهرام تعود إلى القرن التاسع عشر. هي بلا شك أقدم وأكبر من مبارك أو أي رئيس غيره أو نظام حكم. تحولت هي وغيرها بشكل معيب من مؤسسة مصرية إلى مؤسسة مباركية تخدم نظام الحكم وسدنته. ما يسمى بالصحف “القومية” يجب أن يتم ضمان إخلاصها لاسمها. فكون جريدة أو مؤسسة صحفية “قومية” يعني فقط أنها ملك للشعب، هو وحده السلطة التي تحرك هذه الصحافة. ومن ثم يجب أن تستقل تماماً هذه الصحف عن مؤسسة الحكم، حتى تمارس دورها كمركز قوة مستقل يقف في وجه مراكز القوى الأخرى ويحد من سلطتها وسلطانها.

الوطن ملك لجميع أبنائه. الوطن يعني أن كل من ولد فوق هذه الأرض له حق في مواردها. هناك حقوق أساسية يجب أن تتوفر لكل فرد، وهناك فرص إضافية تتاح لكل مواطن على قدر جهده وشطارته. ولأن الوطن للجميع فيجب أن تكون مؤسساته أيضاً ملك للجميع. يجب حماية كيان هذا الوطن من الوقوع عبداً لنظام أو سلطة بعينها. والاستبداد أنواع كثيرة ووجوه مختلفة، فهناك استبداد رئاسي، وآخر ملكي، وآخر مؤسسي. والضمان في رأيي هو تواجد عدد كبير من المؤسسات المهمة مستقلة عن بعضها البعض وعن المؤسسة الحاكمة، وأن يتعلم الجميع تقديس هذا الاستقلال لأنه الضمان الوحيد لبقاء البلد حراً من النصابين والنهابين. في أرضنا متسع لكي يعيش كل مصري مثلما يعيش الأوربي والأمريكي، وربما أفضل، فحتى الديمقراطيات الأقدم يسقط بعضها في براثن أنواع أخرى من الاستبداد، مثل استبداد الشركات الضخمة. لا مفر من “تقديس” استقلال الدين والإعلام والتعليم حتى نضمن حرية حقيقية.

تغريدات الثورة – وبعض ما قبلها

للذكرى الجميلة، هذه أفكاري السريعة على تويتر قبل وأثناء وبعد الثورة!

2 يناير:
- يبدو أن مصر لا تستطيع أن تأتي بفجر إلا بعد أن يشتد علينا الظلام فلا نستطيع حتى رؤية أنفسنا!

3 يناير:
- في مظاهرة لأقباط مصر بيهتفوا “عاوزين حقوقنا”، الحقيقة موقفهم صعب جدا لأن الأغلبية المسلمة مش عارفة تاخد حقوقها فما بالك بالأقلية!؟

- امتى اشوفك يا مصر كلك نازل في الشارع ومحاصر قصر الرئاسة ومعتقلة كل رموز النظام الحالي اعتقال شعبي وجايبة ناس نضاف وبتفهم عشان يبنوكي من جديد.

- في مصر طابور العيش والطعام المسرطن والتعليم الفاشل لا يسألونك عن دينك قبل – لا مؤاخذة – ما يطلعوا دينك.

4 يناير:
- ملعون مبارك – الأب والابن – في الأرض وفي السماء.

- لن نستطيع أن نحترم أنفسنا كمصريين حتى يحصل كل مصري على حقه في أرضه بغض النظر عن دينه أو وضعه الاجتماعي أو علاقاته مع “ناس مهمين” من عدمها.

5 يناير:
- في الثقافات المحترمة الكلاب تنبح والقافلة تسير، في الثقافات الفاشلة الكلاب تنبح فتقف القافلة تستمع للنباح وتحاول الدخول في جدال مع الكلاب.

- لو كان المصريين اللي قاوموا الاحتلال الانجليزي شافوا مصر عاملة ازاي بعد 60 سنة من رحيل الانجليز كانوا غيروا رأيهم وقالوا الانجليز ارحم.

