حياة الكتب والحياة في أمريكا

أنا مدون كسول، تنتابني أوقات قليلة من النشاط التدويني لا تلبث أن تخبو. لكنني لست راض عن ذلك بالضرورة. ومن منا راض عن أدائه في الحياة تماماً؟! لو أنك راض عن أدائك تماماً فأرجو أن تخبرني كيف أو أن تؤلف كتاباً تنفعنا جميعاً به!

غير أن هذا الكسل لا يحول بيني وبين إنشاء مدونة جديدة كل حين وآخر، وكأن المدونة الجديدة سوف تأتي معها بجرعات إضافية من النشاط! ومع ذلك فإن عندي اليوم أسباب وجيهة للتنويه عن هاتين المدونتين الجديدتين:

الحياة في أمريكا:
تحتوي هذه المدونة الآن على ما كتبته من مواضيع سابقة لها صلة بالحياة في الولايات المتحدة الأمريكية، بلد مهجري منذ عام 2002. وتخصيص مدونة لهذا الموضوع يراودني منذ فترة لما أراه من اهتمام ورغبة في مثل هذه المواضيع وأيضاً بسبب ما أتلقاه من أسئلة حول الهجرة والحياة في أمريكا. وأعتقد أن تخصيص مدونة عن هذا الموضوع سوف يسهل للمهتمين به تصفح التدوينات السابقة والعثور على ما يبغونه من معلومات، كذلك قد يحثني على كتابة المزيد من المواضيع في هذا الباب. سوف يعني ذلك أنك لن تجد في هذه المدونة بعد اليوم التدوينات المصورة للأراضي الأمريكية، حيث ستنتقل جميعاً للمدونة الجديدة بإذن الله.

ولهذه المدونة أهداف عدة، منها ما هو سياحي لمحبي التعرف على البلدان ورؤية الصور، كذلك تزويد الراغبين في الهجرة أو السفر ببعض المعلومات كما يراها من يعيش بالفعل داخل أمريكا. لكن الأهم عندي، والذي قد تكون لاحظته من أسلوب عرضي لهذه المواضيع في السابق، هو أن أنقل إليك ما أشعر به من غيرة ألا تكون بلادنا مثل ذلك أو أفضل. وأنا أؤمن أن الاطلاع على تجارب الآخرين الناجحة ضرورة لازمة للتقدم. علينا أن نعلم حجم تأخرنا لكي نحجمه، وأن ننظر لنجاح الأمم في الشرق والغرب بمزيج من الاحترام والغبطة والإيمان أن في مقدورنا أن نفعل المثل.

حياة الكتب:
أما المدونة الثانية الجديدة فعن الكتب، كما ينبؤك بذلك عنوانها. لقد خطر لي منذ أسابيع أن حياتي لن تتغير أي تغير إلى الأفضل إلا إذا قرأت أربعة كتب كل شهر! لماذا كتاب في الأسبوع؟ لا أعلم تماماً، لكنني فقط شعرت أن أقل من ذلك لن يحدث التغيير المطلوب.

تذكر أن التغيير الحقيقي إنما يبدأ من فكرة تتحول لشعور ثم فعل. والفكر هو عالم الإنسان الحقيقي الذى تتشكل فيه حياته وأفعاله. والكتب تقدم المادة الغذائية التي يعيش عليها هذا الفكر. إن الكتب للفكر مثل الطعام للجسد، فيه الرديء المضر، وفيه ما يحتوي على سعرات حرارية فارغة! وفيه كذلك الخفيف المغذي – الذي يدخل في الصميم دون زيادات أو شحوم – وفيه أيضاً الدسم الممتع!

