يوم مصري في شيكاغو

مهما كانت مشاعرنا إزاء نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية، ومدى تخوفنا من مدى استعداد المصريين لممارسة الديمقراطية بوعي كاف، فالواقع أن مصر ما بعد الثورة تغير فيها شيء واحد يكمن فيه الأمل كله: الإنسان المصري وطبيعة مشاركته في الشأن العام وفي توجيه سياسة وطنه.

سوف أشرح لك علاقة ما سبق بعنوان هذه التدوينة. يوم أمس الأحد دعاني صديق مصري للقاء جماعة من المصريات والمصريين المقيمين بشيكاغو وبعض المدن الأمريكية الأخرى، ما بين مصريين أمريكين مولودين بالولايات المتحدة، ومهاجرين، ودارسين. كانت هذه الجماعة قد التقت بالفعل عدة لقاءات ماضية ولحقت أنا بهم للمرة الأولى. أما هدف اللقاء فهو شيء واحد يجمعنا: نريد أن نفعل شيئاً من أجل مصر. لا أعني شيئاً عابراً، ولكننا نريد إرساء وإنشاء كيان يتيح لنا وللمصريين المغتربين أن يخدموا مصر بطرق مختلفة (وهو محل نقاشاتنا الحالية). هذه الجماعة ما كان لها أن تلتقي لولا التغير الذي طرأ على مصر بفضل الثورة: وهو شعور المصريين أنه حان الوقت والظرف الذي يتيح لنا أن نتحول من شاكين وناقمين وحزانى على حال بلدنا إلى فاعلين ومحاولين. هو خروج من السلبية إلى الإيجابية. من الضيق بما “يفعل بنا”، بضم الياء، إلى ما يمكن أن نفعله نحن. فمهما كانت جهود الثورة المضادة أو عدم إتيان الرياح بما تشتهي السفن، فالمصري اليوم مشارك إيجابي بعد أن ظل مشاهداً سلبياً لعقود طويلة، غاية ما يفعله الكلام والتفكير والغيظ والهم، والشعور بالعجز!

هذه الإيجابية – مقيماً كنت أو مغترباً – واستمرارها هي الضمان الوحيد لمستقبل مصري أفضل من كل ما سبق.

وعلى ذكر المصريين في أمريكا، فسوف أختم بحادثة طريفة لم أحضرها وإنما سمعتها من أحد الأصدقاء الحاضرين. فقد خرجت جماعة من الشباب المصري منذ يومين ومعهم سيارة ودراجة. أرادوا الذهاب في رحلة بعيدة لا تصلح لها الدراجة، فقررت الجماعة وضع الدراجة في السيارة ثم التوكل على الله. وفي يوم مزدحم تبحث فيه السيارات عن موقع شاغر للركن، رآهم رجل أمريكي وهم يهمون بالخروج فتوقف بسيارته منتظراً لاقتناص موقعهم. طال انتظار الرجل طويلاً، ربما ثلث الساعة، وهو لا يدري أن جماعة المصريين يحاولون إدخال الدراجة في السيارة – كل هذا الوقت – دون جدوى! خرج إليهم ورأى مشكلتهم، فقام بحل المشكلة في دقيقة واحدة ووضع الدراجة داخل السيارة! حين سألهم الرجل: “من أين أنتم؟”، تطوع صديقي بسرعة بديهة تدعو للإعجاب وقال له: “من تل أبيب!”. لم يحب صديقي أن يشوه صورة المصريين بعد إعجاب العالم بهم حتى لا يظن الرجل بهم الغباء، وألصق التهمة بجيراننا! ومهما كان رأيك في أمانة صديقي الفكرية في هذا الموقف، فهو لم يفعل ما فعل إلا بدافع وطني خالص!

العقول المخروقة واختراق المواقع!

تجربة حديثة مررت بها أو مرت بي، هي خبرتي الشخصية الأولى في أمور الهاك أو اختراق المواقع. أرجو أن تكون قد عرفتني بما فيه الكفاية من خلال ما أكتبه هاهنا لكي تدرك أنني لم أقم بالطبع باختراق أي موقع كان، إذ أفتقر للخبرة الفنية الكافية للقيام بهذه المهمة كما أفتقر كذلك للدوافع الكافية لبذل الوقت والجهد في اختراق المواقع المجهولة. ربما أحب أن أخترق موقعاً لإحدى الحكومات الفاسدة مثلاً وأضع لها رسالة تفضح حقيقة أنها مفضوحة أمام الجميع! لكن حتى هذا قد لا أجد له دافعاً كافياً يساوي الوقت والجهد المطلوب.

أما الاختراق فقد قام به أحدهم ضد موقع مدونتي الانجليزية الجديد الذي أحاول إنشاؤه! وقد أشرت باختصار لعملي على إنشاء هذا الموقع في هذه المدونة، ويبدو أن مجهولاً رأى أن هذه المدونة الجديدة سوف تكون معولاً هداماً يجب القضاء عليه في المهد! والعجيب أن المخترق أصر على القيام بالعملية ثلاثة مرات متتابعة. في المرة الأولى وضع المخترق خلفية موسيقية عن أننا “خير أمة أخرجت للناس”. ثم ذيل جهده الجليل برسالة مفادها أنني، ياللأسف، قمت بتمثيلنا بالشكل الخاطيء! يبدو أنه يقصد بنون الجمع نحن المسلمين، بدليل الخلفية الموسيقية الدينية، واسم المخترق الذي كتب بالانجليزية “…الاسلامي”. أي أنه اختراق إسلامي سوف يحسب في ميزان حسناته بالطبع!

لا أنكر أنني سمعت الأغنية فقلت في نفسي: “هذا دليل أنكم الآن قد أصبحتم أسوأ أمة أخرجت للناس!”.

قمت بإعادة الموقع فتم اختراقه من جديد. هذه المرة كانت الرسالة هي اختراق من “قراصنة الجزائر” رداً على اختراق جريدة الشروق الجزائرية! مرحى بمجاهدي الإسلام ومجاهدي العروبة، وفقكم الله يا إخواني! ما أروع وأفيد ما تبذلون فيه وقتكم وجهدكم!

الواقع أنني لم أنظر للأمر بشكل شخصي وحسب ولكنه حلقة صغيرة في سلسلة الفشل الثقافي والعقلي الذي تتمتع به أمتنا والذي يفسر بشكل واضح أسباب ما وصل إليه حالنا! والحق أنني أشفقت أيضاً على من بذلوا هذا الجهد، فالموقع الذي يقومون باختراقه هو في النهاية موقع شبه مجهول ولا يتابعه سوى عدد قليل، فلم تضيعون وقتكم مع موقع صغير مجهول؟ والواضح أن الداء متأصل في جميع مساعي أصحاب العقول المخروقة. فهاهنا شاب لديه علم وموهبة في مجال ما، ففيم يستخدم ذلك؟ يضيع جهده ووقته من أجل هدف ساذج لا خير فيه، وفي ذات الوقت يستهدف أشياء صغيرة لا تأثير لها! يعني فشل مزدوج.