14 يناير (ثورة تونس ورحيل بن علي أمام أعيننا):
- ياللا يا مصريين ولكم في تونس أسوة حسنة.

- مبروك لتونس و “مبارك” لمصر؟؟؟

- يا ترى حسني دلوقتي بيقول “خليهم يتسلوا”؟؟؟

- يا حكامنا يا عجول.. بكره عروشكم سوف تزول.

15 يناير:
- يا حكامنا يا حمير .. احنا هنفرض التغيير.

- يا رئيسنا يا حلوف.. تونس زرعت فيك الخوف.

20 يناير:
- على من يفكر في إحراق نفسه بعد اليوم أن يوفر حياته ويفقدها في مظاهرات حاشدة تحيط القصر الجمهوري ولا تغادر حتى يغادر مبارك وعائلته مصر.

24 يناير (اليوم السابق على الثورة):
- مبارك يا جزمة … انت رأس الأزمة.

- مبارك يا جاموس… نظامك أكله السوس.

- أشعر أن سب مبارك هو النوع الوحيد من السب الذي نؤجر عليه حسنات كعمل صالح.

25 يناير (بدأت الثورة وشعرت منذ اليوم الأول أنها لن تكون مثل أي مظاهرات سابقة!):
- يا مبارك يا حثالة.. ياللا جهز الاستقالة.

28 يناير:
- يا ترى الوزارة الجديدة هيبقى فيها حبايبنا زي “أحمد قذر” و”أحمد غلب” و”سفيه محمد سفيه”؟

29 يناير:
- تلاقي مبارك مش عارف ينام دلوقتي، ما فيش حد يديله حباية “منوم” من اللي بالي بالك؟

30 يناير:
- يا ريته كان مات في الضربة الجوية الأولى.

31 يناير:
- لما مبارك كان بيكتشف ان اي واحد حواليه راجل كان بيقتله، عشان كده لسه ما فيش حد اعتقله من كل المحيطين بيه.

- يا جماعة اعذروا مبارك الراجل غبي فعلاً مش فاهم، تصوروا عسكري أمن مركزي بقى رئيس جمهورية.

1 فبراير:
- بعد أن يرحل مبارك علينا أن نجمع أذناب الإعلام المصري في ميدان التحرير ونبصق عليهم بصقاً جماعياً.

- اللهم العن مبارك في الأرض والسماء،
اللهم زده غباءً فوق غباء،
اللهم اقض عليه غداً الأربعاء.

- اللهم أحضر مبارك إلى ميدان التحرير،
وسلمه إلينا بين الجمع الغفير،
واغفر لنا ما سوف يفعل به كبيرنا والصغير.

- بعد أن كدنا نفقد الامل في الجيش (لاسباب في علم الله) فإن أملنا الآن في يد عزرائيل أن يحسم الأمر تماماً.

- اللهم أذق مبارك من نفس الكاس،
هو وكلابه من الحراس،
وأنقذ من كيدهم عامة الناس.

- اللهم أنقذ مصر من كيد الخونة،
واحرق مبارك وهو يتنعم في الساونا.

- يا ريتني كنت اقدر اضحي بحياتي عشان انقذ بلد بأكملها، وفيه ناس بيضحوا ببلد بأكملها عشان ينقذوا حياتهم أو يزودوا فلوسهم، عجبي.

2 فبراير:
- والنبي يا جماعة اللي بيوجه كلمة لمبارك ويقوله مصر وانقذ مصر والكلام ده، حد فيكم ممكن يناشد بقرة أو خنزير؟ الخنزير يتدبح وبس.

4 فبراير:
- مبارك يتمنى الان أن يقود الطلعة الجوية الثانية لقذف مظاهرات الشعب المصري.

- ارحل بقى يا جاموس .. دا انت راجل كابوس.

- لماذا يخرج مبارك بكرامته بعد أن أهان كرامة ملايين المصريين، ومصر نفسها، عشرات السنين؟

- اللهم زلزل قصر الرئاسة .. وانقذ مصر من رأس التعاسة .. اللهم اقذف في قلوب الحراس .. أن يهدوا مبارك رصاصة في الراس.

