الدين بين الشيخ والشاعر

حينما كتب الدكتور مصطفى محمود كتابه الأول “الله والإنسان” اجتمع مجموعة من المشايخ وقرروا أنه ملحد وفكروا في كيفية تطبيق حد الردة عليه (نعم أرادوا قتله! والكلام على لسان أحدهم وهو شيخ معروف إلى حد ما). أما الشاعر كامل الشناوي فقد قال كلمته الشهيرة لمصطفى محمود: “أنت تلحد على سجادة صلاة”! فأيهما كان أقرب لفهم الحقيقة؟ وأيهما كان أنفع للإسلام لو كانت في يدية السلطة لقتل مصطفى محمود أو تركه وشأنه؟ الإجابة واضحة.

ولا تحسبن أن هذه القصص يسجلها لنا التاريخ عبثاً، بل إن في ذلك حكم ودلالات هامة لنا. لقد كان الشاعر أعمق فهماً ونفاذاً لروح مصطفى محمود خلف كلماته وأعمق فهماً لمعنى الدين من المشايخ. فهؤلاء المشايخ توقفوا عند الكلمات الجامدة ولم يستطيعوا رؤية ما وراءها من فكر وروح تبحث عن خالقها بصدق. أمثال هؤلاء أفسدوا الدين وفرغوه من روحه، ولذلك فقد الدين لدينا قدرته الأصيلة على تنقية الإنسان وتقويته، والارتفاع بالفرد والجماعة إلى ما يليق بالإنسان الذي كرمه الله في البر والبحر.

حذار من مشايخ إفراغ الدين من روحه أن نعطيهم سلطات لا يستحقونها، فلو حصلوا عليها لأفسدوا الدين والدنيا معاً! والحمد لله أنهم لم يكونوا أصحاب سلطة حينما كتب مصطفى محمود كتابه الأول!

الحل الإبراهيمي للخروج من مأزق الثورة المصرية في الانتخابات الرئاسية

قضيت ليلة أمس في جلسة مصرية مغتربة على مائدة يجتمع حولها تمثيل لأطياف المصريين جميعاً أو يكاد (ثوريون ليبراليون، محبون للإخوان، محبون لشفيق، محبون للراحل عن السباق الرئاسي حازم أبو اسماعيل) نتحاور ونتجادل على مفترق الطريق الانتخابي. الأغلبية سوف تختار مرسي، عدا معسكر شفيق، وحتى أعتى معارضي الإخوان قرروا قراراً واضحاً ومتعجلاً بالانضمام لصفوف الإخوان بشكل مؤقت لمواجهة الخطر الأكبر في رأيهم. لكن كانت هنالك قلة لبثت في النفي لا تستطيع مفارقته: رفض العسكر والإخوان معهم. وكنت أنا منهم. ولا أنكر أنني فكرت بيني وبين نفسي، وتخيلتني واقفاً أمام ورقة الانتخاب: هل يستطيع قلمي النظر لشفيق دون البصق عليه؟ ثم هل أستطيع أن أخالف خلاصاتي الفكرية كلها عن جماعة الإخوان وأعطي صوتي لمرسيهم؟ أم أقاطع الانتخابات؟ وهل المقاطعة سلبية؟ الواقع أنني ظللت في حيرة حتى اطمأننت إلى المخرج الوحيد الذي أقنع عقلي وأراح ضميري، وهو ما أعرضه ها هنا، ليس لأقنع أحداً، فهو رأي سوف يقنع البعض لكنه لن يقنع الكثيرين على الجانبين. وهو اجتهاد شخصي فلسفي يلزمني وحدي ومن شابه تفكيرهم تفكيري، وكل يلزمه اجتهاده.

خلاصة المخرج الذي أراه وحيداً لخلاص مصر وانتصار الثورة هو الثبات في النفي “الإيجابي” حتى يتبين لنا ما يستحق الإثبات الحق. وهو طريق محفوف بالمكاره لكن آخره الجنة! وهو أيضاً طريق وطريقة نبي الله إبراهيم عليه السلام التي انتصر بها على الوثنية والأوثان!

لك أن تظن أنني متفلسف مجنون. ولك أن تكتفي بهذا القدر أو تصبر معي حتى أشرح وأبين فيما يلي من سطور.

دعنا أولاً نوضح ما هو واضح. هناك فريقان لا تؤرقهما ذرة من حيرة، وحلنا هذا ليس لهما قطعاً، الطرفان هما منتخبي شفيق ومؤيدي الإخوان منذ البداية. هذان الحزبان يحاولان الآن اجتذاب “الطرف الثالث” اللاإخواني-لافلولي حتى ترجح به كفة أحدهما.

دعني أيضاً أقول صراحة أن رأيي وخلافي مع منتخبي الإخوان وبعض منتخبي شفيق لا يسمح لي أو لغيري بتخوين أي مصري، ففيما عدا المجرمين المعروفين فالكل يختار وفقاً لما يراه من مصلحة بلده، واتخاذنا موقف بعينه لابد أن يظل في إطار حسن الظن بإخلاص المخالفين، حتى لو أسأنا الظن بقدرتهم على الحكم وظننا فيهم قصر النظر.

لعله من الجيد أن أقرر بوضوح أن مسار الثورة الحالي يتكون من ثلاثة أطراف متباينة وليس طرفان كما يظن البعض، والأطراف الثلاثة هي: 1. العسكر والفلول 2. الثوريون المثاليون 3. الإخوان. أما العسكر والفلول فواضحون تماماً أمام أعين الثوار ولا لبس فيهم. وأما الوهم الأهم الذي يجب معالجته هو أن الإخوان والثورة ليسا طرفاً واحداً بأي حال من الأحوال، بل هما طرفان نقيضان. والإخوان موقفهم غريب بعض الشيء، فبينهم وبين العسكر مصالح مشتركة وأخرى متنافرة، والشيء ذاته مع الثورة، لهم مع الثورة بعض المصالح المشتركة وأخرى متناحرة.

اللافلول-لاإخوان لن يعطوا أصواتهم لشفيق قطعاً. وهم في ذات الوقت ضائقون أشد الضيق بأداء الإخوان الذي رأوا فيه إعلاء لمصلحة الجماعة على مصلحة الثورة ومصلحة مصر. وهم أيضاً لا يثقون في مستقبل الثورة بين يدي الإخوان بعدما رأوه منهم. ورغم كل ذلك تعجل هؤلاء في إعلان تأييدهم – غصباً عنهم! – للإخوان لأن شرهم أهون، مهما كان، ولأنهم لا يحملون سجلاً جنائياً مباشراً وجلياً مثل سجل العسكر والفلول. ثم هناك بعض هذا الفريق الذي لا يستطيع أن يتجرع دواء الإخوان المر والمشكوك في أمره للعلاج من سم النظام المباركي، هؤلاء قرروا مقاطعة انتخابات الإعادة وإبطال أصواتهم. فأي الطريقين نختار، نحن اللافلول-لاإخوان، تحالف مؤقت مع الإخوان، أم انسحاب ومقاطعة؟ هنا كان مكمن العذاب والحيرة، ثم الحل الذي انتهيت إليه (ومعي نفر قليل ممن أعرف وأتابع)، والتأصيل الثوري والفكري والفلسفي له!