هداك الله يا مخترق وشفى عقلك وقلبك مما فيهما من خروق فكرية وخلقية سوف تدمرك أنت وأمتك إذا لم تفيقوا!

إلى أي حد يشجع الأخوان مبارك “مصر”؟

حينما يتعلق الأمر بالكرة ومبارياتها ولاعبيها، فأنا ولا شك من الجاهلين! ولولا أن مباراة مصر والجزائر الأخيرة سبقها حديث كثير، مكتوب ومسموع، لما علمت شيئاً عن المباراة ولا تصفيات كأس العالم والذي منه، ناهيك عن الاهتمام بمشاهدة المباراة من الأساس! إلا أنني شاهدت هذه المباراة بل وشددت الرحال لمشاهدتها. فقد اجتمعت مع أصدقاء في مقهى عربي في شيكاغو يعرض المباراة، وكان الأمر عندي نوعاً من “تغيير الجو” والاجتماع بالأصدقاء والتواجد في جو يعد ها هنا exotic! ولا أنكر أن التجربة كانت لطيفة وأن الشباب المتحمس والمشجع كان يحدث نوعاً من الضوضاء والاهتمام اللفظي والحركي الذي يشعرك أكثر بالإثارة. والحق أنني اليوم لا أفكر مجرد تفكير في مشاهدة مباراة كرة قدم بمفردي، فإن أتيح لي مشاهدة مباراة كهذه مع أصدقاء وفي مناخ يثير في النفس مشاعر الوطنية فبها ونعمت، فإن لم يكن فلن أشعر للحظة أن شيئاً ذا بال قد فاتني!

لا أنكر أيضاً أن مشاعري تحركت مع الفريق “الوطني” المصري. كما أنني لا أنكر كذلك أنني كنت أنظر في وجوه اللاعبين الجزائريين وأقول لنفسي هؤلاء إخواننا فإن كانوا هم الفائزين فلا بأس بذلك أيضاً. كنت أنظر إلى الصديق المغربي العزيز بجانبي وهو يشجع الجزائر، بحكم الجيرة، فأقول له لا تتردد في التعبير عن نفسك، حين أراه يتحرج قليلاً من تشجيع الجزائر بوضوح بجوار صديقه المصري! نظرت في المقهى فوجدت شباباً مصرياً وشباباً من المغرب العربي، كل يشجع فريقه في إطار لطيف من الود والصداقة، فتذكرت أشياءً غريبة تنامت إلى علمى على استحياء عن مشكلات أثيرت وأغان كتبت ولحنت على الجانبين المصري والجزائري، ولا تحدثني نفسي إلا بيأيتها الشعوب البائسة، لديكم من المشاكل ودواعي فوار مشاعر الوطنية أكثر كثيراً وأهم من مباراة لكرة القدم!

أما ما لفت نظري بشدة أثناء المباراة فكان رؤية كلاً من علاء وجمال مبارك يتابعان المباراة في اهتمام، والقلق يظهر على وجهيهما، والتعلق بالأمل في فوز الفريق المصري يبدو في العين والحركة. مهما كانت الكرة لعبة فإن مشاعر الوطنية تقف إلى جانب الفريق الذي يحمل اسم بلدنا، حتى عند جهال الكرة من أمثالي! إلا أن فكري ذهب رغماً عني إلى هموم أخرى لا تزال تطبق على رقبتي في حياتي في المهجر، لعل متابع المدونة قد مل من حديثي عنها! إن مشاعر الوطنية الصادقة مع منتخب مصر الكروي ظهرت جلية لدى ابني الرئيس، وقد مكن لهما الله في أرض هذا الوطن بالمال والسلطان، ولا سبيل لإنكار ذلك اليوم، فلم لا تفور مشاعر الوطنية إلا إزاء منتخب مصر؟ إن مشاعر الفخر بالوطن وأبناء الوطن لهي من أجمل المشاعر وأعمقها إرضاء للنفس، وقد خبر الأخوان مبارك حلاوة الفرحة بالوطن والفخر به في مباريات كرة القدم، أفلا يحبان بعد ذلك أن ينعما بهذه المشاعر الجميلة في أمور أكثر بقاءً وأعمق فخراً؟ ألا يحب ابن الرئيس أن يمشي في القاهرة فيفخر بجمال عاصمة بلدته ونظامها وتهافت السياح على التواجد بها؟! إن أي إنسان جال في العواصم والمدن يعلم تماماً أن القاهرة في وضعها الحالي “معرة” لكل مصري! وليست القاهرة وحدها بل الغالبية الأعظم من مدن مصر ومساكن أبنائها ومعايشهم! تصور فخرك بوطنك وفرحتك به وإنت ترى هذه المعرة تتحول إلى مفخرة! تخيل شعورك بالعزة وأنت ترى جامعات مصر تخرج على العالم بجديد الاختراعات والنظريات التي يتحدث بها العالم ويأخذها منك سعيداً شاكراً! تخيل عزتك وأنت تمشي في ربوع مصر عشرات ومئات الأميال فترى طبقة متوسطة واسعة تعيش حياة كريمة نظيفة! تخيل فرحتك وأنت تسافر في أرجاء العالم فترى علامة “صنع في مصر” على مئات المنتجات الجميلة متقنة الصنع! تخيل شعورك بالعزة والكرامة وأنت تصافح جرائد العالم فتقرأ التقارير عن جمال المدن المصرية وثراء التجربة المصرية في التعليم والزراعة والصناعة والفن!

أعتقد أن شباب الشعوب العربية لديهم آمال أجمل وأهداف أكثر إثارة من حرب كروية بين بلدين شقيقين! وأعتقد كذلك أن الآفاق واسعة والطريق مفتوح أمام الأخوان مبارك للاستمتاع بأنواع من مشاعر الفخر بالوطن أعمق وأدوم وأكثر إثارة من مباريات المنتخب!

عدت يا يوم مولدي!

أتعرف هذه الأغنية لفريد الأطرش، كلمات كامل الشناوي: عدت يا يوم مولدي؟ ليست هي الأغنية المناسبة للاحتفال بعيد ميلادك بأي حال، رغم أنني كنت أحياناً ما أستمع إليها يوم عيد ميلادي! نعم كنت مكتئباً وحزيناً في بعض الأوقات، وأحياناً في كثير منها! غير أنني اليوم أستعير من هذه الأغنية المشجعة للاكتئاب في يوم عيد الميلاد عنوانها فقط. لقد بلغت من العمر ثلاثة وثلاثين عاماً منذ شهر تقريباً، فقلت لنفسي سوف أقدم لك وقفة تأملية وجيزة في هذه المناسبة!

