السخرية من الذات شفاء من كل داء!

السخرية من خلق الله طبع رديء وسلوك قبيح، لا شك في ذلك. فالسخرية فيها تعال على الآخرين وكأننا أفضل منهم، مع أن الأولى أن ننظر في عيوبنا قبل أن ننشغل بنواقص الآخرين.

ننشغل بعيوبنا؟ هنا قد يكون للسخرية وجه إيجابي، حينما تكون السخرية من ذاتنا وعيوبنا. لا حاجة لنا أن نعلن ذلك للناس، لكن من الممكن أن نسخر من عيوبنا بيننا وبين أنفسنا.

لست أنا صاحب الفكرة. فقد قرأت منذ قليل مقالاً لكاتب أمريكي (واحد من مؤلفي كتاب Rework الشهير) ومؤسس إحدى شركات البرمجيات في شيكاغو، عن استخدام السخرية من الذات، والذات هنا هي الشركة، بغرض تطوير الأداء والمنتجات. والفكرة التي قامت الشركة الصغيرة بتجربتها هي اجتماع جميع العاملين بالشركة في حفل تقريظ وسخرية من أفضل منتجات شركتهم! والهدف هو كسر الحاجز النفسي الذي يحول بين الإنسان وبين التعبير عن النقد عن طريق تحويل السخرية إلى نشاط فكاهي. النقد، في جانبه الإيجابي البناء، ليس ذماً ولكنه محاولة لرؤية النقص من أجل إصلاحه. يقول الكاتب أن التجربة كانت رائعة وأنهم قرروا الاستمرار في هذه العادة، فجلسة السخرية هذه نتج عنها بالفعل لفت النظر إلى العديد من الثغرات في منتجات الشركة ومن ثم وضع خطة لإصلاحها.

أعجبتني الفكرة! ورأيت أنه في الإمكان أن تتسع لتشمل أحوالنا الشخصية وثغرات الذات النفسية والسلوكية. لماذا لا نجلس جلسة مع الذات لنسخر من أنفسنا؟ قد ننتبه إلى عيوب عرفناها في أنفسنا زمناً طويلاً لكنا نؤجل النظر في وجهها ونهرب منها هروب الطفل المدرك لخطئه وعبثه! نعم فالنفس كالطفل! لو واجهناها بعيوبها لتكبرت واستكبرت وربما أنكرت! لكن لو بصرتها بعيوبها في إطار من الضحك والتفكه، في خفاء عن عيون الناس، فسوف تتقبل النقد بقبول حسن وقد تجدها وقد أقدمت في يوم واحد على تغيير تطمع فيه منذ سنوات!

هل أنت فاشل؟

هل كانت لديك توقعات وأحلام عظيمة لنفسك لم تحقق منها شيئاً؟

أعلم أن الكثيرين منا سوف يجيبون بـ “نعم” على هذا السؤال، وتستطيع أن تضمني إلى قافلة الـ “نعم” هذه!

هل يعني ذلك أننا فاشلون؟!

بداية، الحق الذي لا شك فيه أننا جميعاً فاشلون وناجحون في نفس الوقت واللحظة. فكيف ذلك؟

نظرة إلى أعلى سوف تشعرك أنك فاشل شديد الفشل والخيبة. أتبعها بنظرة إلى أسفل وسوف تحمد الله حمداً كثيراً أن فضلك على كثير ممن خلق وجعلك ناجحاً نجاحاً باهراً عظيماً!

إذا افترضنا أن معيار المقارنة هو العمر، فهناك من هو في نفس عمرك، في مكان ما، حقق نجاحاً أكثر منك، مهما كان مجالك. وهناك كذلك من هو في نفس عمرك وينظر إلى ما حققته أنت على أنه حلم بعيد المنال!

قد تقول أنك لم تحقق شيئاً أبداً يستحق أن ينظر إليه آخر على أنه حلم بعيد المنال، أليس كذلك؟ حسناً، لو أنك تقرأ هذه الكلمات الآن على شاشة الكمبيوتر، فإن ذلك يعني أنك ولدت في عائلة وفي ظروف أتاحت لك أن تتعلم وربما تتخرج من الجامعة. في نفس هذه اللحظة هناك عشرات الملايين في نفس عمرك ولا يجيدون القراءة والكتابة، تصور كيف ينظر هؤلاء إليك! وهناك عشرات أو مئات الملايين لم ينظروا في شاشة كمبيوتر منذ خرجوا من أرحام أمهاتهم! وهناك من هو في مثل عمرك، في هذه اللحظة ذاتها، يعيش مثل العبد ولا يكاد يجد قوت قومه، ألا تعد ظروفك أنت الآن مثل الحلم عند هذا الإنسان المحروم! نحن نعيش في عالم بائس عانى من ظلم الإنسان ما جعل مجرد القدرة على القراءة والكتابة والنظر في شاشة كمبيوتر وراحة البال من قرصة الجوع في عداد الأحلام والأمنيات شبه المستحيلة عند مئات الملايين من البشر، هذه هي الحقيقة!

نحن نحتاج فقط إلى شيء من التوازن في تقديرنا لأوضاعنا الحالية. علينا أن ننظر إلى أعلى بالقدر الذي يهيء لنا ألا نرضى بالواقع دون سعي لتغييره والارتفاع به. وعلينا في ذات اللحظة أن ننظر إلى أسفل حتى لا نفقد نعمة الحمد فتظلم نفوسنا بظلمة الحنق واليأس. وهل يتأتى عن المشيء في الظلمة إلا المزيد من التيه والضياع؟!