على كل، أنا لا أقرأ الآن كتاباً كل أسبوع بأي حال، وإن كنت أتمنى ذلك. والهدف من المدونة شخصي شديد الذاتية – تعظيم استفادتي بما أقرأ بالكتابة عنه – يختلط به هدف غير ذاتي هو مشاركة من تقوده الأقدار إلى صفحات المدونة فيما يقع بين يدي من ثمرات فكرية

مرئيات: عن كتاب انشر كتابك عبر انترنت لشبايك

عودة إلى التدوين المرئي! هذه المرة أحدثكم في حوالي سبعة دقائق عن كتاب قرأته حديثاً للمدون المصري رؤوف شبايك المعنون “انشر كتابك بنفسك عبر انترنت”.

هذه هي التجربة الثانية في التدوين المرئي. لعل الأمر يستغرق بعض الممارسة حتى أستطيع الاختصار بشكل أفضل في الحديث.

أحد أهدافي من هذه التجربة هو البدء في عرض بعض ما أقرأ من كتب. فلا يوجد أفضل من الحديث عما تقرأ كوسيلة للاستفادة مما فيه بدلاً من أن يهوي في غياهب العقل غير الواعي إلى الأبد.

وبغض النظر عن سوء تجاربي المرئية من عدمه، لعلنا نرى المزيد من أصدقائنا المدونين يخرجون أنفسهم من خلف الكلمات حتى نتعرف عليهم بشكل مختلف! :)

أمنيات الكتب

منذ وقت قريب بدأت في متابعة مدونة سردال، بعد أن يسر لنا قاريء جوجول وسيلة أكثر ذكاء وسرعة في متابعة ما نحب من مدونات. وفي تدوينة غير بعيدة اقترح كاتب المدونة أن ينشر كل منا قائمة الكتب التي يحب شراءها على موقع أمازون الشهير لبيع الكتب. والموقع يتيح لمستخدميه هذه الخاصية بالفعل، ألا وهي إنشاء قائمة بالكتب التي يود المستخدم شراءها في المستقبل Wish List. وقد بدأ بتلبية الاقتراح صديقاي في التدوين د. إبراهيم عبد الغني ثم علي أبو طالب. ولأن مثل هذا الاقتراح يمس مشاعرنا نحن معشر محبي الكتب، فقد لاقى هوي في النفس. ثم شجعني صديقاي في العالم الافتراضي على الإدلاء بدلوي في بئر الأماني المعرفية الذي لا حد لعمقه، ولا تكفي أعمار وأعمار للتجول في أنحائه جميعاً!

وقبل أن أنشر الوصلة لقائمة أمنياتي الخاصة فلابد لي من بعض الحديث على سبيل المقدمة. أما القائمة فأنا لم أقم بإنشائها في وقت حديث، فلقد ولدت مع بداية عهدي بموقع أمازون، ولذلك فسوف تجد أن قائمتي تغطي ثماني صفحات كاملة. فقد كنت أضيف إليها شيئاً كلما رأيت كتاباً في مكتبة أو على الموقع وشعرت أنني أحب اقتنائه في وقت قريب أو بعيد. أما النفع من نشر هذه القائمة فله وجهان في رأيي. الأول هو اطلاع على اهتمامات صاحب كل قائمة، فما نختار من كتب يفصح ولا شك عما نحمله في عقولنا وقلوبنا من أفكار ورغبات وهموم. أما وجه النفع الثاني فيتمثل في تعرف كل منا على كتب ربما أحب إضافتها وقراءتها ذات يوم. فالحياة واسعة ولا يستطيع إنسان واحد أن يلم بكل ما فيها من مصادر الخير وأسباب العلم.

أما ملحوظتي الثانية فهي أن هذه القائمة إنما تمثل اهتماماتنا الكتبية باللغة الانجليزية فقط. ولو كان موقع أمازون يبيع كتباً عربية لشملت القائمة ولا شك منها شيئاً كثيراً. وأنا شخصياً طالما تمنيت وحاولت أن أجد موقعاً مشابهاً لأمازون لبيع الكتب العربية. وكلما جربت موقعاً عربياً صدني عنه شيء. فأسعار الشحن – على سبيل المثال – غير معقولة على هذه المواقع. وقد تظن أن الشحن مرتفع الثمن لأن البائع في بلد عربي والمشتري عبر المحيط في الولايات المتحدة. غير أنني كثرما اشتريت كتباً من موقع أمازون الفرنسي، وكان يتم شحن الكتب عبر المحيط أيضاً من فرنسا، لكن أسعار الشحن كانت مناسبة تماماً. ولا أعتقد أن المسافة بين فرنسا ولبنان أو مصر هي التي تضاعف تكاليف الشحن هذه الأضعاف المضاعفة!