* مرت على هجرتي في الولايات المتحدة سبعة سنوات. مرت مسرعة وأنجزت فيها القليل كما أضعت الكثير، أو هكذا أظن. فإذا مرت سبعة أعوام مثلهم دخلت في العقد الرابع من عمري! هكذا اقتربت الأربعين، أو اقتربت أنا منها! لقد يغير عام واحد عقداً كاملاً، والتحولات الحياتية تحدث بين يوم وليلة أحياناً. قد أبلغ الأربعين وأنا كما أنا أو أكاد، وقد آتيها وقد أنجزت ما تأخرت في إنجازه وفعلت ما طال تأجيله، الله وحده أعلم. بل وهل يعلم إنسان أصلاً ماذا يكسب غداً، أو بأي أرض وفي أي وقت يموت!

* أؤمن تماماً أن التغير الحقيقي للإنسان وحياته لابد أن يحدث أولاً في داخله، في عقله ونفسه. لذلك لا يقلقني كثيراً أن أنجز أشياءً ملموسة بقدر أن أصل إلى حالة إدراكية ومنهج حياتي يرضيني. إذا تحقق ذلك فقل على الدنيا السلام!

* ما زلت داخل جدران حياة ذاتية. هل ستأتي الأربعون وقد تخطيت نفسي وخرجت إلى الحياة الحقة والنور؟! إنني أعتقد أن الإنسان الذي يحيا في إطار حياته وحاجاته، همومه وطموحاته الخاصة هو إنسان مقطوع عن نبع الحياة الحق. ولن يشعر المرء بطعم أن يكون حياً قبل أن يفر من هذا الحبس الذاتي، الاختياري، بالفكر والعمل، ويكون الإنسان إنساناً (الجانب الإنساني الذي أسجد الله له الملائكة) بقدر ما يهتم بأمر الناس والأرض، وبقدر ما ترك من أثر، وأعان من بشر، ودرأ عن الأحياء من أذى وخطر.

* إن نهاية الطريق المحتومة والمعلومة هي الموت. وكأن الإنسان يسير في خط مستقيم نحو هذه الوجهة، ومهما باعدت به خطواته بين أهداف وآمال أو قربت، فإنها تقربه من الموت مع كل يوم يمر! وكأن الموت هو الهدف الأوحد المضمون لنا بلوغه! وبرغم ما قد يبدو في ذلك من تناقض ظاهر، فالحق أن الإنسان يزداد حياة كلما أدرك حضور الموت واستحضر حتميته، ورأى الأشياء والأحياء والأنباء من خلال عدسته!

الرقابة المصرية والصفحات الضائعة!

لست متابعاً جيداً لكل ما يحدث في مصر الآن، غير أن متابعتي الكسولة لبعض المدونات المصرية أحاطتني علماً بمشروع حجب المواقع الإباحية في مصر. وبالطبع يخشى الكثيرون – ومعهم حق – من أن يمتد حرص المسئولين على أخلاق الشباب المصري من حمايتهم من المواقع الإباحية إلى حمايتهم من غياهب السياسية وتعقيدات المعتقلات. فالشباب الثائر لا يجني إلا البهدلة، ومن ثم فإنه من المنطقي أن نحميه من كل ما يؤجج ثورته!

ولقد ذكرني ذلك بأحد فصول تجاربي الشخصية مع إبداعات رجال الرقابة في مصر. فذات يوم منذ ما يقرب من عقد كامل من الزمان، دخلت مكتبة فرنسية في مصر الجديدة تلبية لنداء إدماني القديم لتصفح الكتب، وشراء الكثير منها، ثم قراءة القليل مما أشتريه! وبينما أنا أقلب بصري بين المجلات وجدت عنواناً شدني على غلاف إحدى المجلات، إذ يحوي العدد ملفاً كاملاً عن تجارة البغاء واستعباد النساء في العالم، فقررت فوراً شراء المجلة. ويعلم الله أنني لست قديساً لم تر عيناه ما لا يجب أن تراه، غير أنه علم أيضاً أن شرائي للمجلة كان تلبية للنداء الطفولي بضرورة القضاء على مظاهر الظلم والفساد في العالم، وهو ما لا يمكن تحقيقه بداهة إلا بالعلم والإحاطة بما يحدث. فلا يمكن لمحبي العدل أن يحاربوا ما يكرهوا دون إدراك كامل لوسائل وقدرات المفسدين. وهكذا خرجت بالمجلة وذهبت فوراً لأجلس في الشارع وأبدأ رحلة تغيير العالم في خيالي. فإذا بي أفتح المجلة لأجد أن هنالك إحدى عشر صفحة كاملة مقطوعة بفعل فاعل، هي تماماً ذات الصفحات التي تحتوي على ملف تجارة الرقيق الأبيض! عدت إلى المكتبة وقلت للسيدة التي باعتني المجلة أن هنالك صفحات ناقصة، فقالت لي أنها هكذا تأتي بعد المرور على الرقابة، وأن لي أن أبحث بين النسخ الأخرى للمجلة إن شئت. بحثت في كل نسخ العدد فوجدت بالطبع أن الصفحات ذاتها مقطوعة. فأعدت المطبوعة وأنا حانق على هذا الغباء، فالمجلة هي في النهاية مجلة ثقافية محترمة وليست مجلة جنسية. بل وقالت لي نفسي الخبيثة لعل من قطع هذه الصفحات يبيع ما فيها من صور للمراهقين على أبواب المدارس!

بعد أن تذكرت هذه الحادثة أردت أن أفكر في الوسائل الحقيقية التي يمكن بالفعل أن تحمي الشباب من تبديد الوقت والطاقة في مشاهدة العري والجنس. وأنت تعلم مثلما أعلم أن حجب المواقع لن يحقق خطوات عملاقة ولا خطوات قزمة نحو هذا الهدف. وإذا كانت الرقابة قد قطعت إحدى عشر صفحة من هذه المجلة القديمة، فدعني إذن أخرج الصفحات الحقيقية التي لها بالفعل أن تحمي الشباب من المواقع الفاسدة إلى النور، وأعلنها على الملأ، وجميعها كما سترى صفحات مقطوعة – بفعل فاعل – من واقع الشباب المصري! ولقد رأيت أن أبحث عن 11 صفحة أيضاً، صفحة ضائعة ذات أثر حقيقي مقابل كل صفحة وهمية قطعتها يد الرقابة العبثية من المجلة المذكورة:

1- الأمل: لن يضع الزارع بذرة في طين الأرض، وينفق الجهد والماء يرويها ويعتني بها، وهو يعلم بداية أن تربته عقيمة لا أمل فيها، وأن البذرة لن تجني من الماء والجهد نمواً ولا إثمارا. فإن ذهب المزارع إلى أرض علم من خبراته السابقة ومن تجارب الآخرين المتكررة أنها لا تصلح للزراعة، فإنه سوف يستكين إلى الكسل واليأس طالما بقي في حدود هذه الأرض الجرداء. وسوف تضيع أيام المسكين وعمره في محاولات لقتل الوقت وتغييب العقل. فالأمل هو المحرك الأول للعمل، ومن يعمل لن يجد وقتاً لمشاهدة الأفلام الإباحية أو تدخين البانجو!

2- الثقة: لن يستغني الشباب عن مشاهدة المواقع الإباحية والسقوط في الزواج السري المسرحي (المشهور بالعرفي) وهو فاقد للثقة في المسئولين عن أمور بلده وإدارتها. ففقد الثقة ينتج شعوراً بعدم الأمان يقتل طاقة العمل لدى الإنسان.