أما المقياس الحق لمدى نجاحك ونجاحي أو فشلك وفشلي فيجب ألا يكون شيء خارج عن ذواتنا؛ إن المقياس هو: هل نفعل أفضل ما عندنا؟ هذا هو المعيار الأحق. لذلك لا تشغل بالك كثيراً بما حققته أنت مقارنة بما حققه أي إنسان آخر، فكر فقط فيما حققته أنت مقارنة بما يمكن أن تحققه أنت!

إذا كنت تفعل أفضل ما تستطيع فأنت أنجح الناس، وإن كانت هنالك مسافة بين ما تفعل فعلاً وما تستطيع أن تفعل فإن جهادك الأوجب والأكثر إلحاحاً هو في تقصير هذه المسافة يوماً بعد يوم!

انبسط ببساطة

بدأت مؤخراً مدونة جديدة بعنوان انبسط ببساطة، وسوف أخصصها للحديث والتفكر في أمور البساطة والتبسيط، وهو اتجاه محمود يتزايد يوماً بعد يوم في الغرب ومدوناته. وفكرتي عن تبسيط الحياة هي – ببساطة :) – أن التبسيط هو إزاحة الأشياء الزائدة من حياتنا الداخلية والخارجية حتى نتيح الفرصة لطاقة الحياة أن تتحرك بحرية. فالكركبة في عالمنا الداخلي والخارجي تصيبنا بما يشبه الشلل وبكثير من التعاسة. تابع المدونة الجديدة!

وهذه ثاني تجاربي في التدوين المتخصص بالعربية، والتي بدأتها بمدونة في صحتك التي أكتب فيها عن الصحة الطبيعية، أحد المجالات التي أهتم بها. ووجدت أن لهذا التخصص بعض المميزات، أهمها تشجيعي على كتابة مواضيع لم أكن لأكتبها لو اقتصرت على مدونة واحدة عامة. ثم جالت بخاطري أفكار لمدونات أخرى متخصصة في شئون أكن لها اهتماماً خاصاً، منها تبسيط الحياة. وكنت متردداً وشاكاً في جدوى هذا التنوع الذي قد يؤدي إلى التشتت. ثم شجعني الأخ عبد الله المهيري بدعوة طرحها على تويتر أنهت ترددي، جزاه الله خيراً.

خطط روحية

مع بداية كل عام نحضر الأوراق والأقلام ونخط أهدافنا وخططنا للعام الجديد أو المرحلة القادمة. وبعضنا يقسم الأهداف إلى أنواع مختلفة تبعاً لمجالات الحياة والاهتمامات: أهداف عملية، أهداف مالية، وربما أيضاً أهداف دينية. لكن ما طبيعة أهدافنا الروحية والفكرية؟ هل نضع لأنفسنا أهدافاً وخططاً لتحقيقها في هذه الخانة؟

ما أراه أن أكثرنا يحصر الأهداف “الروحية” في أهداف “دينية”. ثم يخنق الأهداف الدينية في عبادات. من قبيل ذلك مثلاً: قراءة القرآن (أو الانجيل) كاملاً، ختم القرآن مرة كل شهر، الصلاة لوقتها، صلاة النوافل، زيادة الصدقات، الصيام يوماً أو يومين كل أسبوع، قراءة صحيح البخاري، إلخ.

لكن هذه كلها ليست أهدافاً روحية بالمعنى الذي أريده هنا. بل وأزعم أن هذه الأهداف أحياناً ما تفسد حياتنا الروحية بدلاً من الارتقاء بها. لقد اصطفى الله أولى العزم من الرسل بعد رحلة روحية وفكرية تأهلوا بها لحمل الرسالات. فنبي الإسلام قضى أعواماً من عمره يعتزل شهراً كل عام للتأمل، فيصعد إلى جبل يرى من فوقه الدنيا والناس صغيرة بعيدة، ويرى الكون والنجوم في سكونها وحركتها. لم يقم النبي في حراء بصلوات معلومة ولم يتمتم بأذكار محفوظة، لكنها كانت رحلة تفكر حر في الكون. وموسى عليه السلام تقلبت به الدنيا بين القصور والجحور، بين الرخاء والشدة، والسفر ورعي الغنم في الصحراء ولا شك أن كل ذلك صقله صقلاً روحياً وفكرياً. وأبو الأنبياء إبراهيم تفكر في الكون وفي الألوهية، ونظر في الشمس والقمر والنجوم قبل أن يحمله الله الرسالة وينعم عليه بالحكمة. لسنا أنبياء، لكنهم قدوتنا. ورحلتهم الروحية والفكرية بدأت بالتأمل والتقلب في الحياة والأرض قبل تلقي الفروض العبادية من صوم وصلاة وزكاة.

نستطيع أن نحكم على مدى جودة حياتنا الروحية بيسر شديد، وهي الخطوة الأولى نحو أي هدف، وهي مرحلة التوصيف أو التشخيص. إن الفراغ الروحي هو حالة وجدانية يعرفها الكثير من الناس، وهي تدل على تأخر شديد فيما حققناه على المستوى الروحي. إن الروح هي جوهر الإنسان الحقيقي، والحياة بدونها معدومة الطعم والرائحة. إذا كانت أيامك وأفعالك خالية من المعنى، فأنت خال من الروح. إذا كنت لا تشعر بالألم والغضب لآلام البشر وما يقع عليهم من ظلم، فأنت متأخر روحياً. إذا كنت تنظر في الكون ولا يتحرك قلبك للجمال والإبداع في خلق السماء والأرض والناس، فأنت تشترك مع الملايين من الناس في التخلف الروحي.