على كل، هذه قائمتي. أما أمنيتي- قبل الحصول على هذه الكتب من القائمة – فهي أن أنهي
أولاً قراءة كل ما اشتريته فعلاً من كتب! (لا سيما بعد ما نهلته من سيل الكتب).

ثلاثة كتب حتى الان

كنوع من الترويح عن النفس، والنظر في جانب إيجابي ولو كان صغير الحجم، أورد ما أنهيته من كتب منذ بداية العام الجديد وحتى الان! فالحديث عن الكتب عند أمثالي-ممن يحبون الكتاب، حتى ولو لم يقرأوا كثيراً وبالقدر الذي يتمنونه-هذا الحديث فيه ترفيه وخروج بالنفس من كآباتها وإحباطاتها. بل إن من أفضل نشاطاتي الترفيهية إذا خرجت هو التنزه، أو حتى مجرد الجلوس في واحدة من مكتبات بيع الكتب المنتشرة هنا في الولايات المتحدة. وهي مختلفة عما اعتدنا عليه في مصر، حتى زمن خروجي منها، مراعاة للدقة (لا أعلم ما جد بعد الهجرة).
هاهي إذاً محصلة العام حتى الان:

1. كتاب “Natural Cures They Don’t Want You to Know About” للكاتب الأمريكي كيفن ترودو Kevin Trudeau. وترجمة عنوان الكتاب هي: “أدوية طبيعية يريدون إخفاءها عنك”. والكتاب طويل وفيه تكرار كثير، وهو بعض ما يعيبه عليه منتقدوه، غير أنه مقدمة مهمة ومفيدة جداً- في رأيي-لموضوعه. والكتاب ببساطة يفضح ممارسات الطب وشركات الدواء العالمية وممارساتهم التي تهدف أولاً للربح، وفي سبيل ذلك تؤذي الناس في أجسامهم وحياتهم. وبين الحين والحين تطفو للسطح أخبار تؤكد هذه المعاني، من قبيل أبحاث أخفتها الشركات المنتجة لأدوية بعينها، هذه الأبحاث إما أنها توضح عدم فعالية الدواء، أو وجود أضرار جانبية خطيرة له. آخر ما قرأته شخصياً كان عن دوء “بروزاك” المضاد للاكتئاب، وكيف أن أبحاث الشركة المنتجة أظهرت أن فعاليته لا تزيد عن فعالية البلاسيبو (اقرأ نبذة عن معنى البلاسيبو هنا). ومنذ فترة قليلة طفت للسطح فضيحة أخرى بخصوص أدوية خفض الكوليسترول، وهي من أكثر الأدوية إدراراً للربح، كما أنها من أسوأ مفسدات الكبد! المهم هذا الكتاب وهذه الأفكار عموماً بحاجة لتدوينة أو تدوينات منفصلة (ماذا أفعل وطاقتي في الكتابة أقل مما يلزم للوفاء بكل ما أود أن أكتب؟!).