3- التعليم: لو كانت سنوات التعليم الأساسي والجامعي أكثر فعالية في إقناع الشباب بجدواها، ولو كان نظام التعليم في مصر يسمح بتنمية قدرات الإنسان المصري العقلية والعملية لوجد كثير من الشباب منافذ لطاقتهم وبواعث لنشاطهم تجنبهم الإفراط في ما يبدد الوقت بغير نفع.

4- الاقتصاد: لو كان الزواج ميسوراً لانتهت علاقة أكثر الشباب بالمنتجات الإباحية بمجرد الزواج!

5- المنافع العامة للشباب: أين يجد شباب مصر ملاعب مهيئة للعب كرة القدم؟ وكم يوجد لدينا من ملاعب تنس، وحمامات سباحة وصالات رياضية متاحة بعيداً عن نوادي العاصمة، ويستطيع الشباب من الأحوال الاجتماعية والاقتصادية المختلفة استعمالها!

6- ثقافة الزواج الصحيحة: صعوبة الزواج مشكلة مزدوجة، فالشباب بين اقتصاد صعب وثقافة زواج مادية فاشلة لا يجد أقرب ولا أيسر من فيلم جنسي أو زواج عرفي!

7- توفر الفرص: أصبحت مصر ومنذ عقود طويلة بلداً مغلق الآفاق مسدود الطرقات! ففي بلد مثل الولايات المتحدة على سبيل المثال يشعر الإنسان أن الفرص تأتي لأصحاب النشاط والعمل والذكاء، وأن من لديه الاستعداد والطاقة على العمل والمخاطرة يمكنه أن يغير ظروفه ويطور حياته، أما في البلدان المخنوقة فإن الفرصة تكاد ألا تتهيأ إلا لأصحاب المال أو السلطة. والفرص المتاحة للجميع محدودة العدد ومحدودة الآفاق كذلك. ناهيك عن عدم المساواة الصارخ بين العاصمة والأقاليم، ومحو ما يربو على نصف السكان – وربما أكثر – من خريطة الفرص أساساً (الأمية).

8- مناخ سياسي صحي: يتصل ذلك اتصالاً وثيقاً بمناخ الثقة. كما أنه من دواعي قتل الأمل في نفوس الشباب، وقد تمت الإشارة إلى أدوار الثقة والأمل.

9- المشاركة وثقافة الأعمال التطوعية: لو نظرت إلى المجتمعات الغربية الأكثر تقدماً لوجدت شيوع النشاطات التطوعية بما يتعدى بمراحل حجم تواجدها لدينا. والنشاط التطوعي ذو منافع متعددة للمشاركين فيها ذاتهم وللمستفيدين منها سواءً بسواء. ومعلوم أنه لن يتطوع بوقته وجهده من لا يجد متسعاً في الوقت والرزق لينظر خارج ذاته ومشاكله. والأعمال التطوعية تختلف تماماً عن مجرد إخراج صدقة أو زكاة، فهي إنفاق للوقت والجهد وخبرة مباشرة بأحوال من هم أقل منا في الحظ والرزق. غير أن هنالك نسبة من شبابنا تعاني الفراغ وتنعم بسعة في الوقت والرزق، لو وجهوا بعضاً من ذلك في نشاطات تطوعية منظمة لانتفعوا ونفعوا.

10- إخراج مصباح الدين من قمقم الصلاة والصوم والحجاب: هذا حديث طويل. فالدين قد يكون أفيونةً معطلة أو إكسيراً منشطاً. وحينما يحصر الفكر الجماعي جوهر الدين في طقوس حركية وفروض مظهرية فإن الدين لا ينقذ ولا يغني من فقر وجهل ومرض.

11- الحرية: الحرية – حرية النفس – هي محصلة كل ذلك. فالفقر وانعدام الأمل وانسداد الآفاق وعدم القدرة على الزواج، كل هذه أسباب يشعر معها الإنسان أنه فاقد لحريته، عاجز عن التأثير في نفسه وفي الحياة من حوله. والشعور بالعجز يطفيء روح الإنسان ويحوله إلى عقل ثقيل وبدن عليل. وما الثورة أو الهوجة إلا اندفاعة نفاد القدرة النفسية للفرد على تحمل سجن العجز.

ولو كانت في نفوس القائمين على شباب مصر رحمة حقيقية بهذا الشباب ووقته وطاقاته لأعادوا له هذه الصفحات المقطوعة، بدلاً من قطع مواقع وصفحات تافهة، لا يهتم لها إلا التافهون!

من أرض إلى أرض

منذ شهر كامل هاجرت هجرة جديدة، من أرض كانت قد أصبحت مألوفة، إلى أرض غريبة وجديدة. من مدينة صغيرة إلى مدينة كبيرة، ليس لي فيها إنسان ولا مكان. كنت أود أن أترك الجليد والبرد إلى جنوب القارة حيث الشمس والدفء، غير أنني، تحركني تدابير القدر التي تعلو على أفهامنا المحدودة بالمكان والزمان، وجدت نفسي مهاجراً إلى أرض أخرى شمالية، إلى ذات الجليد الأبيض والبرد الذي يدفعك دفعاً أن تلجأ إلى دفء الجدران. بل إن البرد في شيكاغو، التي انتقلت إليها، أحياناً ما يغلب برد مدينة إثاكا الصغيرة. فالمدينة الشهيرة بـ “مدينة الرياح” تتضاعف فيها درجات الحرارة سلباً حين يتحرك الهواء، فتجعل الإحساس بدرجة حرارة 15 تحت الصفر تماماً كأنها 25 أو 30 تحت الصفر! ولكن الإنسان، إذ يعيش في أرض مسخرة له، يتكيف مع غريب الظروف وعجيب الأجواء. والملايين تعيش أعمارها في هذه المدن حياة يتعودون عليها فتصبح طبيعية. فمع اقتراب الشتاء يتجهز الإنسان بالملبس المناسب، ويتهيأ للبرد بمصنوعات تغطي أطرافه وتدفئها قدر الإمكان. وتتهيأ المركبات التي تسير على عجلات لصعوبات المسير فوق الثلوج، وتتباطأ في سعيها من مكان إلى مكان تجنباً لأخطار فقد السيطرة فوق الماء المتجمد.

والحق أن من مميزات الأجواء الشمالية أن تغير الفصول ملحوظ محسوس. فالشتاء أبيض بارد. والربيع يتحرك من الصفرة نحو الخضرة ومن البرد إلى الدفء. والصيف أخضر خضرة عميقة متمكنة. ثم يأتي الخريف فتتكشف الخضرة عن ألوان كونية متفاوتة ترسم “لوحات طبيعية” بديعة، ثم تصفر الأوراق وتقع تحت الأشجار وفوق الطرقات والأرصفة فترسم لوحة أخرى ذات جمال، مهما رأينا الأوراق المتساقطة على الأرض كشيء يجب التخلص منه. ثم تتعرى الأشجار وتشيخ، ثم تغطيها طبقات بيضاء، وتتكرر الدورة.