الحل الذي أشرت له بداية هو الثبات في النفي، في “لا”. التجلي العملي له في انتخابات الإعادة هو الذهاب إلى الانتخابات وكتابة “لا للفلول ولا للإخوان” أمام شفيق ومرسي. لكن الحل جذوره أعمق وأفقه أوسع من ذلك، فهو موقف ثوري وفكري متكامل. هذا الحل لا يقبل بمجرد المقاطعة، فالهدف من إبطال الصوت إبطالاً إيجابياً هو إعلان موقف وكتلة رافضة واضحة العدد والصوت، وليست صامتة في الظل. هذه الكتلة الرافضة، وعددها في الواقع ملايين تفتتوا غالباً بين صباحي ثم أبو الفتوح، لو قاطعت تماماً فكأنها لم تكن، ولو أعطت صوتها لمرسي فقط انمحت داخل الإخوان وفقدت كيانها المتميز. ولو حصل بها الإخوان على أغلبية فلن يذكرونها على أنها الكتلة التي انتخبتهم على مضض، لكنهم سوف يستخدمونها للتلويح بأن الأغلبية معهم وانتخبتهم، وبالتالي فعلى الأقلية أن تصمت من بعد وتدعهم يعملون في هدوء!

قد تظن أن الثبات في النفي – “لا” لكل الأطراف المرفوضة حتى لو لم يتوفر طرف نقول له “نعم” – هو سلبية. لكني أذكرك أنه عين الثورة وسبب النجاح المبدأي في إسقاط مبارك. لقد سقط مبارك لأن الجماهير اجتمعت على التمسك والثبات على “لا”، دون تقديم أي بديل. لا لمبارك، ولا لكل بيان وتنازل ووعد قدمه، لا وفقط. لم تكن هنالك أي “نعم” في الأفق في ذلك الحين. وكان هذا بالضبط هو سبب النجاح “السينمائي” الساحق للثمانية عشر يوم الأولى من الثورة. أما خطأ الثورة الفادح، الذي أدركته قلة في حينها وكثرة مع مرور الوقت، فكان هو التعجل في ترك “لا”، في الخروج من النفي إلى إثبات ما لا يستحق الإثبات. لو واصلت الثورة “لا” لكل بقايا النظام لما أعطيناه عاماً ونصف العام يسترد فيه الأنفاس ليقضي على الثورة على نار هادئة. وأحد أهم أدوات النظام في التعجيل بهجر “لا” هو جماعة الإخوان نفسها. هكذا خف الضغط، و”لا” النافية كانت تمثل ضغطاً لا يحتمل، عن صدور الفلول والنظام فاستطاعوا التفكير والعمل في هدوء وأوصلونا لمأزقنا الحالي.

سوف أضيف تأصيلي الفلسفي/القرآني الخاص لموقف الثبات في النفي قبل أن أستفيض قليلاً في مخاطر استعجال إثبات ما لا يستحق الإثبات، ولو بشكل مؤقت. والمرجع هنا قصة أبي الإنبياء إبراهيم عليه السلام في رحلته لهدم أصنام قومه. فلسبب ما رأيت فيها إشارات يمكن تطبيقها على الموقف الحالي. لقد بدأ النبي العظيم رحلته إلى الله/الحق بإدراك “لا”، هؤلاء “ليسوا” آلهة تستحق العبادة. لم يكن يعلم شيئاُ عن الله. فقط رفض الأصنام. ثم بحث عمن يستحق العبادة، فأعجبه القمر لوهلة، حتى أدرك حقيقته. ثم رأى نجماً أكبر وأعظم من الأصنام ومن القمر في عظمته وبهائه وقوته، فظنه يستحق “الإثبات”، يستحق “نعم”، ولكن أيضاً لوقت محدود، حتى انتبه لحقيقة أفوله المتكرر كل يوم. بعد أن يأس النبي من كل ما بدا له من آلهة زائفة، قرر الثبات في النفي، قرر الثبات في “لا”، دون أن يضمن وصوله للحق. هو فقط ثابر وصبر في نفي ما لا يستحق الإثبات. حينها فقط تولته العناية الإلهية! هذا طريق أهل الحق، وهو ليس سهلاً، فسوف تكون إحدى محطاته، بلا شك، نار يوقدها الغافلون – المثبتون لما يستحق النفي! – لأهل “لا” المخيفة، الفوضوية، عدوة الاستقرار وما عهدنا عليه آباءنا وجماعاتنا!

لعلك أدركت ما أرمي إليه من تشبيه: النظام القديم هو الأصنام، والقمر هو العسكر والفلول، والشمس هي جماعة الإخوان! والنفي الثابت الذي ثابر عليه نفر قليل هو نفي الباطل وما بني على باطل، وكل مسار ما بعد إسقاط مبارك باطل ومصائبي.

أعلم أنك ما زلت تقول: لكن الإخوان ليسوا بهذا السوء، إذا كنت من مؤيدي الإخوان القدامى أو من “المضطرين” في الإعادة بين مرسي وشفيق. أما من يفضلون الشيطان على الإخوان فما زالوا يقولون: لكن شفيق والعسكر أرحم من دولة ديكتاتورية دينية لا يكون المعارض فيها معارضاً وفقط ولكن معارض وكافر عليه لعنة الناس أجمعين! وأصر أنا ومن معي: لا هذا ولا ذاك. “لا” لمن لا يستحق “نعم”، على أن تكون لا واضحة صريحة موثقة، وليست لا سلبية صامتة.