أنا لا أستطيع أو أستسيغ الفصل بين الفكر والروح، بين الرقي الروحي ورقي الفكر. إن الفكر هو أداة الروح، كما أن اللسان هو أداة الكلام، واليد أداة البطش، والرجل أداة الحركة من موقع إلى غيره. ومن ثم فإن ترقية وتنمية الروح تبدأ بأداتها: ترقية وتنمية حياتنا الفكرية. الجهل عدو الروح. والجهل وتقدم الفكر لا يعنيان الشهادات الجامعية أو عدمها بالطبع. لكن أعراض الجهل تظهر في أشياء أخرى مثل ضيق الأفق، عدم القدرة على نقد الذات، لوم الآخرين، عدم الثقة في النفس، الغرور، استسهال الكذب… نعم للجهل علاقة وثيقة بسوء الخلق! هذه كلها كالسوس ينخر في كياننا الروحي فيدمره إذا لم نبدأ عملية الإنقاذ بوعي وجدية.

إن روحنا أو فكرنا هما حياتنا ذاتها. وتهميش هذا الجانب لوجه أهداف أخرى هو عبث يقضي على حياة الفرد. وماذا نملك غير حياتنا هذه؟ لا شيء بالمرة. ومن ثم فعلى كل عاقل أن يبدأ في التفكير والتخطيط لكي يخرج نفسه من الموت إلى الحياة ويخرج جسده من كونه جثة متحركة ويحوله إلى مركبة تتحرك عليها الروح في رحاب الكون والحياة وترى ما فيهما من إبداع وإبهار.

الوجه المظلم للتعود

إن التعود يفسد علينا أشياءً كثيرة. يفسد الإحساس ويعطل الفهم. نتعود على الكلمات في حملها للمعاني، فيبقى الصوت ويضمحل المعنى. وكأننا نستبقي الفاني ونترك الخالد كي يسقط في ظلمات من نسيان. غريب أمر العادة: قد تقبح إلينا الحسن، وتزين القبيح! ألا ترى إنساناً يعتاد وجود أحباب له محبين، فيضيق بهم بين الحين والحين، ولا يعبأ بحسن وجودهم! ثم ألا ترى إنساناً وجماعات تعتاد مشاهد القبح والظلم والعبث، فتراها في كل يوم كما الأعمى تتقلب عيناه في وجهه ولا يرى شيئاً! وحاشا لله أن أسخر ممن حرم نعمة البصر، لكن لي أن أقذع فيمن فقد ضرورة البصيرة!

لكننا لا ننكر منافع التعود. فهو الذي يهيء لنا أن نكتسب المهارات ونتعلم الخبرات، فيصبح العسير سهلاً مع تكرار الممارسة. هو خاصة إنسانية ضرورية لاستمرار الحياة وتراكم الخبرات وتقدم البشر. فهو ضرورة للحياة في جوانبها الآلية، أو اللاإرادية، لكنه حين ينسحب من النشاط الآلي إلى وجودنا الفكري والروحي يفسد وظائفهما ونشاطهما الحقيقي. نحن لا نستغني عن التعود في اكتساب المهارات البدنية مثل قيادة السيارة، ولا نستغني عنه في النشاط العقلي الآلي مثل تعلم اللغات واكتساب المهارات العقلية. لكنه حين يمسك بالفكر والروح يصبح مصيبة تدمر خصائص الإنسان وإمكاناته التي تميزه وتفضله على كثير ممن خلق الله.

إن المسلم يعتاد سماع آيات القرآن حتى يصبح مغيباً عن معناها. وقد أذهلني أحياناً وأنا أحاور البعض أنهم يحفظون الآيات لكنهم لا يكادون يفقهون معناها. علينا أن ننقذ أنفسنا وأفهامنا وحياتنا أن نكون كالحمار يحمل أسفارا. نرى الأشياء ولا نراها، ونردد الأفكار والشعارات وكأنها زائدة كلامية لا تمثل جزءاً حياً من كياننا المعنوي. أسوأ العلم هو ما يرقد ميتاً في جوفنا حتى تتعفن رائحته. إن العادة أحياناً ما تيسر لنا أن نقتل المعاني ونلقي بجثتها خارج قلوبنا ووعينا دون أن يطرف لنا جفن!

كيف ننقذ أرواحنا من أن تتحول إلى مقبرة للجثث المتعفنة تتبعثر فيها أشلاء المعاني النبيلة والأفكار الجميلة؟ إنه لا ينقذنا إلا الفكر والتفكر. لا مفر من فتح النوافذ كي نجدد الهواء. أترى، “نجدد” الهواء! التجديد فضيلة مادية وروحية، لولاها لفني الكون. جسدنا ذاته مسرح يومي للتجدد، حيث تموت الخلايا وتولد غيرها، ولو توقف هذا التجدد لتوقفت حياتنا على الأرض. لابد أن نرى ونتعلم ونقرأ أشياء مختلفة ومخالفة لما نعتاد عليه، بل ولما نؤمن به. إن التعود في وجهه القبيح هو بقاء كل ما حولنا على ما هو عليه. ومن قبح الفساد السياسي أنه يجعل الشعوب سجينة الموجود، لا أمل في تغيير المعتاد أو تحسينه. إن أجمل رؤى الدكاترة والطغاة هي أن تعتاد شعوبهم كل شيء حولها. حينها يصبحون مطية سهلة يقودها الرعاة حيثما تشاء أهواؤهم وطموحهم المالي والسياسي. يتحول الناس مع اعتيادهم على السوء إلى آلات يمكن التنبؤ بسيرها ومسيرها. لو لم يخرج الفرد نفسه من غيبوبة التعود لحكم على نفسه وجماعته بالفناء الروحي وأصبحوا جميعاً أجسادً ميتة تمشي على الأرض فلا تتغير حولها الأرض، وكأنهم قطعان مسكينة تحوطهم كلاب الحراسة، تأكل وتشرب حتى يأتي يوم يعن للراعي أن يذبح أحدها!