لا أعرف إن كانت هذه المدينة سوف تصبح بيتاً لي لشهور قادمة أو أعوام. فلا شيء يربطني إلى مكان معين –حتى الساعة- في هذا البلد القارة. لا شك أنني تعلمت أشياء وخسرت أشياء أخرى في هذه الهجرات. لكن التعلم يستحق أن نخسر في سبيله أشياء زائلة. فالحكمة تبقى والأشياء تفنى. ولعل أهم ما وصلني عبر هذه الخبرات، والهجرات، والمتاعب، أننا عابروا سبيل، شئنا أما كرهنا، ومهما توهمنا عكس ذلك. وفي الطريق من أرض إلى أرض لا أرى بقاءً ولا وجوداً إلا لحقيقة واحدة.

إن الله باطن يظهر نفسه لا في رؤى الأبصار، ولكن في إدراك القلوب إذ تتقلب في الأحوال، وتتقلب بها الآمال. وكأن الأرض كانت تحركني فوقها، بوحي من ربها، وتلقي بي على رأسي بين حين وحين، في ضربات قد توجع، لكنها لا تهلك. ولم توجعني ضرباتها كثيراً، ولا أعلم إن كان ذلك بلادة في الشعور، أم أن رأسي قد تحصنت من قبل ضد ضربات كل زائل. فالزائل ضعيف هين مهما استخدم من مؤثرات بصرية وسمعية للسيطرة على عقول المشاهدين. وليت المشاهد يعلم أنه مشاهد وأن العرض مسرحية سوف تنتهي ويسدل الستار، ويعود كل إلى بيته بعد أن لبثوا فيها يوماً، أو بعض يوم، أو محض ساعة!

نهايات هجر وبدايات هجرة

أما الهجر فهو هجر هذه المدونة شهراً ونصف الشهر. فلعله ينتهي اليوم بقرار عودة ومحاولة مداومة. أما الهجرة فهي حركة من أرض الله إلى أرضه، مفارقاً لما لا أحب، متوجهاً لمجهول، مخاطراً بأشياء، ومعتمداً في ذلك كله على رحمة من الله.

ولعل من ترك تعليقاً من أصدقائي وأصدقاء المدونة فلم أرد عليه أن يعفو عما سلف. وأشكر كل من سأل وتساءل.

والفرد منا بين كسل وعمل، وأخذ وترك، وضعف وعزم، وأمل وهم، وقنوع ورفض. وأنا كذلك بين ذلك أتقلب، وأديم المحاولة مع نفس غير هينة، وعقل قلق، وقلب يسعى وراء أمل -أو وهم- يلح عليه منذ وعيه، ويحيا مع هم لم يعد يعرف أهو جزء مقيم أم دخيل لئيم.

لعل الله يعيننا على عودة للقراءة والكتابة. على قدر طاقة محدودة، وقصد آمال ممدودة!

شرفة على ذكرى

هذه صورة من شرفة الشقة التي ولدت وعشت فيها حتى المرحلة الإعدادية في مدينة المحلة الكبرى. الصورة لشارع شكري القوتلي قبل أن يتحول ويتغير ويتبدل. انتقلت العائلة بعد ذلك إلى عمارة على أطراف المدينة، أحببتها لأنها تطل على أرض مزروعة خضراء. في الصورة سيارة “أسترو” التابعة لمصنع الملابس الجاهزة الذي أسسته العائلة في بداية الثمانينيات وتطور ونما ثم حدث ما يجب أن يحدث لمن يريد أن يكون مستثمراً طموحاً في مصر. هذه الشقة لا تفارق عقلي الباطن، فرغم أن عقلي الواعي نسيها أو كاد، ما زال الكثير من أحلامي تدور أحداثه في هذه الشقة دون غيرها.

خطبة شدوية: التفاؤل و”قانون الجذب” في الإسلام

هذه ثاني خطبة أتيح لي أن ألقيها على مسامع جماعة المسلمين في مدينة إثاكا في شمال ولاية نيويورك. لم أخطط من قبل أو أتصور أن أقف موقف خطيب الجمعة. ولوقوفي هذا الموقف قصة يعلمها من تابع هذه المدونة. والحق أن تصاريف القدر لا تعبأ بما تتخيل أو تتصور – إلا بقدر معلوم (نعم: يعبأ القدر – كثيراً أو قليلاً – في بعض الأحيان بما تتخيل وتتصور، بكيفية سبق بها قول الخالق وتقديره). لن أخفي عليك أنني تخيلتني أتكلم في الناس، غير أن خطبة الجمعة كمناسبة للتحدث إلى الجماعات لم ترد لي على خاطر. فالقدر يعبأ بما تتصور، ثم يهيء لك منه أشياءً على غير توقع منك، وبكيفية لم تدر بخلدك. ويتصل هذا المعنى اتصالاً وثيقاً بموضوع خطبتي الثانية التي أعرضها عليك اليوم. سوف أقدم أولاً عرضاً بالعربية لمعانيها، ثم أورد في آخر هذه التدوينة وصلة لتحميل التسجيل الصوتي للخطبة بالانجليزية.

تحذير: سوف تكون هذه أطول تدوينة كتبتها. فلم أر من المناسب أن أقسمها على أكثر من تدوينة حتى تتماسك الفكرة. فإن مللت من تكملة القراءة فأرجو أن تقرأها على مراحل!

الخطبة: عن التفاؤل في الإسلام نتحدث

الإخوة والأخوات، أود أن أبدأ خطبتي اليوم بسؤال بسيط، وهو: هل سألتم أنفسكم من قبل لماذا ينجح بعض الناس في حياتهم، ويفشل آخرون؟ هل لاحظتم في وقت ما أن حياة المتفائلين والسعداء تبدو أيسر وأجمل، بينما تبدو المصائب وكأنها تستهدف المتشائمين دوناً عن غيرهم؟

لقد صدر كتاب يحاول أن يجيب على هذه الأسئلة، وكان عنوانه هو: “السر” The Secret! وقد لاقى نجاحاً كبيراً. ووفقاً لهذا الكتاب فإن السر في نجاح البعض وسعادتهم يكمن فيما يسمى: “قانون الجذب” The Law of Attraction.

فما هو “قانون الجذب”، وهل ورد ذكره بأي شكل في ديننا؟ سوف أطلعكم على السر وأخبركم عن ماهية هذا القانون، وسوف أبين أن هذا السر في الواقع، أو “قانون الجذب”، والذي تمت الإشارة إليه في القرآن وفي سيرة النبي وأحاديثه بأبسط العبارات، هذا القانون هو في الواقع ضرورة لحياة إسلامية حقيقية. هو لازم لحياة المسلم الداخلية، إن كان مسلماَ حقاً ومؤمناً بالله ورسوله.