تعال معي نتصور مسار كل “نعم”، مسار عبادة القمر أو عبادة الشمس! سأبدأ بالأسهل: لو انتصر شفيق. أرى في هذا المسار احتمالين: سوف ينتصر شفيق، ثم يعطي مهلة للإخوان ومجلس الشعب أن يصبحوا معارضة مستأنسة من لزوم الوجاهة الديمقراطية. وسوف يكون لهم بالطبع خطوطهم الحمراء. إما أن يقبل الإخوان ذلك، وهو عودة صريحة لعصر مبارك، لكن أسوأ بالطبع. فسوف يتم التخلص الهاديء والتدريجي من “رؤوس الفتن”. والاحتمال الآخر هو انقضاض وحشي على الإخوان بغرض القضاء التام عليهم، بشكل يختلف تماماً عن علاقة الإخوان بنظام مبارك. ففي زمن مبارك كانت العلاقة شد وجذب، تفاهم هناك وسجن وتعذيب هنا. ويمكنك الرجوع لتصريحات قادة الإخوان في هذه الفترة، بداية من المرشد يعلن موافقة الجماعة على تولي جمال مبارك الرئاسة خلفاً لمبارك، ومروراً بصور صبحي صالح الحميمة مع زكريا عزمي، وانتهاء بتصريحات محمد مرسي عن شخصيات “وطنية” هم تماماً رؤوس الفساد في النظام المتساقط. وهذا احتمال كارثي لسببين، أولهما أنه لا يمكن قبول التعامل الأمني مع الإخوان للقضاء عليهم لأنه في كل الأحوال منهج ظالم غير أخلاقي، وثانياً لأن الإخوان لو تم وضع وجودهم نفسه في خطر فقد تتجه مصر إلى صراعات مسلحة.

أما سيناريو فوز مرسي في رأيي فهو بقاء العسكر خلف الستار، وإعطاء بعض الصلاحيات الجزئية للرئيس، فيما يشبه نسخة معدلة من حكومة شرف. ولو حاول الإخوان الحصول على أكثر مما يريد العسكر إعطاؤه فما أسهل تدبير انقلاب عسكري عليهم، أو إخراج ملفات، حيقيقة أو مفتعلة، تنهي وجود الإخوان. والاحتمال الأقرب هو سلوك الإخوان طريق النفس الطويل: الرضا بما قسمه لهم العسكر في الوقت الحالي من صلاحيات جزئية، والتخطيط طويل الأمد حتى إحلال الجماعة في الجيش والداخلية على مدى العقد أو العقدين القادمين، فالقيادات العسكرية الحالية إلى موت وزوال أما الجماعة فباقية. ولن نفيق بعدها إلا على دولة مصرية يسيطر عليها فصيل واحد. ومهما آمنا أن هناك ألوف مؤلفة من المخلصين الطيبين في صفوف الإخوان، إلا أن الواقع يقول أن السلطة المطلقة تأتي بالذئاب وتهمش الحملان أو تأكلها! إن الرهان على العناصر الطيبة داخل الإخوان رهان خاسر، لأنهم إما أنهم يكتفون بالمعارضة الداخلية – داخل الجماعة فقط – غير الفعالة، أو يقنعون أنفسهم أن قياداتهم لها ولا شك رؤية تخفى عليهم وبالتالي يعطونهم ثقتهم وطاعتهم، أو يعترضون حقاً فتلفظهم الجماعة. يعني في كل الأحوال تمكن الإخوان من خيوط الحكم كلها لن يأتي إلا بأسوأ ما فيهم. ولن يحدث ذلك فجأة بالطبع، ولكن بالتدريج سوف يقوم محامون مجهولون مثلاً بإقامة دعاوى ضد الكتاب والفنانين والمفكرين المخالفين، جميعها باسم الدين، وبالتدريج ننزلق إلى نموذج “الثورة الإيرانية”.

لعلني أطلت أكثر من اللازم وقد أكون عجزت عن تبيان كل ما أراه. لكن الخلاصة أني أرى الثبات في نفي كل ما لا يستحق “نعم”، حتى ولو لم يتوفر لنا البديل الجدير في الأفق المرأي. واستكمال الثورة بروح “لا” الجبارة التي تقضي في طريقها على كل باطل. وسقوط الباطل، الواحد تلو الآخر، سوف يأتي تلقائياً بحقائق جديدة وجديرة، لو صبرنا كما صبر أبونا إبراهيم عليه السلام!

الحضارات بعضها من بعض

لا شيء في هذه الحياة يولد من لا شيء. من ذلك المهارات والعلوم والتقدم الفردي والجماعي بأوجهه المتعددة. لم يولد أي منا مكتمل المعرفة والخبرة والتمكن. لابد لنا أن نأخذ ممن سبقنا ونتدرب على يد من تدرب من قبلنا.

لا يوجد طبيب لم يتعلم من طبيب سبقه. ولا مزارع لم يرث فنون الزراعة ممن خبروها من قبله. قد يخطر لك أنه لابد لكل شيء بداية، ولكل فن وعلم وصنعة إنسان أول بدأها ابتداءً واخترعها اختراعاً. هذا صحيح – بعض الصحة. إن المهارات في شكلها البدائي الأول هي أبعد ما تكون عن عصرنا الحالي. وحتى الاختراعات التي تبدو حديثة ما كان لها أن تكون لو لم تمر عبر سلسلة طويلة من الخبراء والمجربين والباحثين حتى تصل إلى شكلها الذي تعرفه اليوم. الحياة الإنسانية لا يمكن أن تكون دون تسليم وتسلم. ولو انقطعت السلسلة في أي من مراحلها عدنا إلى نقطة البداية وخسرنا الكثير من الوقت والجهد والتجارب.

إن الحضارة العربية الإسلامية لم تولد من العدم، بل إن المسلمين في حضارتهم الأولى تعلموا ونقلوا من كل ما وقع تحت أيديهم من منجزات الحضارات السابقة شرقاً وغرباً. ثم استمرت سلسلة الحضارة والعلم والتجربة من حضارتنا إلى الحضارة الغربية، التي استلمت بدورها شعلة الحضارة ممن سبقها ثم مضت في طريقها تضيف إليها حتى وصل العالم إلى ما وصل إليه اليوم. وليس سراً أن العرب والمسلمين لم يضيفوا شيئاً إلى سلسلة التقدم والإنجاز منذ قرون طويلة، وكل الإضافات الشخصية التي أضافها عربي أو مسلم حدثت في إطار غربي، فأحمد زويل عالم مصري نعم، لكن كل إنجازه العلمي يحسب للحضارة الغربية لأنه لم يحدث إلا في رحابها وبفضل مؤسساتها وأنظمتها.

ثم يأتي يومنا هذا ونحن في وسط صحوة عربية أدركت أخيراً أنه لا تقدم دون حرية سياسية، وأن العائق الأول والأهم أمام تقدمنا في مدارج العلم والصحة والقوة هو الاستبداد الداخلي. ما زلنا في مرحلة الهدم، لكننا على مشارف ما سيعقب هذا الهدم الضروري من بناء. والمشهد السياسي في مصر اليوم فيه جدل كثير حول الوجهة الأصلح لمستقبل وطننا الذي نؤمن بعبقريته وقدرته أن يعلو إلى مصاف الدول الأولى والعظمى، ويترك وراء ظهره صفات وأحوال “العالم الثالث” الذي سقطنا في أوحاله عقوداً طويلة كئيبة!