2. كتاب “Muhammad, a Prophet for our time” أو “محمد نبي لهذا الزمان”، للكاتبة وخبيرة الأديان الانجليزية كارين ارمسترونج. وهذا الكتاب غير كتابها السابق “محمد” عن سيرة نبي الإسلام. فكما يوضح العنوان، هي تحاول في هذا الكتاب عرض سيرة الرسول وتبيان ما فيها مما يتصل بأحوال العصر الحالي وكيفية التعامل معه. لكنها لا تعرض المقارنة واضحة، بل تسرد السيرة كما هي وتترك للقاريء تبين ما في الأحداث مما يتصل بمشكلات الزمن المعاصر. من عاداتي في القراءة أن أقرأ “بالقلم”، يعني أقرأ ومعي قلم أرسم به الخطوط تحت ما أحب أن أعود إليه وما أشعر بأهميته، أو أكتب ملاحظات خاصة قد تعن لي. غير أن ذلك لم يتح لي مع هذا الكتاب، لذلك قرأته قراءة سريعة. والسبب أنني اشتريته أساسا هدية لصديقة أمريكية بريطانية، نشأت متدينة محافظة تتبع المذهب البروتستانت. غير أنها بعد حوارات متقطعة في الدين، دامت لشهور، بدأت تميل للإسلام، وهي في مرحلة استزادة في البحث. وكنت أنا أود أن أشتري هذا الكتاب، فقررت شراؤه لها ثم أن أقرأه أنا أولاً قبل إهدائه!

 3. هموم داعية لمحمد الغزالي. وقد وصلني هذا الكتاب من مكتبتي في مصر مع ابنة أختي وهي قادمة في زيارة في الصيف الماضي. فالكتب العربية غير متوفرة عندي ها هنا، وبين الحين والحين أحن لقراءة كتب عربية! أما محمد الغزالي، والذي كانت كتاباته من أسباب عودتي للإسلام، بعد أن فصلت نفسي عنه متعمداً في محاولة للتحرر من تأثيرات “وراثة الدين”، فهي عندي متعة عقلية وروحية. فكم يسعدني وأنا أقرأه أن أجد رجل دين يتحدث بكلمات صريحة عن مدى فساد العقل الديني الحالي عندنا، بين رجال الدين وعامة المتدينين سواء بسواء!

عمر بن الخطاب ودرس في فن القرائة

أظن أن عمر بن الخطاب هو القائل أنه أو أنهم (أي إخوانه من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم) كان يحفظ سورة القران في شهور وأعوام، لسبب بسيط، أنه لا ينتقل لحفظ مجموعة تالية من الايات حتى يفهم ويعمل بما قام بحفظه من قبل.

تذكرت كم قرأت من كتب التطوير الذاتي، لا سيما بعد انتقالي إلى الولايات المتحدة، حيث تحظى هذه الكتب بشعبية كبيرة وتجد منها ما لذ للقلوب وطاب للعقول. والحق أنك تجد في هذه الكتب فكراَ ومعلومات شديدة النفع بالفعل، لكن لو عمل بها من يقرأها. أذكر أنني ذات حوار لي مع صديق عزيز مصري أمريكي يهوى مثلي هذه الفئة من الكتب قلت له أن هنالك خطر خفي أحياناً ما يكمن في قرائة هذه الكتب، إذ يستمتع القاريء بمشاعر الإيجابية التي تبثها هذه الأفكار في نفسه وهو يتخيل نفسه يعمل بها ويصلح من نفسه وحياته، ولكن الإنسان من طبعه البرود، فما يلبث القاريء أن تبرد مشاعره بعد أن يفارق كتابه، ولا يحاول العودة لما قرأ والعمل على هديه. فإذا أحب القاريء الاستزادة من مشاعر النشوة بأفكار النجاح والإنجاز، بحث عن كتاب جميل يتحدث عن هذه الأشياء وقرأ فيه، وتحمس وانتشى، ثم وضع كتابه ونسي!

ووافقني صديقي قائلاً أن قراءة هذه الكتب بالفعل تشعرك بالإنجاز فلا تسعى للانجاز الحقيقي في عالم الواقع. والمفارقة أن مثل هذه الكتب هي من أكثر الأدبيات عملية، فالقصة أو التاريخ ودراسات الفكر لا تعلم أو تحثك على اتخاذ فعل معين، أما هذه الكتب فموضوعها الأول هو ما يجدر بك أن تفعل وكيف تفعله.