تفتيت العام الجديد

للتفتيت في المعتاد سمعة رديئة. فالتفتيت هو تحويل الكيان إلى فتافيت، إلى قطع أصغر، والإنسان يسلم عادة أن الأكبر أفضل من الأصغر، وأن “الفتفوتة” شيء حقير صغير! لكني هاهنا أعرض أوجه إيجابية للتفتيت وأحث عليها! وليس هذا بالحديث النظري وإنما هو محاولاتي الشخصية لإصلاح جوانب قصور عديدة في معيشتي، لك أن تسميها تطويراً ذاتياً self-improvement إن شئت استحضار هذا العلم، أو هذا الفن، أو هذا الدرب من الأحاديث الرائجة – دائماً – المكررة والسطحية والمنقولة ترجمة حرفية – أحياناً! أما محاولاتي الذاتية في التطوير الذاتي فأنا أحاول إثباتها بشيء من التفصيل – على قدر الطاقة – هنا في مدونتي الإنجليزية.

عودة إلى التفتيت! إن الإنسان عادة يحب الأهداف الكبيرة والإنجازات العظيمة. وفي محاولاتنا الذاتية لتحسين حياتنا قد نضع أهدافاً لكل عام جديد، وخططاً لتبني عادات جديدة إيجابية، لكن يبدو أن هذه الأهداف والخطط لا مستقبل لها في أغلب الأحوال. فهي تولد في العقل أو توضع على الورق وتذبل في موقعها حتى الموت. فهي كالبذرة، أقصى ما نفعله أن نحصل على البذرة ونسعد بإمكانات ما تحمله هذه البذور بعد نموها، لكن البذرة تموت بعد قليل بفعل الإهمال والنسيان. والبذور كثيرة لا عدد لها، غير أن ما ينمو منها هو فقط ما يوضع في تربة خصبة، ويعتني به مزارع يقظ نشيط!

لكن الأهداف الكبيرة كثيراً ما تأتي بنقيضها تماماً، إذ أحياناً ما يؤدي الهدف الكبير إلى إنجاز حقير، أو لا يؤدي إلى شيء بالمرة، ويودي بنفسه إلى التهلكة! إني قد أجد ورقة رسمت عليها أهدافاً لعام سبق، فأنظر في التاريخ الحاضر فأجدني، منذ عام كامل مر على كتابة هذه الأمنيات، لم أفعل شيئاً يذكر في سبيل إنجاز ولو جزء منها.

من هنا رأيت أن أغير مذهبي في هذا العام الجديد، بعد أن سلمت أن الأهداف الكبيرة كثيراً ما يكون مصيرها سلة مهملات الزمن على أي حال! إن العام ينقسم إلى حوالي خمسين أسبوعاً أو أكثر قليلاً، فلم لا أقسم، أو “أفتت” كل هدف أو تغيير منشود على هذه الأسابيع: كل أسبوع فتفوتة سهلة صغيرة!؟ لن أفكر كما ينصح خبراء التطوير الذاتي في بلوغ إنجاز محدد، لكن في مجرد تخصيص بعض الوقت كل أسبوع لهذا المسعى أو ذلك الهدف. أليس ذلك أفضل من حلول نهاية العام وكأن شيئاً لم يكن وكأن عاماً لم يمر!؟ إن نصف ساعة فقط أسبوعياً سوف تتراكم في 25 ساعة بنهاية العام، أليس ذلك أفضل من لا شيء؟ أليست 25 ساعة من تعلم لغة جديدة مثلاً أفضل من الجهل المطبق بها؟

أنا أرى أن هذه الآلية التفتيتية تصلح بوجه خاص مع الحالات المستعصية مثل العبد لله! فهي تيسر المهام الجديدة التي يتخوف منها الإنسان أو لا يجد دافعاً قوياً في نفسه للاستمرار في العمل عليها. ولا حاجة لها فيما نتمكن منه بالفعل ونواصل العمل فيه باستمرارية معقولة. أما المرحلة الأصعب، مرحلة الانطلاق من السرعة “صفر”، مرحلة عدم اليقين من قدرتنا على الاستمرار وعدم التوقف والنسيان بعد فترة وجيزة، مما يقضي على أي إنجاز ممكن، هذه مرحلة الميلاد الصعبة التي قد يفلح التفتيت في كسر شوكتها وجعلها أطوع لنا وأيسر وأكثر دواماً.

في صحتك

هاكم مدونتي الجديدة بعنوان “في صحتك”، وقد رأيت أن أفرد مدونة لمواضيع الصحة الطبيعية وما يلفت نظري مما أقرأه ورأيي فيه، وهي مدونة أجرب فيها التدوين المتخصص. والصحة في الواقع تشمل في طياتها شأنين آخرين هامين هما البيئة والتطوير الذاتي. فصحة الفرد لا يمكن أن تنعزل عن صحة البيئة المحطية به، ولا يمكن فصل صحة البدن عن نوعية الحياة العقلية والنفسية للفرد. نرجو من الله التوفيق لهذا المشروع الصغير!