وإذا استلهما فكرة توالد الحضارات بعضها من بعض، أدركنا بوضوح أننا إن أردنا إعادة ما نترحم عليه من سالف حضارتنا فعلينا أن نفعل كما فعل أجدادنا من قبل: علينا أن نتسلم ونتعلم من كل من سبقنا من حضارات، في الشرق والغرب! إن البعض في مصر اليوم يجد أن حياة بعض السياسيين في بلاد الغرب سنوات طويلة تجعلهم أقل قدرة على العمل من أجل مصر. غير أن الواقع هو عكس ذلك تماماً! إن تقدم مصر المجهض في عهد محمد علي ما كان له أن يكون دون بعثات التعلم من الغرب. كلنا يعرف رفاعة الطهطاوي وغيره ممن أيقظوا حياتنا الفكرية وأعادوا إليها الروح بعد أن خرجوا في رحاب العالم ورأوا أن بشراً آخرين سبقونا في صلاح حال البلاد والعباد. نحن نحتاج وبشدة إلى خبرة كل مصري عاش في مواقع التقدم وعرفها عن قرب، لأن من رأى ليس كمن سمع. والمرء الذي رأى أفضل ما وصل إليه العصر لن يعود إلى وطنه ويرضى لأهله دون ذلك. إنك حين تتعود الحياة في الغرب سوف تعود إلى وطنك مدركاً تمام الإدراك أن الحال يمكن أن يكون أفضل كثيراً كثيراً مما هو عليه، والدليل أن بشراً آخرين – لا يزيدون عنا في مواهبهم أو قدراتهم الإنسانية – قد بلغوا ما بلغوا من حسن الحال.

علينا أن نحتفي بكل خبرة توصلت إليها حضارات وبلدان بعيدة أو قريبة، فإنها تقدم لنا بالدليل العملي كيف يمكن لحياتنا أن تكون لو أخذنا بما أخذوا به من أسباب. لا يوجد أي سبب منطقي يحول بين المصري وبين الحياة في ذات المستوى الذي يحيا فيه أهل ألمانيا أو أهل السويد، لو أخذ بنفس الوسائل التي أخذ بها من سبقه. لا أتعرض هنا لاستيراد قيم مختلفة فيما يتعلق بالسلوك الشخصي. لكني أتحدث عن مظاهر التقدم في المدينة والمصنع والمدرسة والجامعة والوزارة والإدارة الحكومية التي تقضي مصالح الناس. في كل ذلك يعلم تماماً من عاش في بلدان متقدمة مدى الحضيض الذي يعيش فيه أبناء وطننا. وأي وطني عاقل ومخلص – يعلم حال المتقدمين السابقين – لن يرضى لبلده وأبناء وطنه أن يحصلوا على أقل من ذلك.

الفرخة الجميلة والديك الوسيم

اختلاف الوجوه وتمايزها بين البشر من إبداعات الخلق المعجز ولا شك، لا سيما وأن تضاريس الوجه البشري هي هي. فالأنف دائماً ما يعلو الفم، ولا يوجد أبداً حاجبان أسفل العينين، وكل فم بشري يحتوي على شفتين اثنتين، الخ الخ! ومع ذلك فأنت ترى “عمر” صديقك أو “سحر” أختك فتعرفهما فوراً دون تفكير أو تدقيق.

لكنك لو رأيت مائة وجه غريب في وقت واحد فلن تشعر بتفرد كل وجه واختلافه الجذري عن كل وجه آخر. وربما بدت لك كل هذه الوجوه متشابهة. لماذا؟ ربما لأنك لم تتعرف بعد إلى الروح الكامنة خلف الوجه؟ هذه الروح المتفردة تضفي على كل وجه تميزه واختلافه عن غيره من الوجوه؟

فكر أيضاً كيف أننا نشعر أن الأجناس البعيدة، مثل أهل الصين مثلاً، لهم جميعاً شكل واحد! والواقع بالطبع أنك لو تعرفت على رجل صيني أو امرأة يابانية وعرفت اسمه واسمها فسوف تستطيع التعرف على هذا الوجه الصيني بين ملايين الوجوه الصينية الشبيهة! هل تظن مثلاً أن الرجل الصيني لا يستطيع تمييز زوجته من زميلته؟ أو معرفة إن كان هذا وجه أخيه أم وجه رجل آخر؟ بالطبع لا! لماذا؟ لأنهم في الواقع يشبهون بعضهم البعض فقط من بعيد، لكن الاقتراب الكافي من كل وجه يكشف عن تفرده الواضح.

كل ما سلف بديهي تماماً. لكنه قادني للتفكير في أجناس أخرى ننظر إليها وكأنها جميعاً شيء واحد، أقرب للآلة. السيارة الفلانية من الموديل الفلاني والعام الفلاني هي بلا شك توأم مطابق تماماً لأختها من نفس الموديل. لكن ماذا عن كل هذه القطط التي يشبه بعضها بعضاً؟ ألا ترى أن جميع الدجاجات هي نسخة طبق الأصل؟ هل نحن على يقين من ذلك بالفعل؟!!!

ربما لا نستطيع تمييز كل دجاجة عن ملايين الدجاجات الأخرى لأننا ببساطة لم نقترب منها بما فيه الكفاية ولم نتعرف إلى “شخصيتها” الكامنة خلف جسدها الدجاجي اللذيذ!

إن القران يحدثنا، كما تعلم، عن نمل يحدث بعضه بعضاً بل ويعرف أنبياء البشر بالاسم والرسم (النملة التي نبهت أخواتها أن يفسحوا الطريق لنبي الله سليمان – عليه السلام – حتى لا يهلكوا تحت أقدامه وجنوده!).

بل قد نذهب لأبعد من ذلك ونتخيل أن النمل والدجاج والقطط والكلاب هي أيضاً يعجب بعضها بعضاً، وهنالك منها من هو قبيح ومن هو جميل في أعين عشيرته! ولم لا؟

نحن نقضي جل أعمارنا غافلين عن الكون غارقين في حدود ضيقة هي حدود ذواتنا. ولعلنا لا نرى من الحياة الحقة حولنا إلا مسافة شبر واحد أو أقصر! والرؤية الحقة تتطلب تصحيح أداة ليست هي العين لكنها البصر والبصيرة. لعلنا لن نتوقف عن الانبهار يوم واحد لو ازدادت أبصارنا حدة في نظرنا لما اعتدنا من أشكال الحياة والأحياء على هذه الأرض الصغيرة السابحة في الكون الواسع!