علينا ألا ننسى أن المسلم لا يكون مسلماً فقط بمظهره، ولا حتى بأفعاله. نعم لا شك أن العمل بالغ الأهمية في الإسلام، غير أنه لا قيمة له دون أساس نفسي وروحي. ولهذا تحظى “النية” بمكانة بالغة الأهمية في تعاليم الإسلام. فالنية هي ما قد يباعد بين عملين متطابقين في الظاهر كبعد السماء عن الأرض. تأملوا مثلاً فعل الصلاة. ففعل الصلاة واحد بحركاته وأقواله. لكن الله يرفع من يصلي لوجهه، ويلعن من يصلي مراءاة للناس:
“ويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراءون.”
من أجل ذلك علينا أن نهتم لما في أنفسنا، لعالمنا الداخلي، فهو محك الإيمان. يحتوي عالمنا الداخلي هذا على أشياء كثيرة، ففيه معتقدات، ومشاعر، وصور وذكريات، وآمال وأحلام، وتوقعات، ومخاوف… هذا بعض ما تحويه هذه الحياة الداخلية، وهي أشياء يجب أن نوليها اهتمامنا وأن نحاول تطويعها لتعاليم ديننا. علينا أن نسلم لله حقاً، في باطننا وظاهرنا. ولن يتسنى لنا أن نلسم لله حتى نستطيع توجيه عالمنا الداخلي والتحكم فيه.

أود أن تتذكروا هذه المعاني وأنا أخبركم عن ماهية “قانون الجذب”. هو قانون في غاية البساطة، فهو يوضح أن الإنسان يجتذب ما يفكر فيه، ويحصل على ما يتوقعه. أي أن عالمك الخارجي يتشكل ويستجيب لعناصر عالمك الداخلي من أفكار وتوقعات. هذا هو السر في نجاح البعض وسعادتهم دوناً عن آخرين. وهذا المعنى وربي يتحدث به القرآن، ونجده في حديث النبي (ص) وسنته. فأنت إن تشاءمت، فلن تخيب ظنونك، وسوف تلقى من الحياة ما لا تحب! ومهما بذلت من جهد في إطار من التشاؤم واليأس، فلن يأتي عملك بأية ثمار طيبة.

فما قول تعاليم الإسلام في هذا القانون؟ لقد ورد عن نبي الإسلام (ص) أن الله يقول في حديث قدسي: “أنا عند ظن عبدي بي”. ورد ذلك في بداية حديث قدسي، وغالباً ما يهتم المعلقون ببقية الحديث ولا يولون هذه الكلمات ما تستحق من عناية، لكن هذه الكلمات تحديداً هي ما أريد أن نتوقف عندها. ففيها “قانون الجذب” بأكمله، في كلمات قليلة. غير أنها تشير لحقيقة هذا القانون بشكل أصدق. فما يستجيب لتوقعاتك ليس قوى كونية مجهولة الهوية، ولكنه قانون إلهي وضعه الله في الحياة. فحينما تأمل في الله خيراً، وتثق في كرم عطائه، فلا شك أنه تعالى سوف يعطيك عطاء الكريم وسوف يأتيك بالخير. أما لو يئست وتشاءمت، فلسان حالك يقول لله: أنا لا أثق فيك! فإن “الكريم” من أسماء الله وصفاته، ولو غاب في نفسك الرجاء في هذا الكرم، فلا يعني ذلك في واقع الأمر إلا ضعف ثقتك أنه حقاً “كريم”! هل تدركون خطورة هذه الحالة النفسية؟ والآن فلنتفكر قليلاً في معاني أسماء الله وصفاته، فإن الله هو “الغفور”.. “المعطي”.. “الرزاق”.. “النور”.. “الكريم”.. “الرحيم”.. “الفتاح”.. “العدل”.. “الصبور”.. “الشكور”.. “الودود”.. “المغني”.. “الهادي”. تذكر أنك إن خفت الفقر، فأنت في الواقع لا تؤمن أنه جل شأنه هو “المغني” و”الكريم” و”الرزاق”. وإن خفت ضياع جهدك دون المرجو من ثمار طيبة، فإيمانك ما زال زائفاً بأنه هو “الفتاح” و”الشكور”، فهو يفتح لك الأبواب والفرص، ويجزيك خيراً عن كل ما تحسن من عمل:
“إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً”
وإن خفت ظلم البشر وجورهم على حقك، فإنما تنسى أن الله هو “العدل”. وإن غلبت عليك الحيرة وضل عنك السبيل، فقد غابت عنك صفة الله “الهادي”.

منتصف الخطبة، الدعاء.

الإخوة والأخوات، لقد تحدثت إليكم حتى الآن عن “قانون الجذب”، ومعناه أنك تحصل على ما تتوقع، ويفسر بذلك سبب تعاسة المتشائم وسعادة المتفائل. وأشرت إلى بعض ما ورد في تعاليم الإسلام من إشارات إلى هذا القانون. وفيما يلي أحب أن أواصل عرض ما ورد في القرآن وفي سنة النبي (ص) من إشارات لـ “قانون التفاؤل”، كما أحب أن أسميه.

أرجو ألا تنسوا أن الهدف من هذا الحديث هو إثبات أن المسلم ينبغي أن يكون إيجابياً في الفكر والعمل، وأن يكون تركيزه على الجوانب الإيجابية دوناً عن السلبية. فهكذا يجدر بالمسلم أن يشكل عقله، وأن يبني عالمه الداخلي.

تأملوا هذه الآية الجميلة من سورة البقرة:
“إن الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا”
هل عقلتم هذه المعاني! هذه رسالة من الله إلينا: أن الفقر ليس إلا وعد من الشيطان، في حين أن وعد الله هو المغفرة والفضل والسعة. فأي الوعدين نصدق؟؟!! هل نصدق الله، أم نصدق الشيطان! لنتذكر جميعاً أن الفقر في حقيقته لا يعني قلة المال، فنقص المال ما هو إلا مظهر مادي. إن الفقر في جوهره ما هو إلا حالة عقلية ونفسية. وإن فقراء العقل والنفس المقيمون في هذه الحالة الوجدانية إنما يتبعون الشيطان ويضلون عن سبل الرحمن. وعقلية الفقر هي ما تؤدي إلى مرض البخل. فقد ترى رجلاً يملك الملايين، ولكن عالمه الداخلي بائس وفقير. بينما تجد أن المؤمنين بالله حقاً يحبون العطاء، ولو كان المال في أيديهم قليلاً، وذلك ليس إلا إشارة لكونهم لا يعيشون عقلية الفقر. وهو ما يفسر أيضاً مثل رسول الإسلام (ص) الذي كان يعطي عطاء جعل أصحابه يخبرون عنه أنه كان “يعطي عطاء من لا يخشى فقراً”. فهذا هو مثل النبي الذي لم يكن يملك من المال الكثير كما نعلم، لكنه كان يعيش في حالة أو عالم داخلي يفيض بالثراء والسعة.