نتائج الأعمال

“فلمَّا ذاقا الشَّجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة” من سورة الأعراف

حينما أكل أبونا آدم وزوجه من الشجرة المحرمة ما لبثا أن أراهما الله نتيجة عملهما. ذاقا الشجرة فبدت لهما سوءاتهما. سوءة الجسد وسوءة العمل، وربما سوءة النفس التي تصدق شيطاناً وتنسى الإله. غير أنهما حينئذ كانا من سكان الجنة، وحينما هبطا إلى الأرض كان عليهما وذريتهما مواجهة كثير من الشقاء. ومن مظاهر هذا الشقاء في الدنيا أن نتائج العمل تبدو مبتورة عنه فلا يدركها الإنسان إلا بعد تدبر، وكثيراً ما يدركها بعد أن يصلى من ويلاتها عنتاً وعناء. لك أن ترى في الأمراض وأسبابها مثلاً ظاهراً على ذلك، فالمرض الخبيث قد ينشأ في الجسم بعد أعوام من تكرر مسبباته من طعام أو تعرض لسموم لا يحفل بها الفرد، أو تخفى عنه كلية. وعلى المستوى الروحي قد يكذب إنسان سنوات وسنوات ولا يدرك كيف يتآكل كيانه الروحي بسبب كذبه، ثم ينكشف كذبه ذات مرة بشكل مهين فيرى سوءة عمله بعد سنوات طويلة من تكراره. بل ويغلب الشقاء على بشر آخرين فتجدهم يموتون ولم يروا سيئات أعمالهم في الحياة الدنيا، فقد تجد حاكماً أفسد حياة الناس وسرق أموالهم فعاش عشرات السنين في نعمة البهائم، ثم يأتيه أجله ولم ير سيئات أعماله. فهذا من شقاء الدنيا وهوانها ومن مظاهر كونها داراً للغفلة، لمن شاء. فإن من أعظم دلائل الشقاء أن تتزين أسبابه، وتتخفى نهاياته.

لكن الله لم يترك صنيعته فريسة خالصة للهلاك. فقد زودنا بمصباح صغير وأسماه عقلاً. وهو مصباح يكشف الفجوة الدنيوية بين العمل ومآله. ثم جعل للإنسان شقاء آخر وهو أن مصباحه لا يصحو معه من نومه إذا صحا ثم يمسك نوره إن نام. فالمصباح له مفتاح. والمفتاح في يد يقال لها اختيار. والإنسان كثيراً كثيراً ما يستثقل تحريك يد اختياره لتنير مفتاح مصباحه. فيسير جسداً من طين على سبيل ذي فجوة. والطين فيه عين مرسومة تحسب أنها ترى. أرأيت تمثالاً من صلصال يرجع إليك نظرة إن نظرت إليه نظرة؟! أرأيت تمثالاً من صلصال يمسك يدك إن أردت ضربه؟! أو رأيت تمثالاً من صلصال ينجو بنفسه إن أردت كسره؟! لا وربي. فلا تحسبن أن عيناً في طينك ترى أو أن أذناً فيه تسمع. فلا رؤية إلا بمصباح، له مفتاح، تمسكه يد اختيارك. وكسل ساعة عن تحريك اليد ليس بمعوضك عن وقعة عام في غياهب الفجوة.

خطبة شدوية: التفاؤل و”قانون الجذب” في الإسلام

هذه ثاني خطبة أتيح لي أن ألقيها على مسامع جماعة المسلمين في مدينة إثاكا في شمال ولاية نيويورك. لم أخطط من قبل أو أتصور أن أقف موقف خطيب الجمعة. ولوقوفي هذا الموقف قصة يعلمها من تابع هذه المدونة. والحق أن تصاريف القدر لا تعبأ بما تتخيل أو تتصور – إلا بقدر معلوم (نعم: يعبأ القدر – كثيراً أو قليلاً – في بعض الأحيان بما تتخيل وتتصور، بكيفية سبق بها قول الخالق وتقديره). لن أخفي عليك أنني تخيلتني أتكلم في الناس، غير أن خطبة الجمعة كمناسبة للتحدث إلى الجماعات لم ترد لي على خاطر. فالقدر يعبأ بما تتصور، ثم يهيء لك منه أشياءً على غير توقع منك، وبكيفية لم تدر بخلدك. ويتصل هذا المعنى اتصالاً وثيقاً بموضوع خطبتي الثانية التي أعرضها عليك اليوم. سوف أقدم أولاً عرضاً بالعربية لمعانيها، ثم أورد في آخر هذه التدوينة وصلة لتحميل التسجيل الصوتي للخطبة بالانجليزية.

تحذير: سوف تكون هذه أطول تدوينة كتبتها. فلم أر من المناسب أن أقسمها على أكثر من تدوينة حتى تتماسك الفكرة. فإن مللت من تكملة القراءة فأرجو أن تقرأها على مراحل!

الخطبة: عن التفاؤل في الإسلام نتحدث

الإخوة والأخوات، أود أن أبدأ خطبتي اليوم بسؤال بسيط، وهو: هل سألتم أنفسكم من قبل لماذا ينجح بعض الناس في حياتهم، ويفشل آخرون؟ هل لاحظتم في وقت ما أن حياة المتفائلين والسعداء تبدو أيسر وأجمل، بينما تبدو المصائب وكأنها تستهدف المتشائمين دوناً عن غيرهم؟

لقد صدر كتاب يحاول أن يجيب على هذه الأسئلة، وكان عنوانه هو: “السر” The Secret! وقد لاقى نجاحاً كبيراً. ووفقاً لهذا الكتاب فإن السر في نجاح البعض وسعادتهم يكمن فيما يسمى: “قانون الجذب” The Law of Attraction.

فما هو “قانون الجذب”، وهل ورد ذكره بأي شكل في ديننا؟ سوف أطلعكم على السر وأخبركم عن ماهية هذا القانون، وسوف أبين أن هذا السر في الواقع، أو “قانون الجذب”، والذي تمت الإشارة إليه في القرآن وفي سيرة النبي وأحاديثه بأبسط العبارات، هذا القانون هو في الواقع ضرورة لحياة إسلامية حقيقية. هو لازم لحياة المسلم الداخلية، إن كان مسلماَ حقاً ومؤمناً بالله ورسوله.