السخرية من الذات شفاء من كل داء!

السخرية من خلق الله طبع رديء وسلوك قبيح، لا شك في ذلك. فالسخرية فيها تعال على الآخرين وكأننا أفضل منهم، مع أن الأولى أن ننظر في عيوبنا قبل أن ننشغل بنواقص الآخرين.

ننشغل بعيوبنا؟ هنا قد يكون للسخرية وجه إيجابي، حينما تكون السخرية من ذاتنا وعيوبنا. لا حاجة لنا أن نعلن ذلك للناس، لكن من الممكن أن نسخر من عيوبنا بيننا وبين أنفسنا.

لست أنا صاحب الفكرة. فقد قرأت منذ قليل مقالاً لكاتب أمريكي (واحد من مؤلفي كتاب Rework الشهير) ومؤسس إحدى شركات البرمجيات في شيكاغو، عن استخدام السخرية من الذات، والذات هنا هي الشركة، بغرض تطوير الأداء والمنتجات. والفكرة التي قامت الشركة الصغيرة بتجربتها هي اجتماع جميع العاملين بالشركة في حفل تقريظ وسخرية من أفضل منتجات شركتهم! والهدف هو كسر الحاجز النفسي الذي يحول بين الإنسان وبين التعبير عن النقد عن طريق تحويل السخرية إلى نشاط فكاهي. النقد، في جانبه الإيجابي البناء، ليس ذماً ولكنه محاولة لرؤية النقص من أجل إصلاحه. يقول الكاتب أن التجربة كانت رائعة وأنهم قرروا الاستمرار في هذه العادة، فجلسة السخرية هذه نتج عنها بالفعل لفت النظر إلى العديد من الثغرات في منتجات الشركة ومن ثم وضع خطة لإصلاحها.

أعجبتني الفكرة! ورأيت أنه في الإمكان أن تتسع لتشمل أحوالنا الشخصية وثغرات الذات النفسية والسلوكية. لماذا لا نجلس جلسة مع الذات لنسخر من أنفسنا؟ قد ننتبه إلى عيوب عرفناها في أنفسنا زمناً طويلاً لكنا نؤجل النظر في وجهها ونهرب منها هروب الطفل المدرك لخطئه وعبثه! نعم فالنفس كالطفل! لو واجهناها بعيوبها لتكبرت واستكبرت وربما أنكرت! لكن لو بصرتها بعيوبها في إطار من الضحك والتفكه، في خفاء عن عيون الناس، فسوف تتقبل النقد بقبول حسن وقد تجدها وقد أقدمت في يوم واحد على تغيير تطمع فيه منذ سنوات!

تلبيس إبليس في مقاطعة ساويرس الخبيث!

يأتي تعليقي هذا على رأيي في هوجة مقاطعة ساويرس وشركاته المصرية متأخراً، وإن لم يكن في الواقع متأخراً لكوني لا أتحدث هنا عن قضية فردية هي مقاطعة إنسان بعينه ولكن لما تثيره من بعض المراجعات في طبيعة القيم الإسلامية التي تتبناها جماعات من أهلنا في هذا الزمن.

خلاصة الموضوع أن نجيب ساويرس نشر صورة كاريكاتورية لميكي ماوس بذقن طويلة وصديقته ميمي مرتدية النقاب. ثار نفر من المسلمين واتهموا نجيب بـ “إهانة الإسلام”. اعتذر نجيب ساويرس وحلف بأغلظ الإيمان أنه لم يقصد سوءاً. لم يقبل الغاضبون الاعتذار وقرروا مقاطعة شركاته حتى يودوا بها إلى الإفلاس. وحينما تفلس هذه الشركات بالطبع يكون المقاطعون قد حققوا انتصاراً عظيماً يؤكد على “عزة المسلمين”!

وجاءتني الدعوات لحملات المقاطعات الفيس بوكية. وسمعت الشباب المتحمس يأتي بأفكار مبدعة مثل عدم الرد على أي رقم موبينيل حتى يجبروا من لم يقاطع طوعاً أن يقاطع كرهاً، وإلا فما فائدة أن تحمل محمولاً لا يريد أحد من أصدقائك أن يحادثك فيه؟!

ولي ملاحظات وآراء على الأمر كله أوردها فيما يلي:

- لعل المقاطع الغيور على دينه يؤمن أن الإسلام دين تسامح ورحمة، والآية الكريمة تكاد تلخص مغزى الدين كله في الرحمة: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”. وفي قصص الصحابة أن جماعة من المسلمين خاضوا في عرض أم المؤمنين عائشة، فلما نزل قرآن يبرؤها قرر أبوها أبو بكر الصديق أن يقطع معونة مالية كان يقدمها لأحد الخائضين في عرض ابنته. فنزلت آية قرانية تحثنا على العفو والصفح، إن كنا نحب أن يغفر الله لنا. وأتساءل هل ذنب ساويرس بنشر صورة وهمية، لشخصيات غير موجودة في الواقع أساساً، أكبر من اتهام أم المؤمنين وزوجة نبينا بالخيانة الزوجية؟! لقد راجع الصديق نفسه ولم يقطع المعونة المالية عمن خاض في عرض ابنته. أما المتحمسون فلم يبالوا باعتذار رجل أخطأ وقرروا معاقبته حتى النهاية. ورأيي أن نقول ما نفعل ونفعل ما نقول حتى لا نكتب عند الله في زمرة المنافقين. إن أردت أن تواصل مقاطعة رجل عبر عن ندمه وكرر اعتذاره، فأرجو منك ألا تدير وجهك إلى اليمين فتخاصم وتقاطع ولا تقبل اعتذاراً ولا تفكر في مغفرة، ثم تديره لليسار فتقول أن الإسلام دين رحمة وتسامح ومغفرة! إن آمنت أن الإسلام دين تسامح فسامح وتقبل الاعتذار. وإن آمنت أن الإسلام دين انتقام وتدمير فواصل المقاطعة، وأنت حر!