دعنا ننظر في إشارات أخرى “لقانون التفاؤل” في الإسلام. لقد أشرت من قبل للحديث القدسي: “أنا عند ظن عبدي بي”. كذلك ورد عن النبي (ص) قوله: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة. والآن تخيلوا معي الحالة الوجدانية لإنسان يصدق تماماً هذا الحديث. تخيل أنك تدعو الله وتسأله حلالاً من طيبات رزقه، ثم تمضي في حياتك واثقاً أن كرم الله ورحمته سوف يحققان لك ما تبغي. تصور قدر ما يملأ نفسك في هذه الحالة من قوة وأمل وحماسة. لا شك أن الله لن يستجيب لدعائك بين عشية وضحاها، لكنك إذ تدرك ذلك توقن أيضاً أن الله قد سمع دعاءك وأجابه، ومن ثم تختفي مخاوفك. تخيل مثلاً، ولله المثل الأعلى، أن عندك مشكلة تؤرقك، ثم أتيح لك أن تقابل رئيس الجمهورية نفسه (نسيت أن أوضح في هذا المثل أن رئيس الجمهورية المعني ليس رئيساً عربياً!!)، ثم وعدك الرئيس (غير العربي!) وعوداً حسنة بحل مشاكلك. كيف لك أن تشعر وأنت ذاهب عنه، بعد هذا اللقاء الواعد؟ ألن تكون مستبشراً بالخير، بشراً يبث في نفسك الطاقة والحبور؟ قد يوضح لنا هذا المثل أن حالتنا الوجدانية لا ينبغي أن تكون أقل من ذلك بأي شكل بعد التوجه لله داعين سائلين للخير.

أحب أيضاً أن أحدثكم عن آية تدعو للتأمل والدهشة في سورة الإسراء، وهي:
“ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير، وكان الإنسان عجولا”
لقد لفتت هذه الآية نظري بشدة. هل نطلب نحن بني آدم الشر لأنفسنا تماماً كما نطلب الخير؟! إنني أعتقد أن هذه الآية تؤكد ما يذهب إليه “قانون الجذب”. وظني أن معنى الدعاء فيها قد يكون: التوقع. فالإنسان حينما يملأ نفسه التشاؤم وتوقع الشر فهو كالداعي بهما لنفسه. التوقع أو الظن هما حالة من الدعاء الخفي. تربط الآية أيضاً – في إشارة خطيرة الشأن – بين الدعاء بالشر والعجلة، “وكان الإنسان عجولا“. لاحظوا أن التشاؤم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنفاد الصبر. فالمتشائم يفقد الأمل بسرعة شديدة عند قدوم المشاكل والتحديات. بينما لا يمكن أن يتوطد الأمل دون صبر. فالمتفائل يدرك تماماً أن الحلول لا تأتي حال تمنيها بشكل فوري، هذا ما يدركه تماماً كل عاقل ذو نظرة إيجابية للحياة، ولذلك لا تصيب أمثال هؤلاء العجلة، ولا ينظرون تحقيق ما يرجونه بصبر نافد.

هنالك أيضاً عبرة نستطيع استنباطها من وقت عصيب مر به النبي وأصحابه، إبان معركة الخندق. فقد كانت جماعة المسلمين في المدينة في انتظار تحالف من الأعداء، كبير العدد والعدة، يسيرون نحوهم ولا يبغون إلا تدميرهم ودولتهم الوليدة. كان النبي وأصحابه هم الطرف الأضعف في ميزان واقعهم الصعب. حينها اقترح سلمان الفارسي شق خندق حول المدينة، ليحول بينهم وبين من لا قبل لهذه الجماعة به من أعداد غفيرة من المحاربين. اجتمع الرجال خلف الخندق، وتركوا وراءهم نساهم وأولادهم، وأوصوهم بالبقاء في المنازل والتحسب لدخول الأعداء إذا انهزم الرجال أمامهم وقتلوا. فلتبق النساء خلف الجدران ويتأهبن للدفاع عن أنفسهن إذا ما تمت إبادة رجالهن. يا له من حال شديد القسوة والصعوبة! لكن انظروا للفتة صغيرة صدرت عن النبي (ص). فقد كان يضرب بمعوله في الصخر، فانبثقت شرارة رأى فيها شيئاً وأخبر به أصحابه. ليس هذا الموقف الصغير في هذه الظروف بالذات محض عبث أو صدفة. فقد أخبر أصحابه، وهم في خضم هذا الغم والترقب، أنهم سوف يغزون فارس، أحد أقطاب العصر في القوة والنفوذ. في هذه الظروف! لقد يبدو ذلك كأمل مستحيل، ما كان هؤلاء الرجال يجرؤون حتى أن يحلمون به! لكن فكروا في أثر هذه النبوءة عليهم، فهم يصدقون النبي وأنه لا ينطق عن الهوى. إن من شأن هذه النبوءة أن تبث في أنفسهم آمالاً مشرقة، وترفع توقعهم للمستقبل إلى عنان السماء. لقد كانوا في أمس الحاجة إلى مثل هذا الأمل لكي يستطيعوا مواصلة العمل والاستمرار في المحاولة. إن في هذا مثال شديد الوضوح عن كيفية استغلال النبي (ص) لـ “قانون الجذب” أو “قانون التفاؤل”. فخلق الأمل والتوقع الحسن في نفس الإنسان يملأ قلبه بالقوة والقدرة على العمل.

والآن أحب أن أختم هذا الحديث بمثال جميل من قصة يعقوب عليه السلام في سورة يوسف، وفيها قصص يوضح كيف يحتفظ المؤمن بروح التفاؤل والأمل. لقد غاب يوسف عليه السلام عن أبيه ما لا يقل عن عشرين عاماً، وربما خمسة وعشرين أو حتى ثلاثين، من يدري. لكن انظروا في موقف يعقوب عليه السلام بعد غيبة ولده المحبب إلى قلبه يوسف كل هذه السنوات، وقد تقدم يعقوب في العمر، ثم ها هو الآن يفقد ولده الآخر المحبب إلى قلبه، الأخ الأصغر ليوسف! فما يقول يعقوب لبنيه في مواجهة هذه المصيبة الجديدة؟
“يا بني اذهبوا وتحسسوا من يوسف وأخيه، ولا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون”
في هذه الآيات نقرأ قصة التفاؤل في الإسلام كأتم ما تكون. تستطيع أن تأمل في أشياء تبدو مستحيلة، ولكن عليك أن تعمل على تحقيقها. فيعقوب هنا يطلب من أبنائه أن يذهبوا ويعملوا، ويبحثوا وهم في حالة من الأمل في رحمة الله، رغم أن البحث عن يوسف بعد كل هذه السنوات يبدو مستحيلاً ومنبت الصلة بأي منطق معقول. لكن هكذا يكون الأمل في نفوس المؤمنين الصادقين. هو أمل يصاحبه عمل إيجابي.

الإخوة والأخوات، دعوني أختم خطبة اليوم بتذكير نفسي وإياكم أن الأمل يحفز على العمل، بينما لا يؤدي التشاؤم إلا للكسل والقعود. نحن بحاجة أن نركز على هذه الحقيقة لكي نطبقها على المستويين الداخلي ثم الخارجي. علينا أن ندرب أنفسنا على الاحتفاظ بأمل لا يتزعزع في رحمة الله وكرم عطائه، أمل يحفزنا على الاستمرار في العمل لخير أنفسنا ولخير الإنسان في كل مكان، حتى نستطيع القيام بدور الإنسان كخليفة لله في أرضه.