علينا ألا ننسى أن المسلم لا يكون مسلماً فقط بمظهره، ولا حتى بأفعاله. نعم لا شك أن العمل بالغ الأهمية في الإسلام، غير أنه لا قيمة له دون أساس نفسي وروحي. ولهذا تحظى “النية” بمكانة بالغة الأهمية في تعاليم الإسلام. فالنية هي ما قد يباعد بين عملين متطابقين في الظاهر كبعد السماء عن الأرض. تأملوا مثلاً فعل الصلاة. ففعل الصلاة واحد بحركاته وأقواله. لكن الله يرفع من يصلي لوجهه، ويلعن من يصلي مراءاة للناس:
“ويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراءون.”
من أجل ذلك علينا أن نهتم لما في أنفسنا، لعالمنا الداخلي، فهو محك الإيمان. يحتوي عالمنا الداخلي هذا على أشياء كثيرة، ففيه معتقدات، ومشاعر، وصور وذكريات، وآمال وأحلام، وتوقعات، ومخاوف… هذا بعض ما تحويه هذه الحياة الداخلية، وهي أشياء يجب أن نوليها اهتمامنا وأن نحاول تطويعها لتعاليم ديننا. علينا أن نسلم لله حقاً، في باطننا وظاهرنا. ولن يتسنى لنا أن نلسم لله حتى نستطيع توجيه عالمنا الداخلي والتحكم فيه.

أود أن تتذكروا هذه المعاني وأنا أخبركم عن ماهية “قانون الجذب”. هو قانون في غاية البساطة، فهو يوضح أن الإنسان يجتذب ما يفكر فيه، ويحصل على ما يتوقعه. أي أن عالمك الخارجي يتشكل ويستجيب لعناصر عالمك الداخلي من أفكار وتوقعات. هذا هو السر في نجاح البعض وسعادتهم دوناً عن آخرين. وهذا المعنى وربي يتحدث به القرآن، ونجده في حديث النبي (ص) وسنته. فأنت إن تشاءمت، فلن تخيب ظنونك، وسوف تلقى من الحياة ما لا تحب! ومهما بذلت من جهد في إطار من التشاؤم واليأس، فلن يأتي عملك بأية ثمار طيبة.

فما قول تعاليم الإسلام في هذا القانون؟ لقد ورد عن نبي الإسلام (ص) أن الله يقول في حديث قدسي: “أنا عند ظن عبدي بي”. ورد ذلك في بداية حديث قدسي، وغالباً ما يهتم المعلقون ببقية الحديث ولا يولون هذه الكلمات ما تستحق من عناية، لكن هذه الكلمات تحديداً هي ما أريد أن نتوقف عندها. ففيها “قانون الجذب” بأكمله، في كلمات قليلة. غير أنها تشير لحقيقة هذا القانون بشكل أصدق. فما يستجيب لتوقعاتك ليس قوى كونية مجهولة الهوية، ولكنه قانون إلهي وضعه الله في الحياة. فحينما تأمل في الله خيراً، وتثق في كرم عطائه، فلا شك أنه تعالى سوف يعطيك عطاء الكريم وسوف يأتيك بالخير. أما لو يئست وتشاءمت، فلسان حالك يقول لله: أنا لا أثق فيك! فإن “الكريم” من أسماء الله وصفاته، ولو غاب في نفسك الرجاء في هذا الكرم، فلا يعني ذلك في واقع الأمر إلا ضعف ثقتك أنه حقاً “كريم”! هل تدركون خطورة هذه الحالة النفسية؟ والآن فلنتفكر قليلاً في معاني أسماء الله وصفاته، فإن الله هو “الغفور”.. “المعطي”.. “الرزاق”.. “النور”.. “الكريم”.. “الرحيم”.. “الفتاح”.. “العدل”.. “الصبور”.. “الشكور”.. “الودود”.. “المغني”.. “الهادي”. تذكر أنك إن خفت الفقر، فأنت في الواقع لا تؤمن أنه جل شأنه هو “المغني” و”الكريم” و”الرزاق”. وإن خفت ضياع جهدك دون المرجو من ثمار طيبة، فإيمانك ما زال زائفاً بأنه هو “الفتاح” و”الشكور”، فهو يفتح لك الأبواب والفرص، ويجزيك خيراً عن كل ما تحسن من عمل:
“إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً”
وإن خفت ظلم البشر وجورهم على حقك، فإنما تنسى أن الله هو “العدل”. وإن غلبت عليك الحيرة وضل عنك السبيل، فقد غابت عنك صفة الله “الهادي”.

منتصف الخطبة، الدعاء.

الإخوة والأخوات، لقد تحدثت إليكم حتى الآن عن “قانون الجذب”، ومعناه أنك تحصل على ما تتوقع، ويفسر بذلك سبب تعاسة المتشائم وسعادة المتفائل. وأشرت إلى بعض ما ورد في تعاليم الإسلام من إشارات إلى هذا القانون. وفيما يلي أحب أن أواصل عرض ما ورد في القرآن وفي سنة النبي (ص) من إشارات لـ “قانون التفاؤل”، كما أحب أن أسميه.

أرجو ألا تنسوا أن الهدف من هذا الحديث هو إثبات أن المسلم ينبغي أن يكون إيجابياً في الفكر والعمل، وأن يكون تركيزه على الجوانب الإيجابية دوناً عن السلبية. فهكذا يجدر بالمسلم أن يشكل عقله، وأن يبني عالمه الداخلي.