- في جدال مع بعض أصدقاء الفيس بوك حول هذا الموضوع ذكرني صديق بلمحات من تاريخ المسلمين مثل “وامعتصماه” ومثل الحرب التي قامت بين المسلمين في المدينة وإحدى قبائل اليهود لأن تاجراً يهودياً ربط ثوب امرأة مسلمة حتى تتعرى أمام سوق بأكمله، نتج عنه مقتل التاجر على يد مسلم عابر ثم مقتل المسلم على يد نفر من اليهود. ولعل الكثير من شبابنا يستمع إلى هذه القصص ويحاول استرداد بعض مظاهر العزة لقومه. لكن العقل يتطلب بعض الدقة في إجراء المقارنات. لو كان ساويرس قد دخل على إحدى موظفاته المسلمات مثلاً ثم قام بخلع الحجاب من فوق رأسها بالقوة ثم كشف عن جسدها، لكنت أول من ناديت بالمقاطعة! كيف نقارن بين إهانة إنسان أدت إلى قتل إنسان آخر بصورة كاريكاتير لا تمس أحداً بعينه ولا تؤذي رجلاً أو أمرأة في عرضهم أو رزقهم أو كرامتهم؟!

- شركة موبينيل ليست هي ساويرس فقط. الشركة يعمل بها آلاف المصريين من مسلمين ومسيحيين. لو كانت هذه الشركة ترفض تعيين المسلمين مثلاً لقلنا أنها شركة تفرق بين الناس على أساس الدين ولا تستحق البقاء. هل يفكر المقاطع في آلاف قد تفقد عملها ورزقها بسبب هذه المقاطعة؟ إن خسارة إحدى شركات ساويرس سوف تكلفه فقط بعض “الخسارة”، أي أنه سوف يخسر أرباحاً كانت ستأتيه لولا المقاطعة، لكنه لن يفقد مصدر رزقه الوحيد ولن يسهر الليل بعد إغلاق الشركة يفكر ويفكر كيف يطعم أبناءه ويفي بمطالب الحياة بعد انقطاع رزقه! لكن هذا قد يكون حال الكثيرين من إخواننا العاملين في الشركة إذا ما تم الاستغناء عنهم بسبب المقاطعة. لو لم تكن تبالي بشبهة قطع أرزاق هؤلاء فواصل المقاطعة، وواصل معها القيام والصيام في رمضان أيضاً إن شئت!!!

- إن السخرية من ممارسة بعينها لا يمكن أن تحسب كإهانة لدين بأكمله! النقاب مختلف عليه، واللحية يضعها على وجهه الصالح والطالح. لو سخر ساخر من الصلاة مثلاً لكان بالفعل ساخراً من الإسلام. لو أهان أحدهم نبي الإسلام أو القران لقلنا صادقين أنه قد أهان الإسلام. بل إن مشركي مكة أهانوا شخص النبي محمداً ذاته بالقول والفعل، فقد قالوا عنه مجنوناً وساحراً وكاذباً، وتعرضوا له بما يكره، وعذبوا وقتلوا نساءاً كريمات ورجالاً نبلاء من صحابته. فلما دخل النبي عليهم منتصراً لم ينتقم بل صفح وغفر! بل وأثبت القران في آيات خالدة كل تهم المشركين للنبي الأمين، ومعنى ذلك أن الإهانة الكلامية يتقبلها القوي الواثق بالنظر في وجهها والرد عليها بمثلها: بالحجة والعقل! وليس بالتشنج والصراخ. الصوت العالي في أمور الفكر والدين والرأي هو سلاح الضعفاء!

وبعد، قد يقول قائل أني بذلت اللحظات والكلمات دفاعاً عن ساويرس. وأقول للعقلاء أنني لا أدافع هاهنا عن شخص أو شركة، وإنما أدافع عن أخلاق الإسلام!

حياة الكتب والحياة في أمريكا

أنا مدون كسول، تنتابني أوقات قليلة من النشاط التدويني لا تلبث أن تخبو. لكنني لست راض عن ذلك بالضرورة. ومن منا راض عن أدائه في الحياة تماماً؟! لو أنك راض عن أدائك تماماً فأرجو أن تخبرني كيف أو أن تؤلف كتاباً تنفعنا جميعاً به!

غير أن هذا الكسل لا يحول بيني وبين إنشاء مدونة جديدة كل حين وآخر، وكأن المدونة الجديدة سوف تأتي معها بجرعات إضافية من النشاط! ومع ذلك فإن عندي اليوم أسباب وجيهة للتنويه عن هاتين المدونتين الجديدتين:

الحياة في أمريكا:
تحتوي هذه المدونة الآن على ما كتبته من مواضيع سابقة لها صلة بالحياة في الولايات المتحدة الأمريكية، بلد مهجري منذ عام 2002. وتخصيص مدونة لهذا الموضوع يراودني منذ فترة لما أراه من اهتمام ورغبة في مثل هذه المواضيع وأيضاً بسبب ما أتلقاه من أسئلة حول الهجرة والحياة في أمريكا. وأعتقد أن تخصيص مدونة عن هذا الموضوع سوف يسهل للمهتمين به تصفح التدوينات السابقة والعثور على ما يبغونه من معلومات، كذلك قد يحثني على كتابة المزيد من المواضيع في هذا الباب. سوف يعني ذلك أنك لن تجد في هذه المدونة بعد اليوم التدوينات المصورة للأراضي الأمريكية، حيث ستنتقل جميعاً للمدونة الجديدة بإذن الله.

ولهذه المدونة أهداف عدة، منها ما هو سياحي لمحبي التعرف على البلدان ورؤية الصور، كذلك تزويد الراغبين في الهجرة أو السفر ببعض المعلومات كما يراها من يعيش بالفعل داخل أمريكا. لكن الأهم عندي، والذي قد تكون لاحظته من أسلوب عرضي لهذه المواضيع في السابق، هو أن أنقل إليك ما أشعر به من غيرة ألا تكون بلادنا مثل ذلك أو أفضل. وأنا أؤمن أن الاطلاع على تجارب الآخرين الناجحة ضرورة لازمة للتقدم. علينا أن نعلم حجم تأخرنا لكي نحجمه، وأن ننظر لنجاح الأمم في الشرق والغرب بمزيج من الاحترام والغبطة والإيمان أن في مقدورنا أن نفعل المثل.

حياة الكتب:
أما المدونة الثانية الجديدة فعن الكتب، كما ينبؤك بذلك عنوانها. لقد خطر لي منذ أسابيع أن حياتي لن تتغير أي تغير إلى الأفضل إلا إذا قرأت أربعة كتب كل شهر! لماذا كتاب في الأسبوع؟ لا أعلم تماماً، لكنني فقط شعرت أن أقل من ذلك لن يحدث التغيير المطلوب.

تذكر أن التغيير الحقيقي إنما يبدأ من فكرة تتحول لشعور ثم فعل. والفكر هو عالم الإنسان الحقيقي الذى تتشكل فيه حياته وأفعاله. والكتب تقدم المادة الغذائية التي يعيش عليها هذا الفكر. إن الكتب للفكر مثل الطعام للجسد، فيه الرديء المضر، وفيه ما يحتوي على سعرات حرارية فارغة! وفيه كذلك الخفيف المغذي – الذي يدخل في الصميم دون زيادات أو شحوم – وفيه أيضاً الدسم الممتع!