ثم اخترت ما يلي من دعاء رسول الله (ص) لختم الخطبة قبل الصلاة:
اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن، ونعوذ بك من العجز والكسل، ونعوذ بك من الجبن والبخل، ونعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك.
اللَّهمَّ أَصْلِحْ لنا دِيننا الَّذي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنا، وأَصْلِحْ لِنا دُنْيَاناَ التي فِيهَا مَعَاشنا ، وَأَصْلِحْ لنا آخِرَتنا الَّتي فِيها معادنا، وَاجْعلِ الحيَاةَ زِيادَةً لنا في كُلِّ خَيْرٍ ، وَاجْعَلِ الموتَ راحَةً لنا مِنْ كُلِّ شَرٍ.

ملحوظات ختامية:

1. تستطيع الاستماع للتسجيل الصوتي لهذه الخطبة هنا. والتسجيل الصوتي يحتوي في النهاية على بعض الحديث المرتجل الذي لم أسجله هنا، فقد ترجمت النص المكتوب للخطبة فقط.

2. لمن استمع إلى الخطبة الأولى، أحب أن أعرف تقييم الإلقاء وهل هو أفضل في الخطبة الأولى، حيث سجلت نقاطاً وارتجلت الحديث، أم في هذه الخطبة حيث كتبت النص وقرأته. وما فعلت ذلك إلا لخوفي من عدم تمكني من اللغة.

3. بعد هذه الخطبة تراءت لي أشياء كثيرة تتصل بذات الموضوع، حتى تصورت أنه بحاجة إلى كتاب منفصل، لو أنعم الله علينا لشرعت فيه إن أذن. بل وفكرت أن أفعل على غرار عبد الله المهيري وأجرب عمل حلقات صوتية لمواصلة الحديث عن هذا الموضوع. عموماً سوف نرى، ولا يبخلن مقترح بمقترحه، ولا صاحب دلو بالإدلاء به!

4. لا يحسبن قاريء أن كاتب هذه الكلمات هو رجل يفيض تفاؤلاً وأملاً في الحياة! فلو عشت أنا مصداق هذا الحديث منذ عقد من الزمان لتغيرت قصة حياتي تغيراً تاماً، غير أن هذه معاني أؤمن تماماً في صحتها وأود أن أعمل على التخلق بها، وهو سعي غير يسير وجهاد متصل، لكن ثماره وفيرة وتستحق العمل لأجلها.

شدو يخطب في الناس: الأخوة في الإسلام

تحدثت منذ فترة عن خطبة الجمعة التي حاولت خنقي في أمريكا. ثم ذكرت جانباً من توابعها وما تلاها. غير أنني لم أذكر واحداً من هذه التوابع في حينه، وهو أن هذه الخطبة أدت لإلقائي خطبة الجمعة بعد ذلك ببضعة أسابيع! والذي حدث – لمن يذكر الموضوع أو يحب العودة إليه – أنني بعد الخطبة عبرت عن استيائي الشديد، وقلت فيما قلت أن أي إنسان عاقل سوف ينفر من مثل هذا الفكر، وركزت على كوننا في بلد غربي غير مسلم، وأن أي مستمع أتى محاولاً فهم هذا الدين فسوف يكون معه كل الحق إن خرج منه نافراً ولأفكاره مستحقراً! ثم تأكد لي ذلك حينما التقيت مع رجل أمريكي مسيحي بعد الخطبة مباشرة فأعرب عن اندهاشه لما سمع واطمأن بعد أن رأى أن مسلماً أو أكثر قليلاً ينفرون أشد النفور من هذا الفكر ويرونه مخالفاً لحقائق دينهم. في الجمعة التالية ذهبت لصديقي الذي حاورته وأخبرته بما سمعت من الأمريكي المسيحي، في محاولة لتأكيد صحة ما ذهبت إليه. وكان صديقي هذا يخطب الجمعة أحياناً، فاقترح مشكوراً أن ألقى الخطبة بدلاً منه بعد أسابيع قليلة. فتترددت قليلاً ثم قبلت. والحق أنه طالما طاف بذهني من قبل أن هنالك مواضيع أحب أن تذكر على مسامع جماعة المسلمين هاهنا، بل وفكرت أن أكتب خطبة وأعطيها لصديق كي يلقيها نيابة عني، فما يهمني هو وصول الفكر بغض النظر عن أداة التوصيل. لكن حينما جاءت الفرصة ومع إلحاح وإقناع الصديق، غلبت علي طبيعتي المحبة للتجريب فقررت الإقدام، وكان ما كان!

حينما علم بعض أصدقائي بدأت التحذيرات! فإن لي آراءً في الدين كثيراً ما تزعج المؤمنين المخلصين ممن ولدوا مسلمين. ولا يفتأ استياؤهم يدهشني، إذ لا أرى فيما أقول إلا منطقاً متوافقاً تماماً مع الوحي وحقائق الرسالة. لذلك لم أتقبل بصدر رحب تحذير صديق ألا أقول خطبة تحوي فكري الديني – الغريب وربما المبتدع إن شاءوا – وأن أعرضها عليهم قبل أن ألقيها، فغمغمت باقتضاب ألن أفعل، و.. “أنا أعي ما أقول”! لم يكن غروراً لكنها خبرة أعوام بالدين كما أنزل، وبإيمان أهله به كما شبوا عليه!

حاولت أن أتحدث في أمر قريب من قبول المستمعين، على أن أعالج واحداً من أمراض جماعة المسلمين، وأعرض لما أراه شيئاً من أساسات الدين الذي احتفظ المسلمون باسمه وجحدوا معناه، فتحدثت عن الأخوة في الإسلام. والحمد لله تقبلها الناس بقبول حسن. وقد رأيت أن أسجلها حتى أستطيع العودة إليها وتكشف أخطائي، لا سيما أنها كانت باللغة الانجليزية، وهي لغة لم أتعلمها إلا في المدارس الحكومية المصرية، ثم بالقراءة والحياة في أمريكا على كبر! وهي تجربة وخبرة مفيدة في الإلقاء والتكلم أمام جمع من الناس، أو الـ public speaking. وقد أصابني القلق قبل الخطبة حينما أدركت أنني لم أفعل إلا أن كتبت نقاطاً، فندمت أنني لم أكتب النص كاملاً حتى يسهل علي تكوين المعاني. ولم أقل كل ما أحب قوله في هذا الموضوع، لا سيما بعض الاقتراحات العملية، فقد كنت محدوداً بوقت معين.

هذا تسجيل للخطبة تستطيعون تحميله والاستماع إليه، وأرحب بكل رأي ونقد. وسوف أكتب المعاني بالعربية أيضاً وأنشرها في تدوينة قادمة بإذن الله.