تأملوا هذه الآية الجميلة من سورة البقرة:
“إن الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا”
هل عقلتم هذه المعاني! هذه رسالة من الله إلينا: أن الفقر ليس إلا وعد من الشيطان، في حين أن وعد الله هو المغفرة والفضل والسعة. فأي الوعدين نصدق؟؟!! هل نصدق الله، أم نصدق الشيطان! لنتذكر جميعاً أن الفقر في حقيقته لا يعني قلة المال، فنقص المال ما هو إلا مظهر مادي. إن الفقر في جوهره ما هو إلا حالة عقلية ونفسية. وإن فقراء العقل والنفس المقيمون في هذه الحالة الوجدانية إنما يتبعون الشيطان ويضلون عن سبل الرحمن. وعقلية الفقر هي ما تؤدي إلى مرض البخل. فقد ترى رجلاً يملك الملايين، ولكن عالمه الداخلي بائس وفقير. بينما تجد أن المؤمنين بالله حقاً يحبون العطاء، ولو كان المال في أيديهم قليلاً، وذلك ليس إلا إشارة لكونهم لا يعيشون عقلية الفقر. وهو ما يفسر أيضاً مثل رسول الإسلام (ص) الذي كان يعطي عطاء جعل أصحابه يخبرون عنه أنه كان “يعطي عطاء من لا يخشى فقراً”. فهذا هو مثل النبي الذي لم يكن يملك من المال الكثير كما نعلم، لكنه كان يعيش في حالة أو عالم داخلي يفيض بالثراء والسعة.

دعنا ننظر في إشارات أخرى “لقانون التفاؤل” في الإسلام. لقد أشرت من قبل للحديث القدسي: “أنا عند ظن عبدي بي”. كذلك ورد عن النبي (ص) قوله: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة. والآن تخيلوا معي الحالة الوجدانية لإنسان يصدق تماماً هذا الحديث. تخيل أنك تدعو الله وتسأله حلالاً من طيبات رزقه، ثم تمضي في حياتك واثقاً أن كرم الله ورحمته سوف يحققان لك ما تبغي. تصور قدر ما يملأ نفسك في هذه الحالة من قوة وأمل وحماسة. لا شك أن الله لن يستجيب لدعائك بين عشية وضحاها، لكنك إذ تدرك ذلك توقن أيضاً أن الله قد سمع دعاءك وأجابه، ومن ثم تختفي مخاوفك. تخيل مثلاً، ولله المثل الأعلى، أن عندك مشكلة تؤرقك، ثم أتيح لك أن تقابل رئيس الجمهورية نفسه (نسيت أن أوضح في هذا المثل أن رئيس الجمهورية المعني ليس رئيساً عربياً!!)، ثم وعدك الرئيس (غير العربي!) وعوداً حسنة بحل مشاكلك. كيف لك أن تشعر وأنت ذاهب عنه، بعد هذا اللقاء الواعد؟ ألن تكون مستبشراً بالخير، بشراً يبث في نفسك الطاقة والحبور؟ قد يوضح لنا هذا المثل أن حالتنا الوجدانية لا ينبغي أن تكون أقل من ذلك بأي شكل بعد التوجه لله داعين سائلين للخير.

أحب أيضاً أن أحدثكم عن آية تدعو للتأمل والدهشة في سورة الإسراء، وهي:
“ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير، وكان الإنسان عجولا”
لقد لفتت هذه الآية نظري بشدة. هل نطلب نحن بني آدم الشر لأنفسنا تماماً كما نطلب الخير؟! إنني أعتقد أن هذه الآية تؤكد ما يذهب إليه “قانون الجذب”. وظني أن معنى الدعاء فيها قد يكون: التوقع. فالإنسان حينما يملأ نفسه التشاؤم وتوقع الشر فهو كالداعي بهما لنفسه. التوقع أو الظن هما حالة من الدعاء الخفي. تربط الآية أيضاً – في إشارة خطيرة الشأن – بين الدعاء بالشر والعجلة، “وكان الإنسان عجولا“. لاحظوا أن التشاؤم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنفاد الصبر. فالمتشائم يفقد الأمل بسرعة شديدة عند قدوم المشاكل والتحديات. بينما لا يمكن أن يتوطد الأمل دون صبر. فالمتفائل يدرك تماماً أن الحلول لا تأتي حال تمنيها بشكل فوري، هذا ما يدركه تماماً كل عاقل ذو نظرة إيجابية للحياة، ولذلك لا تصيب أمثال هؤلاء العجلة، ولا ينظرون تحقيق ما يرجونه بصبر نافد.

هنالك أيضاً عبرة نستطيع استنباطها من وقت عصيب مر به النبي وأصحابه، إبان معركة الخندق. فقد كانت جماعة المسلمين في المدينة في انتظار تحالف من الأعداء، كبير العدد والعدة، يسيرون نحوهم ولا يبغون إلا تدميرهم ودولتهم الوليدة. كان النبي وأصحابه هم الطرف الأضعف في ميزان واقعهم الصعب. حينها اقترح سلمان الفارسي شق خندق حول المدينة، ليحول بينهم وبين من لا قبل لهذه الجماعة به من أعداد غفيرة من المحاربين. اجتمع الرجال خلف الخندق، وتركوا وراءهم نساهم وأولادهم، وأوصوهم بالبقاء في المنازل والتحسب لدخول الأعداء إذا انهزم الرجال أمامهم وقتلوا. فلتبق النساء خلف الجدران ويتأهبن للدفاع عن أنفسهن إذا ما تمت إبادة رجالهن. يا له من حال شديد القسوة والصعوبة! لكن انظروا للفتة صغيرة صدرت عن النبي (ص). فقد كان يضرب بمعوله في الصخر، فانبثقت شرارة رأى فيها شيئاً وأخبر به أصحابه. ليس هذا الموقف الصغير في هذه الظروف بالذات محض عبث أو صدفة. فقد أخبر أصحابه، وهم في خضم هذا الغم والترقب، أنهم سوف يغزون فارس، أحد أقطاب العصر في القوة والنفوذ. في هذه الظروف! لقد يبدو ذلك كأمل مستحيل، ما كان هؤلاء الرجال يجرؤون حتى أن يحلمون به! لكن فكروا في أثر هذه النبوءة عليهم، فهم يصدقون النبي وأنه لا ينطق عن الهوى. إن من شأن هذه النبوءة أن تبث في أنفسهم آمالاً مشرقة، وترفع توقعهم للمستقبل إلى عنان السماء. لقد كانوا في أمس الحاجة إلى مثل هذا الأمل لكي يستطيعوا مواصلة العمل والاستمرار في المحاولة. إن في هذا مثال شديد الوضوح عن كيفية استغلال النبي (ص) لـ “قانون الجذب” أو “قانون التفاؤل”. فخلق الأمل والتوقع الحسن في نفس الإنسان يملأ قلبه بالقوة والقدرة على العمل.