5 فبراير:
- الشعب .. يريد .. إسقاط الإجرام.

- مبارك وأعوانه هم القلة المندسة التي سرقت ثروات الأغلبية.

7 فبراير:
- يبدو لي وكأن مصر تشهد الان مخاض زمن المخلصين والشرفاء، واحتضار زمن الخونة والسفهاء؟

9 فبراير:
- عمر سليمان: اذا كان هذا هو مستوى فهم رئيس المخابرات للموقف وللشعب، فمصر ولا شك مليئة بالجواسيس، لعل أحدهم مبارك نفسه.

- عمر سليمان يقول ان كلمة ارحل لا تتوافق مع اخلاق المصريين، هل تتوافق معها اذن كلمات: اسرق، اقتل، عذب، امسك في الكرسي؟

10 فبراير:
- باقي الأخوة العرب: نحن السابقون وأنتم اللاحقون.

- اليوم حفل زفاف مصر على الحرية؟ بالرفاء والبنين والرخاء للملايين.

- الفقي ينفي تنحي مبارك؟ سوف نلقي به من فوق مبنى التليفزيون.

11 فبراير:
- اذا الشعب يوماً أراد التغيير .. فلابد أن ترحل الخنازير.

- اذا الشعب يوماً أراد الحرية .. فلابد أن يرحل الحرامية.

- إذا الشعب يوماً أراد الكرامة .. فسوف يلقي المستبد في القمامة.

- انشق بحر التحرير وأغرق الفرعون.

- مزبلة التاريخ ما زال فيها متسع لبقية الحكام العرب.. خلونا ننضف المنطقة ونفتح الحدود.

12 فبراير:
- حاسس ان الواحد يقدر يبدأ حياته على نضافة! مع اني بعيد عن مصر لكن يظهر ان بركات مبارك كانت كابسة على صدري من على بعد الاف الاميال، سره باتع.

14 فبراير:
- لعله من المناسب الان التذكير بخطتي الانتخابية للرئاسة المصرية، ولا ايه؟ تدوينة كتبتها في يناير 2008: محمد شدو رئيساً للجمهورية.

17 فبراير:
- لن تتم الثورة دون محاكمة جميع مجرمي النظام السابق وإصدار أحكام بما فيهم مبارك وعائلته وإلا فخطر عودة النظام بوجه جديد قائم.

- اسفين يا ريس: لان الثورة اتأخرت عشرين سنة ولاننا لسه ما حاكمناس سيادتك وعائلة سيادتك واننا لسه ما خدناش فلوسنا اللي سرقتوها.

19 فبراير:
- لو مصر كانت واقفة على رجليها دلوقتي، كنا بعتنا قوات مصرية تنقذ ليبيا من إجرام القذافي.

- الثورة ما زالت في خطر طالما أن الشاب “الطموح” جمال مبارك ما زال حراً طليقاً على أرض مصر ومن المؤكد أنه له مافيا موجودة وتحاول النشاط.

27 فبراير:
- احنا الثروات المنهوبة عندنا في العالم العربي شيء لا يصدق، كل ده في جيب شوية حرامية ومجانين.

- عاوزين نعمل صفيحة زبالة كبيييييرة ونرمي فيها كل حكام العرب.

تنظيف الوعي الديني المصري

رأينا في ميدان التحرير ما لم نره في مصر من قبل بهذا الشكل، وربما في العالم أجمع، حينما جمع ميدان واحد بين مسلمين يصلون صلاتهم الإسلامية، ومسيحيين يصلون صلاتهم المسيحية. ليس ذلك فقط، لكن أضاف لرمزية الحدث أن المسلم يحمي المسيحي في صلاته، ثم يقف المسيحي ليحمي المسلم في صلاته. لو احتفظ المصريون بهذه الروح وهذا الفهم للدين، وحافظوا عليها، فلن نخشى على مصر بعدها أعتى المؤامرات الداخلية والخارجية أو حتى المريخية.