على كل، أنا لا أقرأ الآن كتاباً كل أسبوع بأي حال، وإن كنت أتمنى ذلك. والهدف من المدونة شخصي شديد الذاتية – تعظيم استفادتي بما أقرأ بالكتابة عنه – يختلط به هدف غير ذاتي هو مشاركة من تقوده الأقدار إلى صفحات المدونة فيما يقع بين يدي من ثمرات فكرية

نور الشمس ونارها

الشمس موجود يفوق الخيال وتتعذر حقيقته على التصور.

موجود واحد قد يحيل حياتك نعيماً أو جحيماً أو هلاكاً قاضياً.

العجيب أن الشمس مدمرة إذا غابت أكثر من اللزوم أو ظهرت أكثر من اللزوم!

نحن نهلك في برد قارص إذا غابت عنا الشمس غياباً حالكاً، تماماً كما نهلك في حر حارق إذا اقتربت منا اقتراباً يفوق احتمالنا!

يكفي أن تنظر في النور والنار، وهما من صميم حقيقة الشمس، لترى النعمة والحياة والنقمة والموت ما بين جلوس الواو وقيامها لتصبح ألفاً!

كان الإنسان في طفولته العلمية يظن نفسه مركز الكون والشمس من حوله تدور، ثم ما لبث أن تبين له أن أرضه بأكملها تدور حول الشمس وتتعلق بها حياتها.

والشمس تطلع على جموع غفيرة من البشر والكائنات فتشملهم جميعاً بحضورها، فيأخذ كل منهم منها قبساً وهي الواحدة وهم المليارات.

غير أنها لا تشرق على الجميع في ذات الوقت. ففي جانب من الحياة ينعم فريق بالنور والدفء، وعلى الجانب الآخر يرقد فريق في العتمة. وتنمو الزهور على جانب وتغطي الثلوج الباردة كل شيء في جانب آخر. كل هذا من فعل الشمس!

إن الشمس لا تطلع عليك إن طلبتها وجلست! عليك أن تذهب إلى الجانب المشرق من الكون، وإلا فلتقبل بنصيبك من الظلمات.

فإن علمت أن الليل قدر لا مفر منه أينما ذهبت في أرجاء الكون، فانظر إلى الشمس في داخل إدراكك لوجودها خلف ظلمات غيابها.

هل أنت فاشل؟

هل كانت لديك توقعات وأحلام عظيمة لنفسك لم تحقق منها شيئاً؟

أعلم أن الكثيرين منا سوف يجيبون بـ “نعم” على هذا السؤال، وتستطيع أن تضمني إلى قافلة الـ “نعم” هذه!

هل يعني ذلك أننا فاشلون؟!

بداية، الحق الذي لا شك فيه أننا جميعاً فاشلون وناجحون في نفس الوقت واللحظة. فكيف ذلك؟

نظرة إلى أعلى سوف تشعرك أنك فاشل شديد الفشل والخيبة. أتبعها بنظرة إلى أسفل وسوف تحمد الله حمداً كثيراً أن فضلك على كثير ممن خلق وجعلك ناجحاً نجاحاً باهراً عظيماً!

إذا افترضنا أن معيار المقارنة هو العمر، فهناك من هو في نفس عمرك، في مكان ما، حقق نجاحاً أكثر منك، مهما كان مجالك. وهناك كذلك من هو في نفس عمرك وينظر إلى ما حققته أنت على أنه حلم بعيد المنال!

قد تقول أنك لم تحقق شيئاً أبداً يستحق أن ينظر إليه آخر على أنه حلم بعيد المنال، أليس كذلك؟ حسناً، لو أنك تقرأ هذه الكلمات الآن على شاشة الكمبيوتر، فإن ذلك يعني أنك ولدت في عائلة وفي ظروف أتاحت لك أن تتعلم وربما تتخرج من الجامعة. في نفس هذه اللحظة هناك عشرات الملايين في نفس عمرك ولا يجيدون القراءة والكتابة، تصور كيف ينظر هؤلاء إليك! وهناك عشرات أو مئات الملايين لم ينظروا في شاشة كمبيوتر منذ خرجوا من أرحام أمهاتهم! وهناك من هو في مثل عمرك، في هذه اللحظة ذاتها، يعيش مثل العبد ولا يكاد يجد قوت قومه، ألا تعد ظروفك أنت الآن مثل الحلم عند هذا الإنسان المحروم! نحن نعيش في عالم بائس عانى من ظلم الإنسان ما جعل مجرد القدرة على القراءة والكتابة والنظر في شاشة كمبيوتر وراحة البال من قرصة الجوع في عداد الأحلام والأمنيات شبه المستحيلة عند مئات الملايين من البشر، هذه هي الحقيقة!

نحن نحتاج فقط إلى شيء من التوازن في تقديرنا لأوضاعنا الحالية. علينا أن ننظر إلى أعلى بالقدر الذي يهيء لنا ألا نرضى بالواقع دون سعي لتغييره والارتفاع به. وعلينا في ذات اللحظة أن ننظر إلى أسفل حتى لا نفقد نعمة الحمد فتظلم نفوسنا بظلمة الحنق واليأس. وهل يتأتى عن المشيء في الظلمة إلا المزيد من التيه والضياع؟!

أما المقياس الحق لمدى نجاحك ونجاحي أو فشلك وفشلي فيجب ألا يكون شيء خارج عن ذواتنا؛ إن المقياس هو: هل نفعل أفضل ما عندنا؟ هذا هو المعيار الأحق. لذلك لا تشغل بالك كثيراً بما حققته أنت مقارنة بما حققه أي إنسان آخر، فكر فقط فيما حققته أنت مقارنة بما يمكن أن تحققه أنت!

إذا كنت تفعل أفضل ما تستطيع فأنت أنجح الناس، وإن كانت هنالك مسافة بين ما تفعل فعلاً وما تستطيع أن تفعل فإن جهادك الأوجب والأكثر إلحاحاً هو في تقصير هذه المسافة يوماً بعد يوم!

صواب مصر

بعد أن تمكن المرض المباركي وتوغل في جسد مصر وخلاياها لعقود طويلة، تحاول مصر الآن أن تتماثل للشفاء وتعبر مرحلة النقاهة الحرجة على خير، في الطريق نحو الشفاء الكامل والصحة الدائمة بإذن الله.