والآن أحب أن أختم هذا الحديث بمثال جميل من قصة يعقوب عليه السلام في سورة يوسف، وفيها قصص يوضح كيف يحتفظ المؤمن بروح التفاؤل والأمل. لقد غاب يوسف عليه السلام عن أبيه ما لا يقل عن عشرين عاماً، وربما خمسة وعشرين أو حتى ثلاثين، من يدري. لكن انظروا في موقف يعقوب عليه السلام بعد غيبة ولده المحبب إلى قلبه يوسف كل هذه السنوات، وقد تقدم يعقوب في العمر، ثم ها هو الآن يفقد ولده الآخر المحبب إلى قلبه، الأخ الأصغر ليوسف! فما يقول يعقوب لبنيه في مواجهة هذه المصيبة الجديدة؟
“يا بني اذهبوا وتحسسوا من يوسف وأخيه، ولا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون”
في هذه الآيات نقرأ قصة التفاؤل في الإسلام كأتم ما تكون. تستطيع أن تأمل في أشياء تبدو مستحيلة، ولكن عليك أن تعمل على تحقيقها. فيعقوب هنا يطلب من أبنائه أن يذهبوا ويعملوا، ويبحثوا وهم في حالة من الأمل في رحمة الله، رغم أن البحث عن يوسف بعد كل هذه السنوات يبدو مستحيلاً ومنبت الصلة بأي منطق معقول. لكن هكذا يكون الأمل في نفوس المؤمنين الصادقين. هو أمل يصاحبه عمل إيجابي.

الإخوة والأخوات، دعوني أختم خطبة اليوم بتذكير نفسي وإياكم أن الأمل يحفز على العمل، بينما لا يؤدي التشاؤم إلا للكسل والقعود. نحن بحاجة أن نركز على هذه الحقيقة لكي نطبقها على المستويين الداخلي ثم الخارجي. علينا أن ندرب أنفسنا على الاحتفاظ بأمل لا يتزعزع في رحمة الله وكرم عطائه، أمل يحفزنا على الاستمرار في العمل لخير أنفسنا ولخير الإنسان في كل مكان، حتى نستطيع القيام بدور الإنسان كخليفة لله في أرضه.

ثم اخترت ما يلي من دعاء رسول الله (ص) لختم الخطبة قبل الصلاة:
اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن، ونعوذ بك من العجز والكسل، ونعوذ بك من الجبن والبخل، ونعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك.
اللَّهمَّ أَصْلِحْ لنا دِيننا الَّذي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنا، وأَصْلِحْ لِنا دُنْيَاناَ التي فِيهَا مَعَاشنا ، وَأَصْلِحْ لنا آخِرَتنا الَّتي فِيها معادنا، وَاجْعلِ الحيَاةَ زِيادَةً لنا في كُلِّ خَيْرٍ ، وَاجْعَلِ الموتَ راحَةً لنا مِنْ كُلِّ شَرٍ.

ملحوظات ختامية:

1. تستطيع الاستماع للتسجيل الصوتي لهذه الخطبة هنا. والتسجيل الصوتي يحتوي في النهاية على بعض الحديث المرتجل الذي لم أسجله هنا، فقد ترجمت النص المكتوب للخطبة فقط.

2. لمن استمع إلى الخطبة الأولى، أحب أن أعرف تقييم الإلقاء وهل هو أفضل في الخطبة الأولى، حيث سجلت نقاطاً وارتجلت الحديث، أم في هذه الخطبة حيث كتبت النص وقرأته. وما فعلت ذلك إلا لخوفي من عدم تمكني من اللغة.

3. بعد هذه الخطبة تراءت لي أشياء كثيرة تتصل بذات الموضوع، حتى تصورت أنه بحاجة إلى كتاب منفصل، لو أنعم الله علينا لشرعت فيه إن أذن. بل وفكرت أن أفعل على غرار عبد الله المهيري وأجرب عمل حلقات صوتية لمواصلة الحديث عن هذا الموضوع. عموماً سوف نرى، ولا يبخلن مقترح بمقترحه، ولا صاحب دلو بالإدلاء به!

4. لا يحسبن قاريء أن كاتب هذه الكلمات هو رجل يفيض تفاؤلاً وأملاً في الحياة! فلو عشت أنا مصداق هذا الحديث منذ عقد من الزمان لتغيرت قصة حياتي تغيراً تاماً، غير أن هذه معاني أؤمن تماماً في صحتها وأود أن أعمل على التخلق بها، وهو سعي غير يسير وجهاد متصل، لكن ثماره وفيرة وتستحق العمل لأجلها.

يد

اليد التي تبني لا يمكن أن تهدم في ذات الوقت