على العقلاء منا أن يحاربوا أمراضاً عقلية وروحية هدامة تدفع بعض من لم ينضج وعيهم الديني أن ينظروا بريبة وقلق إلى أصحاب الديانات الأخرى. يجب أن نتعلم أن القلوب يطلع عليها الله وحده، وأن الخالق يعلم بلا شريك من هو المستحق لرحمته ومن هو المستحق لعذابه. لا يستحق الريبة والإدانة والاستبعاد إلا من يؤذي الناس. أما من يخالف دينه ديني فهو إنسان له نفس حقوقي وعليه نفس واجباتي، نحكم عليه وفقاً لعمله وسلوكه بين الناس. والإنسان نقي الفطرة هو أقرب لأمثاله – ولو اختلفوا عنه في الدين – منه إلى أهل دينه من أصحاب الفطرة الملوثة. إن المسلم الصادق أقرب للمسيحي الصادق من قرب كل منهما للكاذب من أبناء دينه. والمسلم المحب لوطنه أقرب للمسيحي المحب لوطنه من قرب كل منهما لمن لا يهتم لمصلحة وطنه من أهل دينه.

إن مصر لن تنهض وتحيا على أكتاف مسلمين يريدون أن يجعلوا مصر دولة يعيش فيها المسيحي وكأنه ليس في بلده، ولا على أكتاف مسيحيين يؤمنون أن المسلمين وافدين على مصر وليسوا مصريين أصليين! هذا جنون لوث عقول وقلوب الكثير من المصريين على الجانبين. والمصريون الذين أنجزوا ثورة يناير التي علمت العالم كله معنى الثورة السلمية، ومعنى الصلاة الجماعية للمسلم والمسيحي، هم القادرون وحدهم على ترسيخ هذه الروح في مستقبل مصر.

نحو علاج مصر من الجنون والشلل

تصور أنك تقضي حياتك وفي بيتك مجنون. كيف تكون هذه الحياة؟ إنك لا تأمن على شيء من أشيائك، قد تتركه سليماً وتجده بعد ساعة وقد تم قذفه من الشباك! وقد تجلس في أمان الله فتجد صفعة تضرب وجهك أو يداً تهبط فوق قفاك! سوف تجد الكتاب والكمبيوتر في المرحاض، والحذاء فوق مخدتك وتحت رأسك! سوف تفقد ذهبك في القمامة، ثم تجد القمامة تفترش الأثاث والسجاد، كلما ألقيتها في مكانها عادت تحيط بك من كل جانب، حتى تيأس وتتركها تعيش معك في سلام! وقد تنام يوماً في غرفتك وتستيقظ لتجد الغرفة مغلقة بالمفتاح، والمفتاح في الشارع، فتصبح سجيناً بين عشية وضحاها، ولا تعرف السبب!

هل يبدو السيناريو السابق وكأنه الكابوس؟ هو كابوس بالفعل، غير أن مصر بأكملها عاشته بحذافيره لعقود طويلة كئيبة. فما الذي أصاب بلداً عظيماً عريقاً بالجنون؟ إن الجنون جسد يتحرك دون عقل، ودون خطة. الجنون كائن عشوائي، لا تأمن ما قد يصيبك من أذاه في أي ساعة من ساعات الليل أو النهار. لقد أصبحت الدولة المصرية في عهد مبارك كياناً مجنوناً تحركه غرائز الحيوان ويفتقد لعقل الإنسان. فأكابر البلد قوم يعملون بشراهة لإشباع شهوات المال والسلطة، دون رؤية ودون تروي. وأذرع النظام الأمنية تتصرف بهياج وعنف حيواني مع كل خطر يهدد حياتها البهيمية. وقد تمكنت لوثة الجنون من الكيان المصري في السنوات الأخيرة حتى أصبح حالها شقاء لا يحتمله أي مصري عاقل، مقيماً كان أو مهاجراً.

أصيبت مصر بالجنون إذن حين غاب العقل والرؤية عن توجيه خطواتها، فأصبحت كياناً يتحرك بعشوائية، توجه مسيرته غرائز حيوانية. وعلاج مصر من هذا الجنون يتمثل ببساطة في إعادة العقل إلى “الرأس”، ورأس الدولة هي القائمين على توجيه وتخطيط أمورها.