كلنا يعلم الآية القرآنية التي يعلمنا فيها الله عز وجل أنه يمقت أن يقول المؤمنون ما لا يفعلون. كما نذكر كيف عبرت أم المؤمنين عائشة عن خلق نبي الإسلام بالوصف العبقري: “كان خلقه القرآن”، فالقرآن لم ينزل متفرقاً لغير حكمة، ولكنه يصنع نفس النبي وأخلاقه ونفوس وأخلاق من صحبه على مدار الأيام، والله يعلم أن الإنسان لا ينصلح كل حاله في يوم، ولكنه سعي متجدد ومتكرر.

هكذا تتبدى عبقرية درس عمر للقراء، في قرائتهم للقران أو لما علمه الرحمن للإنسان. أتمنى ألا أنتقل عن كتاب إلى غيره أو من مقال إلى آخر حتى أحاول التعلم والعمل بما قرأت، فتكون القراءة علماً نافعاً لا صاحبة للكسل وبقاء الحال على ما هو عليه، من يحاول معي؟

بين الثراء والتخمة

لقد أقسم الله بالقلم وبما يسطره به الإنسان. بل إن القلم-القراءة والكتابة-هو الوسيلة الوحيدة التي اختار الخالق أن يتواصل بها مع عباده، فالكتب السماوية هي، كما ترى، كتباً تقرأ وتتلى. والجاهل بالقراءة غير مستطيع للتواصل مباشرة مع كتاب الله، فهو بحاجة إلى من يقرأ له. هكذا جعل الله للقراءة والكتابة مكاناً خطيراً في حياة الإنسان منذ بداية الخلق.

وفي عصرنا الحالي تمتليء حياة الناس بآلاف مؤلفة من الصحائف المكتوبة، ما بين كتب ومجلات وصحف ومواقع على الإنترنت. والناس حتى في البلاد الفقيرة ما زالت تقبل على قراءة الصحف وغيرها، إذ يهيء لهم ذلك نوعاً من الاتصال بالحياة ورؤية عالمهم من نافذة مفتوحة، أو شبه مفتوحة. ومهما كان ما يطلون عليه من هذه النافذة، فإن الإنسان يفضل وجود النافذة على عدمه. بل إنه لو لم تتاح له نافذة حقيقية تراه يدفع ماله لقاء لوحة يعلقها على الحائط، مرسوم عليها نافذة مفتوحة على الدنيا، ثم يجلس إليها كل يوم. وفي جلسته يلعن النافذة المزيفة ويسخر منها بما في نفسه من مرارة القهر وحسرة الحرمان!

في خضم هذا البحر اللجي الذي لا يرى الفرد له أولاً من آخر، قد يقف المرء ذات مرة ليفكر ويحاول الاستيعاب والرؤية. ليس الاستيعاب وليست الرؤية لتلك الأعداد التي لا تحصى مما يقرأ، ولكن لموقف الإنسان منها ومنهجه في التعامل معها!

مباديء النجاح

أول أمس تقابلت مع أحد أصدقائي في مصر على المسنجر. كان قد قرأ هذه التدوينات المهدية (من المهد أقصد لا من الهدى، ولكن لعل الهدى أيضاً يسكن فيها). وسعدت حين ذكر أنه سمع عن كتاب مباديء النجاح الذي ذكرته هنا في أكثر من تدوينة. فوجئت تماما حين قال لي السعر الذي يباع به الكتاب في مصر، ففي حين أن سعر الكتاب على أمازون ستة عشر دولارا، وأكثر من ذلك قليلا في المكتبات، فإن سعر النسخة الأصلية (الانجليزية يعني) أربعمائة جنيه مصري!!! أي أن المكتبات المصرية تبيعه بما يقرب من سبعين دولارا!!! ولو كان بهذا السعر في الولايات المتحدة لما فكرت لحظة واحدة أن أشتريه أساسا. يعني نفس السلعة تباع في البلد الأفقر بالسعر الأغلى؟ أما الفاجعة الثانية هي سعر النسخة العربية من الكتاب أي ترجمته، إذ تبلغ 250 جنيه! أي أن سعر الترجمة هي الأخرى حوالي ضعف ثمن الكتاب الأصلي في بلد منشأه! يذكرني هذا حين كانت أسعار الجمارك على السيارات تجعلك تتعجب كيف أن الحكومة تجني في السيارة الواحدة أكثر من مكسب صانع السيارة ذاته في صنعته!! فهل تسير المكتبات في مصر على نفس هذا النهج؟