نعلم جميعاً أن هذا المرض العضال قد طال كل أعضاء الجسد المصري الكبير ونالها بالأذى. غير أن هذا التشعب لا يمنع أن نضع خطوطاً عريضة وعناوين كبيرة بهدف توضيح الرؤية وإضاءة خريطة العمل المطلوب بنظرة بانورامية أو “فوقية” للصورة العامة دون التفاصيل.

وقد فكرت في كلمة واحدة تجمع تحتها هذه الخطوط العريضة أو الخريطة العامة لمجالات العمل المطلوب لتنقية مصر من بقايا وأعراض هذا السرطان. وأردتها أن تكون كلمة سهلة التذكر، ذات معنى قائم بذاته وفي الوقت نفسه يشير كل حرف من حروفها إلى واحد من الخطوط العريضة التي يندرج تحتها العديد من المشاريع المختلفة.

فنحن نريد أن نخرج بمصر من العجز إلى الإنجاز، ومن الفشل إلى الإعجاز، وكثير منا نحن المصريون نظن في أنفسنا التفوق والتفرد والعبقرية، ولا بأس بذلك، فهذا أفضل من أن نظن بأنفسنا الفشل وعدم القدرة على التقدم. لنؤمن أننا شعب عظيم متعدد المواهب معجز القدرات، على أن نجعل من هذه الصورة محفز للعمل لا ذريعة للكسل.

ونحن نؤمن كذلك أن مصر لم تأخذ حقها من التقدم بسبب شرذمة من الفاسدين الأغبياء تمكنوا من أمرها لعقود طويلة. أي أن هذا الفشل يرجع لأخطاء وانحراف عن المسار الطبيعي، ومن ثم لو عادت الأمور إلى طبيعتها، والدفة إلى وجهتها، وتولى أمورنا خيارنا، فسوف يصحح ذلك المسار المصري ويحول وجهته من التقهقر المزمن للوراء ولأسفل، إلى التقدم المطرد للأمام ولأعلى. نحن نريد “تصويب” المسار وتصحيحه. نريد “صواب” مصر، ومن محاسن الصدف اللغوية أن هذا الـ “صواب” يضم تحته حروف يعبر كل واحد منها عن أحد عناوين التقدم الرئيسية:

- صاد الصواب: “صحة” المواطن. ونحن نعلم الواقع المخيف لصحة المصريين الذي خرجنا به من عهد مبارك. ما بين سوء التغذية المفروض فرضاً على الفقراء، إلى تلوث الطعام والشراب الذي لا يسلم منه قادر ولا معدم. وما دام تقدم الوطن هو محصلة تنمية كل مواطن، فإن صحة مصر لا تزال في خطر. وكما نعلم فإن العقل السليم في الجسم السليم، لذلك فإننا نظلم الفقراء والمعدمين إذا طلبنا منهم عقلاً واعياً ومشاركة سياسية إيجابية في أي عمل ديمقراطي. نحن جميعاً بشر. والإنسان عليل الجسد هو غالباً مريض العقل وبطيء الفهم وثقيل الهم. وعلاج صحة مصر ينطوي على مشاريع ذات طابع “إغاثي” عاجل يتعامل مع الحالات الأصعب من المرض وعدم القدرة على الحصول على الغذاء الأساسي، ومشاريع أخرى ذات أمد أطول تعالج مشاكل التلوث الغذائي والمائي والهوائي.

- واو الصواب: “وعي” المواطن. يتشكل أكثر الوعي من خلال التعليم والإعلام. ولعلنا لا نختلف أن وجود الإعلام البديل المتمثل في الانترنت كان له بالغ الأثر في إشعال الثورة بما أتاحه من اطلاع حر وتواصل بين الأفراد الذين تجمعهم رؤى متقاربة وآمال مشتركة. غير أن هذا الإعلام لا يصل إلا لنسبة ما زالت محدودة. ومع ارتفاع نسبة الأمية لدرجات مخيفة يظل الإعلام المرئي هو أقوى وسائل التأثير وأكثرها انتشاراً.

ومن ثم فإن أي عمل مجدي في صالح هذا البلد لابد وأن يبذل جهداً وفيراً لحل مشكلة الأمية بالتوازي مع ابتكار وسائل سهلة – غير مقروءة – لتوعية عشرات الملايين من الفقراء والأميين، الذين يشكلون قنبلة موقوتة لو تم تجاهلهم أو الغفلة عما يدور في عالمهم.

أما التعليم الرسمي فلا مفر من هدمه رأساً على عقب وإعادة بنائه “على نظافة”! وهو جهد مؤسسي ضروري وإن كان طويل الأمد وبعيد الثمرة.

- ألف الصواب: اقتصاد. لا مفر من التعامل مع الاقتصاد أيضاً في خطين متوازيين، أولها سريع وإغاثي في طبيعته، والثاني متوسط وطويل الأمد. ولا يجب أن ننسى الأهمية القصوى للجهد الإغاثي في خضم انشغالنا بالتخطيط البعيد والبناء للمستقبل. فهناك عشرات الملايين من النفوس البشرية تعيش تحت خط الفقر منذ عقود، في ظروف غير إنسانية بل وغير حيوانية في كثير من الأحيان!

- باء الصواب: بحث علمي. لا يقتصر البحث العلمي بالضرورة على التكنولوجيا وأبحاث تجري في المختبرات العلمية. البحث العلمي هو كل جهد عقلي منظم من أجل إيجاد حلول لمشكلات قائمة، أو خلق آليات جديدة – في أي مجال – تؤدي إلى تحسين نوعية الحياة. البحث العلمي هو أداة لإيجاد الحلول لمشاكل مادية بحتة مثل تلوث البيئة، ومشاكل اجتماعية إنسانية لا يمكن وضعها في مختبر مثل الأمية والفقر. ولا يوجد مجتمع يتحرك للأمام دون بحث متصل عن وجهات وآليات وأدوات هذا التحرك. وبدون هذا البحث المتواصل والمنهج العلمي تنتهي جماعات البشر إلى التحرك للخلف أو نحو الهاوية وهي تظن أنها تتحرك للأمام. فأحياناً ما يكون السكون والوقوف محلك سر خير وأكثر أمناً من التحرك على غير هدى!

هذا عرض متعجل للعناوين العريضة للعمل من أجل مصر، لا سيما وأن الكثير من المصريين الآن يشعرون أن الوقت قد حان لمشاركة إيجابية. فهذه مجالات العمل المدني وليس الحكومي فقط، وكل مؤسسة خيرية أو جمعية لا تهدف للربح قد تختار أحد هذه الحاجات الملحة لكي تعمل عليها وتركز جهدها.

وهكذا يتحقق “صواب” مصر بالتركيز على كل جزء مفرد من هذا الصواب وحروفه: الصحة والوعي والاقتصاد والبحث العلمي.