ومع الجنون أصيبت مصر بمرض عضال آخر هو الشلل التام. فما هو الشلل؟ الشلل أن يكون لك عقل واع، وجسد عاجز. أن ينفصل العقل عن الجسد. هو وجه آخر للمرض الأول. لقد سيطر الجسد – الخالي من العقل – على مقدرات مصر، وتم إقصاء العقل وقمعه وإصابته بالشلل. فتوارت عقول مصر إلى الظل، عاجزة، مشلولة، ترى كل شيء، وتدرك سبل الإصلاح والعلاج، لكنها كانت كياناً مشلولاً تمام الشلل. عقل بلا رجل وبلا ذراع. فهم بلا أدوات. رؤية بلا طريق. عين ومخ دون جسد يتحركون به. روح بلا جسد، وكأنها ميت يراقب الحياة من العالم الآخر ولا يستطيع التدخل فيها والتأثير عليها. هكذا كان حال عقول مصر. العلماء والعقلاء والمفكرون وأصحاب الرؤية.

إن علاج مصر في المرحلة المقبلة سوف يتطلب إعادة العقل إلى الجسد، حتى يجد العقل جسداً ينفذ رؤاه، فينتهي الشلل، ويتحرك الجسد وفق خطة ورأس يوجهه، فيختفي الجنون! وتحيا مصر.

عندما انشق ميدان التحرير وأغرق الفرعون

إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين” قرآن كريم

لا شك أن مبارك (الاسم الشخصي للفرعون الأخير) وهامان وجنودهما كانوا جميعاً خاطئين ومجرمين! ومن لطف الله أن الجيش المصري لم يكن جنداً خاطئاً من جنود هذا الفرعون، مثلما أخطأ وأجرم وجهل جند أخرون.

في يوم عيد مصر وفرحتها المبهجة، 11 فبراير 2011، أخبرني أصدقاء من بعض صوفية اليهود أن اليوم ذاته، يوم انهزم الفرعون بالضربة القاضية، هو يوم وفاة نبي الله موسى عليه السلام. وكأن ذكرى وفاة النبي العظيم في هذا اليوم إشارة أن المهمة الموسوية للقضاء على الفرعون قد آتت ثمارها، وآن لموسى أن يستريح! لا شك أن الطريق ما زال طويلاً، وغير ممهد، من أجل بناء ديمقراطية ما زالت هشة، طفلة، أو لعلها ما زالت في الرحم. لكن رحيل مبارك وضع جنين الديمقراطية والحرية في رحم مصر لأول مرة منذ عقود طويلة. وهو إنجاز رهيب بعد أن أجدب حكم مبارك مصر، وحرمها خصوبتها، حتى ظننا أننا لن نرى يوماً قريباً تستعيد فيه أم الدنيا أمومتها بعد أن أصبحت مجرد امرأة عجوز، قبيحة، وقاسية القلب! لم يكن هذا طبعها، لكنه انتهاك وامتهان دام عشرات السنين على أيدي نفر من أجهل، وأقسى، وأغبى، وأفسد، وأقبح خلق الله!

الفرعون الجديد وقع في أخطاء الفرعون القديم ذاتها. لقد رأى البحر ينشق أمام عينيه. فماذا فعل؟ فهم، وتعقل، وعاد إلى الوراء وترك موسى وقومه يعبرون بسلام إلى شاطيء الحياة الجديدة؟ لا! لقد صدأ عقله منذ زمن فأصبح وكأنه قطعة من الحجر! لو فهم وتراجع لأنقذ نفسه وعاد ببعض كرامته! كذلك أصر الفرعون الحديث على العبور وراء الشعب المستعبد، رغم أن العالم بأكمله رأى وعلم أنه هالك إن فعل. وقد فعل وهلك، ولله الحمد!

وابتلع بحر التحرير الفرعون مبارك إلى غيبة أبدية، بغير رجعة.