على كل حال، لقد خطر لي وأنا أقرأ الكتاب أن أكتب له تلخيصاً باللغة العربية، لأكثر من غاية. أولاً كنوع من ممارسة ما قرأته وتعلمته في الكتاب، فالقراءة وحدها لا تكفي لترسيخ ما نقرأ في الوعي. وهذا ولا يشك يحد من فائدة أفكار كثيرة وجديرة، يحدها ويضعفها حتى تنكمش مع الوقت وتتراجع إلى كواليس الذاكرة والوعي، أو كراكيب الوعي، تماما مثال الكراكيب المنسية في بيوتنا والتي قد تخبيء بينها أشياء ثمينة أضحت كراكيباً لمجرد أننا نسيناها. المهم كان هدفي أيضاً هو أن أجعل التلخيص مركزاً بحيث يسهل الرجوع إلى كل مبدأ وتنفيذه. أما الهدف الآخر فهو تقديم هذا الملخص لأصدقائي العرب من حولي، فمعظمهم لا يقرأ بالمرة. كما أن موضوع الكتاب في ذاته مهم ومفيد، ويمس حياة الإنسان، أي إنسان.

المهم حين تكلم محمد عن الكتاب شجعني أن أعود إلى هذا المشروع المنسي (ليس هذا غريبا فما أكثر المشاريع المنسية) وكنت قد لخصت مقدمة الكتاب، فوعدت محمد أن أكمل تلخيص الكتاب حتى يتاح له الإطلاع على ما فيه من أفكار. وسوف أنشر هنا ما أكتبه من عرض للمباديء الواردة فيه أولا بأول بإذن الله. وهذه هي المقدمة:

 مباديء النجاح

في مقدمة الكتاب كلمة لتوماس اديسون يقول فيها: لو فعلنا كل ما نستطيع فعلا أن نفعله لبهرنا أنفسنا، بكل ما في الكلمة من معان.

هذا مرجع لأسس ومباديء النجاح كتبه أحد رموز النجاح في الولايات المتحدة، جاك كانفيلد. في المقدمة يصف الكاتب بعض مظاهر نجاحه الشخصي، ومنها أن له ستون كتاباً حققت وما زالت تحقق جميعاً أعلى المبيعات، إذ تخطى عدد ما تم بيعه منها ثمانين مليون نسخة! وتم ترجمتها إلى تسعة وثلاثون لغة عبر العالم. وقد بلغ صافي دخل الكاتب عدة ملايين من الدولارات كل عام، على مدار العشرة أعوام السابقة. ويواصل الكاتب وصفه لنجاحاته التي يعيشهاحالياً، فهو يعيش في بيت جميل بولاية كاليفورنيا، وقد تمت استضافته في جميع البرامج الحوارية الشهيرة في الولايات المتحدة، كما أنه يكتب عموداً أسبوعياً يتابعه الملايين من القراء، إلخ. أما على الجانب الشخصي فهو سعيد في زواجه وحياته الأسريه، كما أنه حقق سلاماً نفسياً داخلياً وتوازناً وصحة بدنية، وجميع ذلك حاضر في حياته بشكل متصل. والكاتب لا يعرض هذه التفاصيل وغيرها لإثارة حسد القاريء بالطبع، ولكن لإثارة مشاعر أخرى في نفس القاريء، وهي أن النجاح في الحياة ليس بعيد المنال. ومن هنا هذا الكتاب المرجعي عن مباديء النجاح في الحياة التي لا تتقيد بزمان أو مكان. وإذ يذكر الكاتب أنه يقرأ كتاباً كل يومين في المتوسط، علمت أنه يغترف هذه الباقة من الأسس والمباديء من قراءات متعددة وكثيرة قلما تجتمع لفرد واحد.

وقبل عرضه لمباديء النجاح الواحد تلو الآخر، ينبه الكاتب إلى أن هذه المباديء دائماً ما تعمل وتؤدي الغرض منها، ولكن فقط إذا عملت أنت بها. وينصح الكاتب بإعادة قراءة المباديء أكثر من مرة، فالإنسان بحاجة إلى استعادة أية أفكار جديدة عدة مرات قبل أن تصبح هذه الأفكار جزءاً من أسلوب تفكيره ومن كيانه.

الكتب والسمعة

ما زلت أقرأ في كتاب “مباديء النجاح” لجاك كانفيلد، والواقع أنني سوف أظل أقرأ فيه لفترة طويلة نوعاً، فالكتاب كبير الحجم، حوالي أربعمائة صفحة. المهم أنني اشتريت الكتاب من شهور ولم أبدأ في قرائته إلا أواخر الشهر الماضي، ولم أكن أعرف الكاتب من قبل، بل واكتشفت أن عندي له كتاب “قوة التركيز” منذ فترة طويلة جدا ولم أقرأه.

نفس الشيء حدث مع د. وين داير، فقد كنت أتجاهله تماما حين أرى مجموعة كتبه في مكتبة بوردرز، ولا أعرف لماذا كنت أشعر أنه كاتب مكرر ليس عنده جديد، ربما لأنني لم أكن سمعت به من قبل، مع أنه طبعا مشهور جدا في الولايات المتحدة. وفي ذلك دلالة كيف أن المرء أحيانا ما يتجاهل أشياء ثمينة بسبب ما يمكن أن نسميه السمعة، فالسمعة تحكم اختيارات الناس إلى حد بعيد، ولذلك قد يقبل المستهلكون أكثر على منتج ما لأنه يلح في بناء سمعة بالدعاية والإعلانات ويتجاهلون منتج أفضل لان سمعته أضعف.

المهم أنني لم أنتبه إلى وين داير إلا حين اشتريت له كتابا مستعملا من معرض الكتب المستعملة في إثاكا (معرض جميل فيه عشرات الآلاف من الكتب بأسعار لا تصدق) وأظن أنني كنت في يوم جميع الكتب فيه بخمسين سنت لأي كتاب، فأخذت شنطة صغيرة وذهبت ماشياً وملأت الشنطة كتباً! وطبعا السعر الرخيص شجعني أن أشترى كتباً كثيرة وجعلني أكثر جرأة في التجريب. ومن بين هذه الكتب كان كتاب لوين داير اسمه:  “You will see it when you believe it”  والكتاب رائع، وبعد أن قرأته بدأت أكتشف أن الكاتب مشهور وأن كتبه تحقق أعلى المبيعات. طبعا كل ذلك وأنا أتحسر على أول عامين قضيتهما في الولايات المتحدة حيث لم أكن اقرأ إلا أقل القليل، أو لا أقرأ مطلقاً في الواقع، أما الآن فالحال أفضل والحمد لله، يعني أصبحت أقرأ بمعدل كتابين في الشهر، أفضل من مافيش، وإن كنت طبعا أتمنى أن أقرأ مثلما يقرأ جاك كانفيلد، فهو يقول في مقدمة كتابه “مباديء النجاح” The Success Principles أنه يقرأ كتاباً كل يومين في المتوسط !!!!!!!!! يعني عشرة كتب في الشهر.

أنا لو أصبحت أقرأ كتاباً في الأسبوع سأكون سعيداً جداً!